الأحد 20 يونيو 2021
كتاب الرأي

بوبكري: مظاهر إفلاس النظام السياسي الجزائري

بوبكري: مظاهر إفلاس النظام السياسي الجزائري محمد بوبكري
يلاحظ المتتبعون للشأن الجزائري أن النظام السياسي السائد يقدم الكثير من الحجج التي تؤكد أنه لم يعد له ما يقدمه للشعب الجزائري، حيث عجز عن إحداث التغيير الذي وعد به على مستوى الأفراد والمؤسسات، وخصوصا فيما يتعلق بأسلوب التسيير، وأن الوضع بقي على ما كان عليه دوما منذ بداية الستينيات، بل إنه ازداد سوءا على ذلك. فلو سألنا أي فرد في الشارع الجزائري: هل تغير أي شيء في حياة البلاد، فإن جوابه سيكون بالنفي. وإذا سألناه كذلك: هل النظام قادر على إحداث التغيير؟، فإنه سيجيب: لا. ويدل ذلك على عجز النظام عن إحداث التغيير ومراجعة الذات، ما يكشف عن عدم قدرته على التطور والنمو، حيث لم يعد في إمكانه فعل أي شيء يذكر، بل أصبح يردد الشعارات نفسها، والأكاذيب ذاتها، كما بات يعتمد منهجية التسيير نفسها، ولم يبدع إلا في أساليب الافتراء والقمع، حيث أصبح رجال مخابراته يغتصبون جنسيا القاصرين والكبار معا... ويشكل عجزه هذا عن إحداث التغيير مؤشرا على إفلاسه.. فهو لا يريد إحداث التغيير، لأنه مصاب بداء فقدان القدرة على الخيال، ما جعله عاجزا عن الإنجاز، بل إنه ينجز فقط في مجال الفساد والإفساد...
لا يتردد نظام الجنرالات في تقديم الوعود الكاذبة. لقد أطلق "وزير التجارة" الجزائري وعودا كثيرة، فصور للشعب الجزائري أن البلاد ستصير جنة على الأرض، لكن واقع الأسواق يفضح كذبه، لأن الأسعار ارتفعت، والمواد الغذائية ندرت، والسيولة النقدية ضعفت، ما جعل الشعب الجزائري يعاني من أزمة خانقة تفند ادعاءات وأكاذيب "تبون" ووزرائه.
كما قام "وزراء" آخرون بممارسة الكذب على الشعب، لأنهم وعدوه بأن الجزائر ستتحول إلى منارة في أفريقيا، وحتى في العالم، ووعد أحد الوزراء في مهرجان خطابي بأن منطقة "معسكر" ستتحول إلى "كاليفورنيا الجزائر". لكن هذه الوعود سقطت في الماء، حيث لم يتحقق منها أي فتيل.
لقد حول الجنرالات الجزائر إلى ملكية خاصة لهم، حيث تبخرت ألف مليار دولار، دون أن يتوصل الشعب الجزائري بأي توضيح حول وجوه صرفها. ونظرا للإمكانيات الطاقية التي تتوفر عليها الجزائر، فقد كان في إمكان هذا البلد أن يصنف عالميا قبل ماليزيا وتركيا، لكن الواقع يؤكد أن الجزائر قد نزلت إلى الدرك الأسفل، من حيث مؤشرات التنمية، بسبب الفساد والنهب، وصار الشباب يرمون بأنفسهم في البحر، هربا من البؤس والبؤس الذي أغرقهم الجنرالات فيه...
ومن المفارقات الغريبة أن الجزائر تحتل اليوم المرتبة الثالثة إفريقيا من حيث عدد المليارديرات، في الوقت الذي يعجز فيه أغلب الجزائريين عن تغطية حاجياتهم الغذائية اليومية.... ونتيجة لذلك، فقدْ فقَدَ الشعب الجزائري الثقة في نظام العسكر، وأصبح يطالب برحيله...
أما على المستوى الخارجي، فلم يقم الجنرالات بأي إنجاز، بل إنهم حصدوا الهزائم الدبلوماسية في الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأمريكا، وفي العالم بأسره، إذ فقد الجميع الثقة فيهم، فأصبح الرأي العام العالمي على وعي بعنفهم ضد الحراك الشعبي السلمي، كما صار على علم بمساندتهم وتمويلهم للجماعات الإرهابية في دول الساحل بهدف ابتزاز الدول الغربية من أجل السماح لهم بالتوسع على حساب جيرانهم، بالإضافة إلى متاجرتهم في السلاح والمخدرات والبشر في هذه المنطقة.
علاوة على ذلك، لقد دأب جنرالات الجزائر منذ سنين طويلة، كلما نظموا انتخابات جديدة، على إعلان أن الجزائر ستصير "جزائر جديدة"، لكن ذلك كان دوما يصيب الشعب الجزائري بالصدمة وخيبة الأمل، حيث لا شي ٍء يتحقق من وعودهم الكاذبة.
ولما تم فرض العسكر " تبون" على الشعب الجزائري قام هذا الشخص بتقديم وعود برفع الأجور، وإعادة الاعتبار للجزائريين الذين صاروا يعانون من الجوع والقمع وسلب الحريات في الداخل، وصار بعضهم يعاني من التشرد والضياع في مختلف مطارات العالم، ولا ينتبه الجنرالات إليهم، بل إن وسائل الإعلام الدولية تشير، أحيانا، إلى أوضاعهم المأساوية. وعلى العكس من ذلك، فإن وسائل الإعلام التابعة للنظام الجزائري صارت مسخرة فقط للدفاع عن بقاء العسكر في السلطة.
فوق ذلك، لقد كان رد فعل الجنرالات على الحراك هو البحث عن حصان طروادة لتشويه صورته، حيث لجأوا إلى اتهامه بأنه مؤطر من قبل جهات إرهابية، واتهموا بعض رموزه بكونهم إرهابيين، فباءت مؤامرتهم بالفشل الذريع، حيث رفضت السلطات الفرنسية تسليمهم الإعلاميين المرموقين "هشام عبود" و"أمير د. ز."، لأن طلب الجنرالات بتسليمهم هذين الصحفيين المرموقين، يتعارض مع القانون الدولي، بل إن العدالة الدولية استدعت مؤخرا الجنرالات "توفيق مدين" و"خالد نزار" و"مجاهد" بهدف التحقيق معهم لأنهم متهمون بارتكاب "جرائم حرب" ذهب ضحيتها ما بين ربع مليون ونصف مليون جزائري في تسعينيات القرن الماضي. ويؤكد خبراء جزائريون أن الجنرالات قد تعودوا على توظيف ورقة الإرهاب ضد معارضيهم بهدف الفتك بهم، حيث سبق أن استعملوها لارتكاب جرائم دموية فظيعة ضد الشعب الجزائري. ورغم أن الجنرالات قالوا إن الجبهة الإسلامية للإنقاذ (fIS) قد انتهت منذ سنين، فإننا نجدهم اليوم يتهمون "جمعية رشاد" بكونها إرهابية، الأمر الذي يدحضه الواقع؛ فالشارع لا يعرف هذه الجمعية، وهي لا تؤطر الحراك؛ بل كل ما في الأمر هو أنها جمعية صغيرة عرفت كيف تتجاوب مع مطالب الشارع الجزائري، كما أن لها أفرادا يتقنون العمل على شبكات التواصل الاجتماعي ويبرعون في التواصل مع الشعب الجزائري ويدافعون عن مطالبه. وقد التزم أحد قياديي جمعية "رشاد" بأنهم سيحلون هذه الجمعية إذا تم بناء دولة مدنية. ويؤكد المتتبعون للشأن الجزائري أن عودة الجنرالات إلى استعمال ورقة الإرهاب راجع لعودة " خالد نزار" إلى الجزائر وخروج "توفيق محمد مدين" من السجن، لأنه قد سبق لهما أن خلقا جماعات إرهابية، ووظفوها للقيام بعمليات إرهابية بتنسيق معهما، حيث كانا يتدخلان لوضع حد للعمليات الإرهابية، ما جعلهما يقدمان الجيش بكونه منقذا من الإرهاب، اعتقادا منهما أن ذلك سيحسن صورة الجنرالات، ويمنحهم شرعية الاستمرار في السلطة. لهذا فإن كل من يعارض النظام يتم رميه بالإرهاب. أضف إلى ذلك أن ورقة الإرهاب أصبحت محروقة، وأصبح الشعب الجزائري يعي أن العسكر هم الذين خلقوا التنظيمات الإرهابية في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، حيث يستحيل على الجنرالات أن يعيدوا نفس السيناريو اليوم، لأن العالم كله على علم بسوابقهم في نهاية القرن المنصرم، ما يستحيل معه تكرار سيناريو "العشرية السوداء"، لأن الرأي العام الدولي سيدينهم، كما أن الأمم المتحدة قد تتدخل لحماية الشعب الجزائري من مؤامرات الجنرالات التي صارت مكشوفة. وهذا ما يؤكد إفلاس النظام الجزائري.
فضلا عن ذلك، لقد لجأ النظام إلى اتهام الحراك بأنه مؤطر من قبل حركة " الماك"، التي تدعو إلى انفصال منطقة "القبائل" عن الجزائر. وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء جزائريون أن عداء العسكر الذي ُيصرفه العسكر ضد سكان منطقة "القبائل" يخدم حركة "الماك"، التي سبق أن أعلن زعيمها "فرحات مهني" أن ما يحدث في الجزائر لا علاقة لحركته به، لأن ما يهم حركته هو الاستقلال عن الجزائر. هكذا، فإن العسكر يقدمون أكبر خدمة لهذه الحركة الانفصالية، لأنهم يسعون إلى تعميق الصراعات العرقية بين أفراد الشعب الجزائري، ما يرسخ الانفصال. وتجدر الإشارة إلى أن سكان منطقة "القبائل" يحبون وطنهم، حيث إن تاريخ الكفاح الوطني من أجل الاستقلال والبناء الديمقراطي شاهد على ذلك. فهم يرفضون النظام السياسي منذ عقود، لأنهم أكثر تسيسا ويتميزون بعمق الوعي ونزوعهم لمكافحة. الاستبداد، ما جعل حكام الجزائر يعملون دوما على إقصائهم وتهميشهم، فردوا على ذلك برفضهم لنظام العسكر، الذي يرغب في استئصالهم. ونظرا للجوء الجنرالات إلى تسليط عنفهم على أهالي هذه المنطقة، فإن هذا يؤكد عجزهم وإفلاس نظامهم السياسي لذلك لا يمكن للعسكر أن ينجزوا أي شيء؛ فهم يمارسون العنف والنهب والإقصاء، ولا يتوقفون عن اتهام معارضيهم بالإرهاب والانفصال من أجل ضرب الحراك الشعبي؛ فهم يسيئون إلى صورة الشعب الجزائري، لأنهم يرمونه ب "الإرهاب".
هكذا، فإن الجنرالات لا يكفون عن تخوين معارضيهم، عبر اتهامهم بكونهم عملاء لجهات خارجية. ويبدو لي أن ممارستهم هاته تعكس ضعفهم، وتكشف أنهم عاجزون عن حماية البلاد، حيث استطاعت جهات خارجية تأطير الحراك من خارج الجزائر، حسب زعمهم، الأمر الذي يستوجب إقالتهم، لأنهم لا يستحقون البقاء في السلطة. والخطير في الأمر أن هؤلاء الجنرالات يتهمون الشعب الجزائري، الذي يتظاهر ضدهم في كل شوارع البلاد مطالبا بحقوقه المشروعة، بكونه مجرد بيادق في يد جهات خارجية. لهذا، فإذا كانت هذه الجهات الخارجية قادرة على إحداث ثورة في الجزائر، فعلى الجنرالات أن يدركوا أن نظامهم قد أفلس، ما يستوجب انسحابهم من السلطة...
وللمزيد من الحجج على إفلاس النظام السياسي الجزائري، يكفي أن نشير إلى أن موظفي الوظيفة العمومية لم يتوصلوا برواتبهم لشهر أبريل في موعدها المعتاد. ولما بدأوا يحتجون على ذلك، أمر "وزير المالية" الخزينة الجزائرية بدفع رواتب موظفي الدولة حتى بالنسبة للقطاعات التي ليست لها أموال، حيث أمر مسؤولي الخزينة أن يأخذوا من هنا وهناك لإيجاد حل ترقيعي لهذا المشكل، في انتظار دخول أموال إلى الخزينة، ما يدل على أن النظام بدأ يدخل في مرحلة العجز عن أداء رواتب موظفي الدولة. وهذا ما يؤكد أن النظام الجزائري في طريقه إلى الإفلاس..
وإذا كان موظفو قطاع البريد والمواصلات في الجزائر قد دخلوا في إضراب عن العمل من أجل المطالبة بالزيادة في الأجور، لأن تدهور قيمة الدينار وارتفاع الأسعار قد جعلهم في وضعية هشة، حيث أصبحوا عاجزين عن تلبية الحاجيات الأساسية لأسرهم، وكانت السلطة قد قبلت بتلبية %40 من مطالبهم، فإن هذا يدل على أنها تعترف بأن مطالبهم مشروعة. لكنها اعتذرت لهم بأنه ليس لها ما يكفي من الموارد المالية لتنفيذ ما وعدتهم به حالا، والتزمت بأنها ستشرع في تنفيذ 40% من مطالبهم ابتداء من شهر يوليوز المقبل، حيث تتوقع السلطة أنه ستكون لها آنذاك الموارد المالية الكافية لتغطية ذلك. والخطير في الأمر هو أن بلادا تصدر البترول والغاز قد بلغت السلطة فيها مرحلة العجز عن أداء أجور الموظفين، ما يدل على أن النظام على حافة الإفلاس.
وتؤكد الأخبار الواردة من الجزائر وفرنسا أن " الخطوط الجوية الجزائرية" دخلت في مرحلة الإفلاس، حيث قررت طلب قرض قدره حوالي 900 مليار دولار من فرنسا بضمانة من الدولة الجزائرية. ويقول متتبعون جزائريون إن إفلاس هذه المؤسسة ناجم عن نهب الجنرالات لأموالها.
لقد وعد "تبون" باسترجاع الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج في اتجاه الجزر التي توجد بها الملاذات الضريبية، لكنه لم يفعل شيئا من ذلك، لأن وعوده مجرد أكاذيب، حيث برر عدم قدرته على فعل أي شيء بالنسبة لاسترجاع هذه الأموال بأن المساطر والإجراءات القانونية معقدة، ولا تساعد على ذلك. وهذا ما دفع بعض الجزائريين إلى الاحتجاج على كلام "تبون"، لأن الجنرالات يتخوفون من الإقدام على هذه الخطوة، لأنهم ذواتهم قد هربوا أموالا طائلة إلى الخارج، ما يؤكد أنهم يتخوفون من افتضاح أمرهم. لذلك لا يفهم الخبراء الجزائريون سبب لجوء "الخطوط الجوية الجزائرية" إلى الاقتراض على ضمانة الدولة، لأن مجموعة من الذين هربوا الأموال هم رهن الاعتقال، أو موجودون في الجزائر، حيث يكفي أن يوقعوا تفويضا لمحاميهم بالتصرف في ممتلكاتهم وحساباتهم البنكية في أوروبا والخليج، لتستطيع السلطة استرجاع الأموال المنهوبة والمهربة. لذلك، فإن "علي حداد" و"أنيس رحماني" وغيرهما من الذين نهبوا أموال الجزائريين هم حاليا رهن الاعتقال ولن يعارضوا القيام بتفويض محاميهم للتصرف في ممتلكاتهم وحساباتهم البنكية في الدول الغربية والخليج. لذلك، فإن هؤلاء الخبراء الجزائريون يعترضون على إغراق البلاد في الديون، حيث يقولون إن هناك جبالا من الملايير مهربة إلى الخارج، وأصحابها يوجدون رهن الاعتقال، أو في حالة سراح، ما يستوجب الجرأة على استرجاع هذه الأموال، التي ستساعد مؤقتا على حل أزمة البلاد، لأن المشكل كامن في الجنرالات...
تبعا لكل ذلك، فإن كل المؤشرات تؤكد أن النظام الجزائري عاجز ماليا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا وأخلاقيا ودبلوماسيا، ما يؤكد أنه امتطى قطار الإفلاس والانهيار، بل إنه على وشك الرحيل.