السبت 24 يوليو 2021
فن وثقافة

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".. زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (12)

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".. زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (12) ضريح الولي الصالح الشيخ أبو محمد صالح الماجري يتوسط الشيخ الداهمو والشيخة عيدة

تواصل جريدة "أنفاس بريس" فتح شهية علبة مخزون الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني على مستوى فن العيطة المغربية، للخوض هذه المرة في روائع شعر الغزل من خلال ملفنا الإعلامي الجديد في موضوع "شعر الغزل في العيطة العبدية".

يتفق أغلب الأدباء على أن الغزل "هو فنّ من فنون الشعر، وغرض أساسيّ من أغراضه، صنّف على أنّه من أعظم فنون الشعر العربي القديم، يعبر الشاعر من خلاله عن أحاسيسه تجاه محبوبته، واصفاً محاسنها، متغنياً بجمالها، مشتاقاً لرؤيتها، حزيناً على فراقها، مع تركيزه في وصفه لها على مواطن التميّز فيها... وهو يصور خلجات النفس، وفرحتها بلقاء المحبوبة، وحزن الشاعر على فراقها، إذ تميز بقوة العاطفة وحرارتها".

لقد حظي شعر الغزل باهتمام كبير من قبل الشاعر(ة)/ الناظم(ة) لقصائد العيطة المغربية عامة وخصوصا الحصباوية منها، حيث نسوق في سلسلة حلقاتنا مع ضيف الجريدة، نموذجا رائعا لتألق ناظم(ة) قصيدة عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، والتي نحاول تفكيك بعض متونها الشعرية في الحلقة الثانية عشر، في سياق أحداث تاريخية شهدتها منطقة أسفي وعبدة في الفترة التي تشكلت فيها هذه العيطة الجميلة المتكاملة البنيان.

 

في رائعة عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"، يسافر الشاعر/ الناظم، بالمتلقي/ المستمع وهو ينشد قصيدته الغزلية عبر العديد من الزوايا والأضرحة والأمكنة والمناطق بمجال عبدة الساحر، ثم ينتقل في أجزاء أخرى لذكر بعض الأحياء بمدينة أسفي نظرا لمكانتها الاعتبارية، الاجتماعية والدينية والاقتصادية والثقافية والفنية، كما هو الحال في هذا المتن الذي قال فيه:

 

"إِلَا لْحَـﯖْـتِي لْأَشْبَارْ، لَا تْـﯖُـولْ عَارْ، حْتًى تْفُوتْ ثَلْثْ دْيَارْ

أَيْلِي أَيْلِي..اَلٍلي غَادْيَاتْ، اَلٍلي جَايًاتْ، مَا يْكُونْ بَاسْ يَا سِيدِي

مَنْ بَيًاضَةْ وَأَنَا نَجْرِي، حْتًى لْسِيدْ الشًهْرِي

وَاشْ لَمْحَبًةْ وَلًاتْ عْدَاوْةْ، مَا يْكُونْ بَاسْ يَا سِيدِي"

 

تعريف موجز عن حي "أَشْبَارْ" ومكانته التاريخية بمدينة أسفي

"أَشْبَارْ" هو حي سكني يوجد قرب حي بيًاضَةْ شمال مدينة أسفي، وتم إحداثه في بداية القرن العشرين، حيث استقرت به بعض العائلات المهاجرة من قبائل أولاد زيد نظرا للظروف المناخية القاسية بعد توالي ظاهرة الجفاف والمجاعة ، من أجل البحث عن موارد العيش وفرص الشغل وتحسين المستوى المعيشي. كما استقر بأشبار بعض العائلات هربا من خطر السيول والفيضانات في فصل الشتاء، والتي كان يتسبب فيها وادي الشعبة وخصوصا ساكنة المدينة العتيقة (لمدينة لقديمة) داخل أسوار مدينة أسفي.

يتربع حي أَشْبَارْ على موقع استراتيجي، وعلوه على سطح البحر بحوالي 250 متر، وكلمة "أَشْبَارْ" هي أمازيغية الأصل أي "أَشْبَارُو"، وتعني "القلعة" أو المكان المرتفع الصالح للمراقبة في جميع الاتجاهات. وكان هذا هو السبب لإطلاق اسم أَشْبَارْ على هذا الحي بحكم أنه يطل على الميناء وعلى الجهة الشمالية لأسوار مدينة أسفي.

 

ما هو غرض الشاعر من توظيف حي أشبار، وما هي رسائله المضمنة في متنه العيطي "إِلَا لْحَـﯖْـتِي لْأَشْبَارْ، لَا تْـﯖُـولْ عَارْ، حْتًى تْفُوتْ ثَلْثْ دْيَارْ"؟

الفقيه محمد اَلْبًاعُمْرَانِي، كان أول من استقر بحي أشبار، قادما إليه من سوس الأقصى أصل نسبه العائلي، وكان يزاول وظيفة عُدُولْ بأسفي، وهو صاحب العقار الذي شيد عليه حي أشبار، واستقر بجانبه جاره الفقيه محمد الفاسي جْغَادَةْ، كما جوارهما بنفس الحي الفقيه مْبَارَكْ اَلزْيِوتِي، حيث اعتبرت هذه المنازل الثلاثة هي الأولى لبداية الاستقرار بالحي. وكانت تلك العائلات الثلاثة المحافظة، معروفة بتربيتها الدينية وتميز فقهائها بالعلم والورع.

لقد كانت منازل هؤلاء الفقهاء الثلاثة، تتربع على أعلى الهضبة التي تطل على مقبرة أشبار، كمكان له حرمته وقدسيته الدينية، حيث يوجد الولي الصالح إبراهيم بَلْعَرْبِي المعروف بسيدي بٍيهْ لَمْعَاشِي، الذي كان مداحا وزجالا وانتهت به الحياة أن أصبح مجذوبا ودفن بعد موته بنفس المقبرة.

وقد ركز الشاعر في هذا المتن على الجانب الروحي والديني باستعماله خطاب مشفر يتعلق بالشخصيات الفقهية الثلاثة التي ذكرنا أعلاه، ونبه إلى حرمة الفضاء/المكان "إِلَا لْحَـﯖْـتِي لْأَشْبَارْ"، وخصوصا على مستوى المنازل الثلاثة "لَا تْـﯖُـولْ عَارْ، حْتًى تْفُوتْ ثَلْثْ دْيَارْ".

إن الشخصيات الثلاثة التي ذكرنا أعلاه كان مشهودا لها بالعلم وأمور الدين والدنيا، وساهمت في تربية وتعليم الناس على المستوى الديني والتعليمي، لذلك فلا غرابة أن يوصي الشاعر/ الناظم العبدي كل المارة عبر حي أشبار بالقرب من بيوت هؤلاء الفقهاء، أن يتجنبوا قول كلام السوء، والكلام الفاحش، وعدم التفوه بعبارات تخدش الحياء، نظرا لرمزية المكان وحرمته الاجتماعية والدينية. " لَا تْـﯖُـولْ عَارْ، حْتًى تْفُوتْ ثَلْثْ دْيَارْ". خصوصا أن حي أشبار كان يمر منهم أغلبية العاملين في صناعة الخزف وكذلك اليد العاملة التي تشتغل في المشاريع التي أحدثتها فرنسا مثل مشروع السكك الحديدية والميناء، فضلا عن رجال البحر وبعض الراجلين القاطنين بحي بَيًاضَةْ.

ومن حسن الصدف أن هذه المنازل قد استقر بها بعد وفاة أصحابها الفقهاء الثلاثة، كل من الفقيه محمد بن قدور اَلْعَبًادِي، الذي كان قاضيا بالمجلس الإسلامي لأسفي، و كان يترأس هذا المجلس الباشا الحاج الطاهر اَلْمَقَرٍي. أما المنزل الثاني فقد استقر به الفنان (صْنَايْعِي اَلِفَخًارْ) بوجمعة العملي الجزائري (من مدينة تيزي وزو) والذي حل بمدينة أسفي سنة 1918، قادما من فرنسا بدعوة من المارشال اليوطي، على اعتبار أنه خريج مدرسة السيراميك بباريس، حيث ساهم بقسط وافر في تطور فن الخزف وأسس مدرسة للمهن الخزفية، وأصبح أستاذا يتوافد عليه عدد كبير من الراغبين الموهوبين من أجل تلقي حرفة فنون الخزف وتعلم قواعدها الأساسية. وقد وافته المنية سنة 1971، ودفن بالمقبرة المسيحية بأسفي اعتبارا لجنسيته الفرنسية.

اشتهر بوجمعة العملي الجزائري بإتقان الزخرفة على أواني الفخار بالفضة والذهب والنحاس والرصاص وتفنن في تناسق الألوان خصوصا اللون الأزرق الذي يطغى على أواني الفخار بأسفي، والذي يسمى "bleu de cobalt"، حيث اشتهر في توظيفه الأستاذ بوجمعة العملي، علاوة على اللون "bleu outremer" الذي يسمى كذلك بالأزرق مَاجُورِيلْ نسبة للفنان "جاك ماجوريل".

 

من هو سيد الشهري الوارد في متن "مَنْ بَيًاضَةْ وَأَنَا نَجْرِي، حْتًى لْسِيدْ الشًهْرِي"؟

"سِيدْ اَلشًهْرِي"، هو الولي الصالح سيدي حسن الفخار المعروف بسيد الشهري، تتلمذ على يد الشيخ أبي محمد صالح الماجري، وعاصر الولي الصالح سيدي مبارك بوﯖدرة الذي كان صديقه، وساهم بدوره في تنظيم ركب الحجاج الوافدين على زاوية الشيخ أبي محمد صالح الماجري، وتعليمهم المناسك الدينية ووقوفه على انطلاق موكب الحجاج صوب 46 محطة للاستراحة والمبيت في اتجاه الحجاز.

ويوجد ضريح سيد الشهري قرب ضريح الشيخ أبو محمد صالح بحي اَلدْرِيبَةْ لَمْزَوْقَةْ، وسمي بسيد الشهري لتمكنه من علم الفلك، حيث كان مختصا في مراقبة شهور السنة الهجرية، وخصوصا شهر رمضان بحكم أنه كان يقطن بجانب البحر، وله دراية واسعة بـ "لَمْنَازَلْ" الفلاحية التي كان حريصا على ضبطها وفق اختصاصه العلمي (سعد السعود، سعد خبي، وسعد الذابح، والليالي...)، بل أن الساكنة كانت تتوافد عليه لأخذ المشورة والانتفاع بعلم ودروسه وتوجيهاته.

وعند وفاته خصصت له الساكنة موسما سنويا لمدة ثلاثة أيام، وبعد طلك ينتقلون إلى زاوية سيدي مبارك بوﯖدرة لإحياء روابط الدم والقرابة مع الشرفاء والأهالي، تيما بعلاقة الصداقة التي كانت تجمع بين الشيخين. وقد توقف تنظيم هذا الموسم من طرف الجهات المختصة، بسبب استفحال ظاهرة استخراج الكنوز والتنقيب على الخزائن النفيسة المطمورة بالأضرحة.

لقد استعمل العاشق/ الناظم في قصيدة/عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ" وصف "... نَجْرِي حْتَى لْسِيدْ اَلشًهْرِي"، بحكم أنه كان قد استقر بحي بِيًاضَةْ، وانتهز فرصة انطلاق الطائفة الدينية بعد انتهاء موسم سيد الشهري للانتقال إلى موسم زاوية سيدي مبارك بوﯖدرة، وهي مناسبة مواتية للذهاب إلى المنطقة قصد لقاء حبيبته ومعشوقته "عَايْشَةْ بَنْتْ اَلْمَكٍي" التي دوخت شاعرنا العبدي بجمالها ورشاقتها ونخوتها التي قال فيها الشيء الكثير تغزلا، خصوصا بعد فشل العلاقة العاطفية التي لم تتوج بالزواج كما كان يتطلع رفقة محبوبته التي كانت لقاءاتهما تتم وسط المقبرة كل يوم جمعة.