الأحد 19 سبتمبر 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (4)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (4) عبدالصمد الشنتوف
انعطفنا يسارا على محطة بوند ستريت ودخلنا في درب ضيق .صعدنا درج بيت فيكتوري راق. ولجنا باب مكتب مشرع يمينا في الطابق الأول. وجدنا رجلا نحيفا بأنف معقوف طاعنا في السن وقد اكتسح الشيب رأسه. كان يبدو منزعجا يتوسط أرتالا من الكتب والملفات، ممسكا بهاتف أسود في مكالمة صاخبة وقد احمر وجهه وانتفخت أوداجه. بمجرد ما فرغ من الحديث نظر إلى مولاي علي بابتسامة منقبضة وباشرني بسؤاله:
- ما هي تجربتك وما تخصصك في العمل؟!
- أجبته مرتجلا: متخصص في كل شيء!
- فرد علي ساخرا: كل شيء يعني لا شيء!
- أضفت موضحا: يعني أنا مستعد لأن أعمل في مطعم، فندق، نظافة وأي شيء!
- فقال لي: لدي منصب شاغر في مطعم فاخر لكن ينبغي أن تكون طليق اللسان في الإنجليزية مما لا أراه فيك. راجعني بعد أسبوع من اليوم وسيكون خيرا!
- شكرا لك سيدي. مع السلامة!
رجعنا من عند ماسكوط خاويي الوفاض، سألت مولاي علي:
- ما حكاية هذا الرجل؟.
- قال: هذا يهودي سخره الله لخدمة ساكنة العرائش.
- قلت له: كيف؟.
فاسترسل في حكاية هجرة العرائشيين إلى بريطانيا بقليل من التفاصيل:
- كان ماسكوط تربطه علاقة وطيدة بيهودي عرائشي يدعى رفاييل يقطن بحي"كايي ريال" في أقصى درج ضيق منحدر يؤدي إلى السقاية. رفاييل بدوره كان متعلما وخطاطا ماهرا يتقاسم بيتا عتيقا مع أخته "موقنين" منذ عهد الاستعمار. هذه الأخيرة كانت اجتماعية بطبعها وتملك ماكينة خياطة تخيط بها ملابس ساكنة المدينة. أخوها رفاييل فارع الطول، كان يتلقى عشرات عقود العمل من عند ماسكوط خلال الستينيات فيقوم بتوزيعها على الشباب الراغبين في الهجرة إلى بريطانيا بعد استيفاء الوثائق والشروط.
- إذن هاجرت إلى لندن بفضل ماسكوط ورفاييل؟.
- طبعا، هذان الرجلان لديهما فضل كببر علينا، فقد أخرجانا من دائرة الفقر والبطالة.
- لكنني سمعت بطبيب إنجليزي يقطن بحي "ليخيرو" كان يساعد شبانا عاطلين على الهجرة إلى بلاد الإنحليز، أليس كذلك.
- هذا صحيح، الطبيب "سيغا" ساعد بعض الشباب بعدما أبدوا رغبتهم في اعتناق المسيحية لأنه كان ضالعا في التبشير المسيحي. وكانت عيادته الطبية مفتوحة بالمجان في وجه الفقراء والمساكين.
- يبدو أنني أتيت متأخرا إلى بريطانيا.
- لا، لا تقل هذا، فأنت شاب متعلم وذكي وأمامك كم هائل من الفرص لتقتحم الحياة من بابها الواسع.
- بماذا تنصحني مولاي علي؟.
- عليك بالصبر ودراسة اللغة الإنجليزية وابحث عن "بنت الناس" لتحصل على الاقامة.
- هل انت متزوج؟.
رد علي بنبرة يسودها الحزن والألم:
- بعد مرور سنتين على إقامتي بلندن، قررت الزواج، توكلت على الله واخترت فتاة من بلدة خميس الساحل بضواحي العرائش. تزوجتها ثم التحقت بي فيما بعد، أنجبنا طفلين وطلبنا السكن من البلدية فحصلنا عليه. مع مرور الأيام، لاحظت تقلبا في سلوكها، لاحظت تغييرا في شخصيتها خاصة لما عملت وذاقت حلاوة المال وتدفقه. لم تعد سعدية التي تزوجتها ولا تلك التي عرفتها في بلدتها. انقلبت كليا وأشاحت بوجهها عني. أدارت لي ظهر المجن وقللت احترامها لشخصي، وصرنا نتشاجر عند كل صغيرة وكبيرة. بعدئذ جلبت أختها من المغرب لتعيش بيننا في نفس البيت بدعوى رعاية الأطفال، وعند اعتراضي قامت بطردي من البيت ككلب حقير. وأنا الآن أعيش حاليا في غرفة صغيرة حياة البؤس والوحدانية. نظرت إليه متأثرا وعيناه محمرتان تكادان تذرفان الدمع من شدة الخيبة والمرارة. قلت له: لا عليك مولاي علي أنت رجل طيب وأنا أحس بك، قلبك مكلوم ونبضك يفيض من الحسرة، فاصبر إن الله مع الصابرين، وأؤكد لك أن ما قامت به سعدية ليس من سلوك بنات العائلات في شيء  اطمئن مولاي علي فربك حنين كريم. وفي خلدي كنت أقول كلانا سواسية ، مسكين مولاي علي قهرته سعدية وأنا خذلني عبدالملك ، ما علينا إلا أن نواسي بعضنا البعض ، كلانا في الهم سوا .
كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساء . أخذ المقهى يعج بالرواد وأغلبهم من مهاجرين مغاربة ، لاتوجد بينهم امرأة واحدة وكأنك بمقهى با عبدالله بالعرائش . في الرصيف المقابل يوجد مقهى لشبونة الشهير بحلوياته اللذيذة وساندويشاته المنعشة ، يقصده الإسبان ببدلاتهم الجميلة ، والبرتغاليون بستراتهم الأنيقة . تراهم دائما يثرثرون ويتبادلون حكايات مسلية فتعلو سماء المقهى قهقهات قوية يصل صداها إلى الشارع . يقفون بنسائهم ورجالهم على الرصيف بجنبات المقهى يتجاذبون أطراف الحديث . أحيانا يقيمون حفلات أعياد ميلاد لأطفالهم فيحضرون بنفس الأناقة والابتسامة وكأنهم على موعد مفتوح مع الفرح والسعادة .
عاد مولاي علي لاستئناف لعبة "بارشي" مرة أخرى بالمقهى ، يلعب بخشوع ويصيح في وجه غريمه بوشتي "نوض على سلامتك يا ولد الشقرانية" ، فيرد عليه الأخير بصوت مجلجل "والله لقلزتي تما ، نوض يا القرع " . كان يبدو مولاي علي منهمكا في أجواء اللعبة إلى حد الثمالة ، وكأنه يقصد الهروب من همومه ومعاناته مع سعدية .
تقدمت للسلام على الأستاذين عبدالسلام وأحمد لأتقاسم معهما الطاولة والحديث ، وهما سائحان يشتغلان في التعليم بالعرائش مع والدي ، جاءا ليقضيا عطلتهما الصيفية بعاصمة الضباب . انضم إلى جلستنا رجل يبدو أنه يعرفهما من قبل . سرعان ما هيمن الوافد الجديد على الجلسة واستأثر بالكلام . استرسل في حديث مطول ممل بتباه وعجرفة . أخذ يتحدث عن مشاريع اقتصادية وعقارية تفوق حجمه . يتبختر في جلسته ووصفه للأشياء . كان يرتدي معطفا أسود اللون ذا علامة تجارية عالمية ، ويدخن سيجار كوبي بغطرسة تحسبه من عائلة "آل كابون" ، لا فرامل تكبحه عن الكلام . يحكي مزهوا عن منزله الجديد الذي ما زال تحت طور البناء بحي جنان فرنسيس بالعرائش . بيته العتيد يضم طوابق عديدة كما يقول ، يذكرني بحديث أبي جاسم السخيف في الحانة عندما يتفاخر بقاموسه النسائي بعين دياب ، الكل يتباهي على شاكلته . دنوت من رأس عبدالسلام وهمست في أذنه : من هذا الإمبراطور ؟ ، رد علي بصوت خافت : هذا بوشعيب بائع سمك متجول بالعرائش خلال فترة الستينيات ، كان يدفع عربة متهالكة محملة بالسمك ويطوف بها بين الدروب والأزقة طوال اليوم ، يصيح "كالبراح" : "ها السردين ، ها بكوروني !" . لم نتنفس الصعداء حتى انتقل بوشعيب إلى طاولة أخرى مجاورة ، ليعيد حكاياته المقرفة مع مستمعين جدد . قلت لعبدالسلام وأحمد : يبدو أن المهاجرين ليسوا من طينة واحدة ، فمنهم من على شاكلة مولاي علي ، رجل بسيط متواضع ، ومنهم من على شاكلة بوشعيب ، تافه متعجرف . ضحك الأستاذ أحمد حتى بانت نواجده وهز رأسه مؤكدا ما أقول .
كان الوقت يداهمني ، لدي عمل ينتظرني إلى منتصف الليل ، ودعت الأستاذين وغادرت المقهى مسرعا نحو المترو . في طريقي إلى المحطة التقيت بمحسن صدفة ، وهو صديق لعبت معه كرة السلة بالعرائش سابقا . خضنا في حديث عابر ، حكى لي عن ظروف إقامته الجيدة مع أخته ، وعن عمله مع الأتراك في قطاع النسيج بمنطقة "هاكني ويك" شرق لندن . حكيت له قصتي في عجالة وطلبت منه أن يساعدني في الحصول على عمل مع الأتراك ، فتحمس لطلبي ووعدني خيرا . ضربنا موعدا بمحطة "رويال أوك" يوم الإثنين الآتي صباحا . كان محسن لطيفا ومتعاطفا معي إلى أبعد الحدود ، شكرته وتابعت طريقي نحو حانة "إجوار رود" حيث ينتظرني المعتوه أبي جاسم "كازا نوفا" العرب ليردد على مسامعي حكاياته الغبية بعين دياب....