السبت 12 يونيو 2021
منبر أنفاس

ميمون السالمي: الاضطراب النفسي وتمثلات المجتمع المغربي

ميمون السالمي: الاضطراب النفسي وتمثلات المجتمع المغربي ميمون السالمي

كلما تحدثنا عن علم النفس المرضي الإكلينيكي، نجد أن البشرية منذ زمن بعيد اهتمت بالاضطرابات التي كانت تصيب الفرد، حيث إن الباحثين قديما وحديثا اهتموا كثيرا بالاضطرابات النفسية، وأهم الجوانب التي تساهم في إنتاج مثل هذه الاضطرابات، فتارة نجد البعض يفسرها من الناحية العلمية وأخرين من الناحية الخرافية والأسطورية. وفي هذا الشأن هناك دراسات حول الجماجم، اهتمت بالاضطراب النفسي من خلال الثقوب الظاهرة على الجماجم، وخاصة في حالات الفصام.

 

ومما لا شك فيه، أن أول تناول علمي للاضطراب النفسي وضع من طرف "إيبوقراط" الطبيب اليوناني كما يؤكد الباحثين الذين يرجعون البدايات الأولى لعلم النفس قبل القرن التاسع عشر، حيث أعطى إيبوقراط تعريفا للملانخوليا باعتبارها أعلى درجات الاكتئاب حدة، حيث أرجع الاضطراب النفسي نتاج خلل في الأخلاط الأربعة، مؤكدا أنها تتميز بخصائص سوداوية أكثر، بالتالي ومن خلال ما تقدم به أبوقراط، نرى أنه حاول فهم الاضطرابات النفسية، أن يفسر الظاهرة تفسيرا علميا وليس خرافيا. وبينما كانت أوروبا تعيش على واقع أن الاضطراب النفسي يدخل في إطار الخرافات؛ ويعتبرونه لعنة ومس من الشيطان، مما جعل المضطرب نفسيا لا يسلم من الحرق والقتل، أو النفي في مكان بعيد، لأنهم كانوا يعتبرون أن الذين يعانون من اضطرابات نفسية "حمقى"، أي مصابين بمرض الحمق، وبالتالي فإن حرقهم وقتلهم حسب اعتقادهم هو تخليصهم من لعنة الشيطان، وعلى عكس ذلك نجد "غالينوس" يقر على أن الاضطراب النفسي مثله كمثل باقي الاضطرابات النفسية الأخرى، وعمل على تقديم العلاج لهذا الاضطراب وبعيدا عن أوروبا وما حظي به الاضطراب النفسي من سوء معاملة قبل أن يأخذ طابعه العلمي، وما كان يحظى به في الجانب المقابل بالدول العربية من عناية ورعاية على اعتبار ان الاضطراب النفسي هو اضطراب كباقي الاضطرابات الأخرى.

 

هذا من جهة، لكن من جهة أخرى، وإذا أمعنا النظر جيدا في مجتمعنا المغربي، نجد أن الثقافة السيكولوجية المغربية تتنافى بالبث والمطلق مع التصنيفات العلمية التي وضعت سواء في أوروبا أو من قبل الدليل الأمريكي التشخيصي للاضطرابات الذهنية DSM؛ أو لـ CIM10، ورغم كل ما عرفه المغرب قديما بتعامله مع المضطربين نفسيا وعلاجهم، وخصوصا العلاج بالموسيقى، إلا أننا الآن ومنذ زمن لازلنا نفتقر للثقافة السيكولوجية بالمغرب، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد في المجتمع من يصنف هؤلاء الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، بالمختلين الغرباء، وأنهم ينتشرون في المجتمع ويجوبون الشوارع كما يحلو لهم، دون رقيب ولا حسيب، والغريب في الأمر أن نجد هذه النظرة وهذه التمثلات تحملها فئة مثقفة من مجتمعنا، بحيث تزيد هذه النظرة الإقصائية والخرافية للمضطربين نفسيا من معاناتهم بل تزيد من حدة الاظراب بشكل مفرط في الكثير من الأحيان، كما لا يمكن الاختلاف أيضا، حول ما ينعت به المضطرب نفسيا من ألقاب، وما يروج له من مفاهيم حول هذا المرض، إذ يمكن الحديث عن مفاهيم من قبيل "هبيل"، "مشير"، "مضروب" وما إلى ذلك من المفاهيم التي لا تندرج في إطار البحث العلمي السيكولوجي، بقدر ما هي مفاهيم تنتمي إلى ثقافة خرافية تفتقر أشد ما تفتقر إلى السببية.. فإذا تحدثنا مثلا عن مفهوم "مشير" نجد البعض يرى أن تلك الهذيانات التي يهذي بها المريض، يرونها بمثابة مس الجن، أي تسكنه أرواح شريرة، وهذا الجن الذي يسكنه هو الذي يتحدث مكانه، وبالتالي نرى أن في غالب الأحيان هناك من يقوم باقتياد هذا المريض إلى ضريح أو "سيد" لتخليصه من مرضه، وقس على ذلك من المضطربين نفسيا ممن يتم تقييدهم بالسلاسل حتى لا يلحقون ضررا بالآخرين، وما لا يخفى على أحد، وبعيدا عن الشعارات وما يروج في الندوات والمنابر الإعلامية، التي تتنافى مع واقع الثقافة السيكولوجية بالمغرب، فلا نجد سوى التهاون الكبير والاستخفاف في التعامل معهم، ولعل ما يعيشه ممن لديهم اضطرابات نفسية من معاناة، وخاصة "الفصاميين" منهم حيث نجدهم إما بجانب طريق يسيرون أو بجانب القمامة بملابس رديئة، وبدون أي رعاية أو تكفل نفسي داخل المراكز المخصصة للأمراض النفسية والعقلية، التي تحظى بخصوصيات هؤلاء المرضى وتخليصهم من شر النظرة التي يحملها المجتمع اتجاههم.

 

ولعل آثار تداعيات هذه التمثلات وهذا الاستخفاف هو ما خلف مجموعة من الأحداث. لا سواء في الآونة الأخيرة أو منذ فترة مضت.  وبيّنت الدراسة التي تناقلت نتائجها الصحف المحلية أن %48 من المغاربة يعانون من مشاكل نفسية، أي ما يقارب مواطناً واحداً من بين اثنين. وهذه الأرقام المخيفة صادرة عن تقرير لوزارة الصحة المغربية بخصوص معدل الأشخاص المتأثرين بالاضطرابات النفسية في البلاد، وهذه النسبة تبين على ضرورة الاهتمام بهذا المجال لتفادي مجموعة من الأحداث.

 

ما يمكن التأكيد عليه، أن أهمية التكفل النفسي بهؤلاء الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية له دور هام للتخفيف من معاناتهم، عن طريق التدخل العلاجي، ولنا في طرق العلاج برامج كثيرة تهتم بذلك؛ التي تطبق من طرف مجموعة من الأخصائيين النفسانيين بالمغرب، والذين باستطاعتهم مساعدتهم ولو بالقليل للتخفيف من حدة الاضطراب نسبيا. وفي الختام يمكن القول: أنه في ظل وجود مجتمع يفتقر للثقافة السيكولوجية، وما تحمله ثقافتنا من تمثلات خاطئة وقاسية تجاه المضطربين نفسيا، لن تزيد معاناتهم إلا حدة، وبالتالي لن تقدم شيئا للسيكولوجيا المغربية، إذا كنا فعلا نتحدث عن سيكولوجيا مغربية.

 

- الهوامش:

- د. محمد حمدي الحجار. (1998) مدخل إلى علم النفس المرضي. دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع.

- حجاجي مصطفى، (2004) الصحة النفسية المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء.

- عكاشة أحمد (1999) المراجعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض. منظمة الصحة العالمية لتصنيف الاضطرابات النفسية والسلوكية. أشرف على الترجمة أحمد عكاشة. المكتب الإقليمي لشرق المتوسط.

- علوي إسماعيل، محاضرات في علم النفس المرضي الإكلينيكي، طلبة علم النفس الفصل الثاني، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس.

 

- ميمون السالمي، خريج كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس، والمدرسة العليا للأساتذة بفاس، تخصص علم النفس