السبت 12 يونيو 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (6)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (6) عبدالصمد الشنتوف
 

هذا الصباح، اكتسح ضباب كثيف فضاء لندن وضربت عاصفة باردة ربوع المدينة . طقس غائم كئيب . خطوات الناس سريعة . لا أحد يهتم بالآخر أو يلتفت إليه . عبر نافذة القطار أبهرني مشهد لندن الصباحي المذهل، ينتشر الضباب بين مبانيها بصورة كثيفة حتى لا يكاد يظهر سوى قمم أبراجها ، مع اختفاء باقي المدينة في بحر لجي من الضباب . مدينة مناخها دائم الضباب ، ومعتم حتى في فصل الصيف .

يواصل القطار سيره على إيقاع من معزوفات موسيقية ريفية أطربت سمعنا ، بعض أغاني "كيني روجرز" يؤديها شاب أشقر بمهارة فائقة ويطوف بقيتارة مهترئة بين الركاب داخل العربة ليجمع حفنة من الجنيهات . مشهد مألوف في بهو محطات المترو وداخل القطارات أيضا ، الإنجليز شعب يتذوق الموسيقى و يعشقها إلى حد الإدمان .

عبر القطار الجسر إلى ضفة أخرى من نهر التايمز ، دخان كثيف يصعد من مدخنة عالية تعود لأحد المصانع يمتزج بضباب طبيعي ، فيتحول الى كتلة ضبابية ملوثة حاجبة للرؤية وكأنها لوحة فنية تزين سماء مسرح غلوب شكسبير .

أشاهد كاتدرائية القديس سانت بول الشهيرة بقبتها البيضاء التي شهدت مراسيم زفاف الأميرين شارلز وديانا ، زفاف أسطوري شاهده العالم بأسره عبر شاشة التلفاز.

يغشى الضباب الكاتدرائية من كل جانب ، والقبة الضخمة تبدو في رونق ساحر وكأنها صخرة ثلجية منحوتة على شكل دائري .

وصل القطار إلى محطة "هاكني ويك" بعد رحلة استكشافية مشوقة لعاصمة الضباب ، لكن شوقي لرؤية حبيبتي سوزان كان أشد . قدمت لها التحية "كود مورنين" ولاحت على محياي ابتسامة توق وحنين تلقائي ، فردت بأخرى أكثر شوقا وصبابة، إبتسامة حبلى بكل معاني الحب والولع.

جلست على طاولتي بالورشة، وشرعت في عملي بثقب قطع جلدية تصلني عبر سلسلة منتظمة. كنت أسهى ويغيب عني التركيز، فمخيالي يشرد بي إلى أفق بعيد . أراني أتجول رفقة حبيبتي بشارع "ريجنت ستريت" نتناول بوظة "آيس كريم" الإيطالية ، كنت أختلس النظرات إليها وهي منهمكة في خطوطها ورسومها . أتخيلها تمشي بجانبي ويدينا متلاصقتين ، أرى إبتسامتها ممتزجة بحمرة وجنتيها ، خصلات شعرها البني مسدول على كتفيها ويتطاير في الهواء كلما هبت عليه رياح ناعمة بشارع أكسفورد الفسيح .

حانت ساعة الاستراحة ، قررت أن آكل طبق "موساكا" اليوناني ، طبق شهي بالجبنة والباذنجان طالما حدثتني عنه سوزان ورغبتني فيه ، أتذوقه أول مرة في حياتي ، أعشق الباذنجان.

 حينما فرغنا من الطعام التفتت نحوي سوزان بابتسامة عذبة وأخرجت من حقيبة يدها شيئا ملفوفا ، منحتني كتاب أقصوصة إنجليزي كهدية لي. سررت كثيرا وشكرتها على الالتفاتة الرائعة . شعرت بنشوة تجتاحني وأنا أقتحم عالمها الساحر . عالم الرقة والحنان والعاطفة الجياشة . شعرت لأول مرة قلبي تغشاه أحاسيس رقيقة ولغة القلوب وما أجملها من لغة ، تحول قلبي من صحراء قاحلة إلى جنة غناء يرويها حب سوزان ويرعاها طيفها . شكرتها ثانيا وقلت لها : أنت قبرصية ساحرة وقلبك جميل ، وبفضلك بدأت أرى الكون بأسره جميلا .

فجأة غمرني شعور فظيع ، شيء مثل كابوس يطاردني ، أصبح هكتور مثل شبح لا يفارق ذهني ، يتربص بي ويتصيد فرصة سانحة لإقصائي من هذا الولع الجميل الذي يكبر بيننا.

 شكرت سوزان ووعدتها بأنني سأتفرغ لقراءة الكتاب هذا المساء على ضفة نهر "التايمز" بعد انتهاء العمل.

كانت الساعة تشير إلى السابعة مساء . حط القطار بمحطة جسر وستمنستر . لففت على يميني وسرت عشرات الخطوات لأصل إلى ضفة نهر التايمز الذي طالما قرأت عنه في الكتب والمجلات . يقال أن إسم نهر التايمز مشتق من كلمة يونانية تعني المياه الداكنة . تابعت خطواتي على إيقاع خطوات هادئة ، متأملا صف الكنبات الطويل على جانب النهر . في لندن قد ينقلب الطقس فجأة ويتحول من شتاء إلى صيف . وقد لا أبالغ إن قلت ممكن تعيش أربعة فصول في يوم واحد . هذا المساء صار الجو رطبا معتدلا ، لون النهر داكن ، يعج الممشى بكثير من المتنزهين ، تزينه أشجار "مانوليا" ذات أزهار بيضاء ، عندما تسقط على الأرض تزيدها جمالا وبهاء . على ضفاف النهر ألفيت جل الكنبات آهلة ، لم أحصل على كنبة شاغرة بعد .

مررت بكرسي فوجدت عشيقان ملتصقان ببعضهما وكأنهما توأم سيامي ، تخيلتهما يتعاهدان على عدم الفراق ، يضمها بذراعيه ويشد عليها، فترمي برأسها على صدره ، يتردد النفس في صدريهما في آن واحد، يسود صمت قاتل بينهما، إنه صمت العاشقين .

في كرسي آخر عشيقان منغمسان في حديث صاخب ، يتحدث العشيق بحدة تارة ويهدأ تارة أخرى ، يعلو صوته في الفضاء وينفعل ، فتخفض صوتها تفاديا للصدام ، حدثت نفسي قائلا : حتى الإنجليز يتصايحون مثلنا على الرغم من برودة مناخهم ودمائهم . هذا هو حال العاشقين عبر العالم ، لا فرق بين إنجليز وعرب . على ضفاف النهر ينمو الحب وتستمر سمفونية العشق.

هناك على كنبة بعيدة ، أجد رجلا يعتمر قبعة إيطالية، يجلس وحده في صمت ، ويكتفي بالنظر إلى النهر وكأنه يريد أن يحدثه في أمر مهم، يطعم البط بفتات من الخبز ، يسرح بخياله وهو ينظر إلى النهر الأخاذ ، ما أن ينتهي من إطعام البط حتى ينفض يديه ، يجلس في منتصف الكنبة برهة ثم ينزوي إلى الطرف الآخر قبل أن يأتي حركة غريبة أخرى . استأذنته بالجلوس فأذن لي ، وما أن هممت بالجلوس ، حتى قام مغادرا وهو يقول معتذرا : لدي موعد عند مصب النهر . صعقني كلامه فقلت : ربما هذا رجل أهبل ، يذكرني برجل مجنون آخر في مدينتي يدعى "احميدو" .

كان يطوف طوال اليوم بين المقاهي يلتقط نقودا نحاسية . يظل يتسكع إلى أن تقوده قدماه إلى ضفاف نهر لوكوس . أحيانا كان يتابع سيره مشيا إلى مدينة أصيلا ، فيقوم سائق يدعى العياشي بجلبه للعرائش مجانا في حافلته . كان يجلسه على صندوق المحرك في مقدمة الحافلة واحميدو يتحمل حرارة المحرك التي تشعل مؤخرته .

 يحملق في وجوه الركاب بتمعن ثم يشرع في تلاوة بعض آيات القرآن على طريقته . كان منظره يبعث على الشفقة، وهو ينظر إليهم طوال الرحلة وكأنه يريد أن يلقنهم درسا بليغا من دروس الحياة. هكذا كانت حياة احميدو المختل عقليا.

إنها مأساة الحمقى في مجتمع لا يرحم مرضاه  فقدوا عقولهم . وطن متخلف قاس لا يتسع لجميع مواطنيه . أناس صاروا مجانين لأسباب نفسية معقدة، أو لظروف اجتماعية قاهرة، فأصبحوا هزوا بين الناس، هذا هو حال المختلين عقليا في بلدنا، ينهضون باكرا بلا برنامج يومي، يتسكعون في الشوارع والميادين بدون أي وجهة محددة، مواطنون طيبون، لكنهم فقدوا بوصلة الحياة.

 

أخذت كتابي وبدأت أتصفحه ، قرأت منه بعض القصص ، فهمت بعضها وما غاب عني سأستفسر عنه سوزان يوم غد . تمنيت لو كانت سوزان بجانبي على الكنبة ونظراتنا مصوبة نحو النهر ، فأهمس في أذنيها بعبارات الغزل يجعل قلبها يرقص طربا على وقع ضربات كلماتي كشاعر متيم . لكنها مجرد أماني من شاب يافع جاء عابرا من الضفة الأخرى وهو صفحة بيضاء ساقه القدر إلى مدينة الضباب .

 

نهضت من الكنبة وتابعت خطواتي على الممشى ، نسيم عليل لهواء رطب يهب من النهر ، على الضفة الأخرى أرمق ساعة "بيغ بان" ، ساعة ذات أربع وجوه ، طولها يتجاوز مائة متر جزء من مبنى البرلمان ، ساعة عملاقة تدق أجراسها كل ربع ساعة .

 واصلت خطاي تجاه برج لندن الشهير الذي يبعد حوالي ميلين قصر وستمنستر . برج تم تشييده على ضفة نهر التايمز في نهاية القرن الحادي عشر بأمر من الملك وليام ، ثم صار رمزا لدحر العائلة المالكة الحاكمة لأعدائها في لندن كما يحكي التاريخ .

بدأت عتمة الليل تداهمني ، حركة المراكب والسفن تمر أمام عيني محملة بالسياح ، أضواء ملونة ، قهقهات ، وصوت موسيقى صاخبة يصل إلى أذني ، نهر التايمز يغمر لندن سحرا وجمالا خلال الليل . تماثلت أمامي سوزان وهي تمشي متأبطة ذراعي على رصيف النهر الساحر ، نهر أبهر بجماله العشاق ، الأدباء والفنانين .

 أخذت أقترب من جسر البرج الشهير ، جسر تغنى به الشعراء وكتب عنه الروائي ديكنز ، كما شاهدته مرات عديدة على شاشة السينما . يحكى أن مشاهد عديدة من فيلم جيمس بوند جرى تصويرها فوق الجسر الذي يعد من أكبر المعالم السياحية جذبا للزوار بلندن .

بعد إنهاء جولتي الباهرة على ضفاف نهر تايمز ، قادتني قدماي نحو مترو " تاور هيل" ، هبطت سلالم نفق سحيق ، تسلقت القطار وحملني لوجهة "أرنوس غروف" . أصبحت سوزان لا تفارق مخيلتي ، غدا سألقاها وأحكي لها انطباعاتي وكل خيالاتي الرومانسية التي راودتني تجاهها.