الثلاثاء 22 يونيو 2021
سياسة

كبديل لمرجعية إمارة المؤمنين.. الوثائق الرسمية لمشيخة الأصولية تحاصر مسؤولي الحقل الديني!

كبديل لمرجعية إمارة المؤمنين.. الوثائق الرسمية لمشيخة الأصولية تحاصر مسؤولي الحقل الديني! الوزير التوفيق يتوسط محمد كنون، ومحمد يسف الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى(يسارا)

كان صدور كتاب "المشيخة العلمية بالمغرب" سنة 2020 ، لمحمد كنون، منسق المجالس العلمية بجهة الشمال، في سياق الحديث الرسمي لمؤسسات تدبير الحقل الديني عن "دور العلماء"، و"سبيل العلماء"، في أعقاب دعوة الشيخ محمد زحل، في ندوة المجلس العلمي الأعلى حول السلفية،إلى ما أسماه بتلاحم السلفية والعرش لمواجهة اليسار، بدون أن يستدرك عليه وزير الأوقاف، بل على العكس زكى دعوة التلاحم هذه، وهو يهرول لتقبيل رأسه.كان هذا الصدور مناسبة لنا لتمهيد تحليل خطاب هذه الوثائق الرسمية، حيث قمنا في مادة سابقة، بمسح جيو-سياسي لخطوط التماس بين الدين والسياسة، للكشف وبرؤية تركيبية، على أن المستهدف الرئيسي من هذه الخطابات وباعثها، هو مرجعية إمارة المؤمنين،عبر جرعات مركزة بعناية أصولية.

ويتطلب اليوم هذا التمهيد، لتحليل هذا الخطاب، أيضا، لفت الانتباه إلى ثلاثة أمور:

1-هناك تراجع في قيمة الوثائق الرسمية على مستوى وضوح انتظامها في تاريخ البلد، وبلاغة التعبير فيها عن مصالحه الحيوية، حيث يفتقد هذا الخطاب المتهافت،إلى نفحات التراكم الحضاري للمغرب، ووضوح الرؤية،وإن كانت رؤية المخطط الوهابي/الإخواني، واضحة في تدرج أهدافها.

ولتقريب المعنى، سنقدم مقارنة لما قام البحث التاريخي، من مقارنة بين الوثائق الدبلوماسية الصادرة من بلاط تلمسان، وبين تلك الصادرة من بلاط فاس، حيث تمت ملاحظة الدقة في صنعة الكتابة المغربية. ويرجع هذا التميز المغربي إلى وجود تنافس بين فاس وغرناطة في استقطاب كتاب الرسائل السلطانية.ثم أصبح المغرب بعد سقوط الأندلس وارثا لتراكم هذه الصنعة.

لذلك نلاحظ من خلال هذا الرصد، أن مخاطبة وزير الأوقاف للجناب الشريف، في غياب الحس السياسي المنتظم داخل استحقاقات النسق المغربي، من خلال الدروس الرمضانية ،أو التقارير التي يقدم بين يديه،أو الوثائق التي تصدر المؤسسات الدينية، باسم المجال المحفوظ لأمير للمؤمنين، تفتقد إلى ووضوح الرؤية المغربية، كما الرصد الحقيقي لمعطيات الواقع.

وللانتباه إلى أهمية هذا الجانب، نشير مثلا إلى أن رسائل الرئيس بوتفليقة، إلى الملك محمد السادس، كانت تجتهد في الارتقاء بمعجمها، ما وسعها الأمر لذلك، وهي تخاطب البلاط المغربي، لإظهار أن الجزائر لا تقل عن المغرب في امتلاك المعجم السلطاني، وبالتالي الأصالة التاريخية.

لذلك لن يكون التاريخ رحيما بالمؤرخ/ الوزير التوفيق، كمسؤول سياسي عن تدبير استحقاقات الحقل الديني، في اعتداء الوثائق الرسمية، ومن ضمنها تلك التي تتحدث عن المشيخة العلمية بخلفية أصولية، على حقائق التاريخ المغربي.

2- أكيد أن قضية إشكالات هذه الوثائق، تطرح مسألة إسناد مهام بيان الثوابت وإشعاعها. فهذه المهام تسند، إما إلى المؤلفة قلوبهم من "الخوارج". وهؤلاء يبتهلونها فرصة لتصريف وعيهم الشقي.ولذلك فخطابهم، يصرف أحقادا تاريخية، وهو يصفي حسابه مع ركائز هذا البلد الأمين أو تسند لمن حملهم موقع المسؤولية إلى الاكتشاف المتأخر لهذه الثوابت. وهؤلاء ينقصهم بالطبع، امتلاء التشبع بهذه الثوابت، حتى يحسنوا التعبير عنها. فهذا الصنف تنقصه فضيلة التعلم أولا، قبل التصدر لصياغة ضوابط المرجعية.

والغريب أن المؤتمنين على السيادة المذهبية للبلاد، متورطون، حسب وقائع معلنة سابقا ، في مصادرة أي حديث عن وجود الوهابية في المغرب، بل حتى معاقبة من يقول بذلك، أو من يتصدى للتغلغل الأصولي. وهذا يبين أن الحقل الديني غير منضبط لمرجعية إمارة المؤمنين، بل للمشيخة الأصولية.

3-إن المؤسسات الدينية، وهي تتضايق من النقاش العمومي حول انحرافات تدبير الحقل الديني، وتمارس السرية عن الرأي العام، مما يبين طبيعة النية المبيتة في ذلك، بدأت في الآونة الأخيرة، تدشن عملية الهروب إلى الأمام، بإلقاء المسؤولية في هذه الانفلاتات على جهات أخرى. وهذا يذكرنا بجانب من نهاية مطاف عهد الوزيرين البصري والمدغري، حيث تبادلا اتهامات مسؤولية التمكين الأصولي بالمغرب.

الآن، نلاحظ شروع وزارة الأوقاف، في إلقاء مسؤولية تقصيرها على وزارة الداخلية بالمكشوف،وبالمضمر على الأجهزة الأمنية أيضا.ولا نعرف عند أي حد ستقف هذه اللعبة..لكن تبقى الوزارة الوصية في سياق التمكين لمشيخة الأصولية متورطة بالملموس في الانقلاب على أحكام الدستور، من خلال مسعى اقتسام سلطة تعيين علماء المجالس العلمية، مع أمير المؤمنين.لكن يقظة النقاش العمومي أفشلت المخطط.

أما بعد، فإلى أن نشرع في تحليل خطاب "المشيخة العلمية" و"دور العلماء" و"سبيل العلماء" ،كوثائق رسمية، تشيد صرح البديل لمرجعية إمارة المؤمنين، فإن "البناء" المتسيب لمنظومة الحقل الديني. جعل من بنيات هيكلته، عملية محكمة لإفساد رهان الإصلاح. وتتشابه هذه العملية، مع ما قاله أحد كبار وضاع الأحاديث: "أما والله لئن قتلتموني، لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرّم فيها الحلال وأحلَّ فيها الحرام. والله لقد فطَّرْتكم يوم صومكم وصوّمتكم يوم فطركم".

فالوٌّضاع الجدد لمنظومة الزيف الأصولي في الحقل الديني، وتسويقها، ضمن أكبر عملية لسحر قلب الأعيان، باسم خصوصية التدين المغربي، أدخلوا المغرب منعطفا آخر، يجب التعاطي معه لتجاوزه، باقتدار الدولة ككل..

إنه يصعب، لحجم الود تجاه أحمد التوفيق، ولمكانته الأكاديمية، رغم الاختلاف معه في سياسته الدينية، أن نطرحه كنظير لعبد الكريم بن أبي العوجاء، وهو "يتوعد" في مفترض القول :"أما والله لئن عزلتموني...". لكن قضية التدافع المدني، لمصلحة وظيفية مرجعية إمارة المؤمنين في البلاد ، تبقى أكبر من سقراط. "قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا".