الأربعاء 21 إبريل 2021
كتاب الرأي

بوبكري: المفوضية السامية لحقوق الإنسان توجه ضربة قاصمة إلى نظام جنرالات الجزائر

بوبكري: المفوضية السامية لحقوق الإنسان توجه ضربة قاصمة إلى نظام جنرالات الجزائر محمد بوبكري
لقد تابعت البارحة مجريات الحراك الشعبي الجزائري السلمي في مختلف ولايات ومدن الجزائر، واستمعت إلى متتبعين جزائريين قاموا بتغطية هذا الحراك، وخلصت إلى أنه عاد بقوة أكثر من ذي قبل، حيث ازداد قوة وانتشارا، كما أن شعاراته صارت أكثر جذرية، وأبانت عن عمق وعي الشارع الجزائري بأوضاعه، وإدراكه لما يريده من تغيير...
وكان من الملفت للنظر أنه لم تكن هناك اعتقالات، ولا توقيفات في صفوف مناضلي الحراك الشعبي، حيث كان رجال الشرطة مجرد متفرجين. وإذا كنت قد أشرت في مقال سابق إلى أن الأجهزة الأمنية رفعت تقريرا إلى كبار مسؤولي الدولة في الجزائر تعترف فيه عاجزة عن ضبط الحراك واحتوائه في حالة ما إذا اشتد، فإن هذا ليس هو سبب عدم تدخل قوات الأمن الجزائرية لمواجهة الحراك الشعبي، بل هناك سبب آخر سكتت أبواق الجنرالات عن الحديث عنه، أو التعليق عليه، وهو البيان الصادر عن المندوبية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، الذي عبرت فيه عن قلقها على مناضلي الحراك السلمي الذين تمارس ضدهم أجهزة الأمن الجزائرية قمعا يتجلى في تدخلها بعنف لتفريق المتظاهرين سلميا الذين يسعون إلى البناء الديمقراطي لدولة مدنية جزائرية. كما وجه هذا البيان تحذيرا موجها لحكام الجزائر من مغبة استمرارهم في ممارسة العنف والتوقيف والاحتجاز والاعتقال وتلفيق التهم الباطلة والمحاكمات المفبركة للشعب الجزائري الذي اختار التظاهر سلميا ضد حكام الجزائر. ونتيجة ذلك، اعتبر هذا البيان أن ممارسة العنف ضد الشارع الجزائري يتناقض جذريا مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجزائر.
هكذا، فقد نبه هذا البيان حكام الجزائر إلى عنفهم بشتى أنواعه، كما تضمن تحذيرا لهم من عدم إطلاق سراح المعتقلين والمحتجزين الذي ينتمون للحراك الشعبي، وإلغاء التهم الموجهة إليهم، التي اعتبرها البيان لاغية وتتناقض مع مبادئ حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا. لذلك، فقد تمت تعرية زيف حكام الجزائر أمام الرأي العام الدولي، ما يعنى أنه قد تأكد لهذا الرأي أنهم لا يؤمنون بمبادئ حقوق الإنسان، وإن كانوا يتشدقون بذلك في كل وقت وحين، حيث أصبح العالم لا يصدق أقوالهم لأنهم يقولون شيئا ويفعلون نقيضه، الأمر الذي قد يتسبب لهؤلاء الجنرالات في عزلة خانقة قد تنعكس سلبا على الأوضاع الداخلية لجنرالات الجزائر الذين صار نظامهم العسكري ينهض على العنف والكذب والتحايل، حيث بات الرأي العام الدولي يعي ذلك، ويجردهم من أية مصداقية...
ويعني هذا أن ما يروجه جنرالات الجزائر ضد الشعب الجزائري لم يعد يثق به أحد، وهذا ما يؤكد أن محاولاتهم اليائسة لإلقاء مسؤولية الحراك الشعبي الجزائري على جهات خارجية مرفوضة من قبل من الرأي العام الداخلي الذي يحمل مسؤولية ذلك كاملة للنظام العسكري الجزائري، كما أن الرأي الدولي سينقلب ضد هؤلاء الجنرالات، لأنه صار يدرك أكاذيبهم. لقد سقط القناع عن القناع.
كما طالب هذا البيان حكام الجزائر بضرورة القيام بتحقيق موضوعي دقيق في كل ما مارسته الأمن من عنف على مناضلي الحراك، وما تعرض له بعضهم من اعتداءات جنسية داخل مخافر الشرطة، وألح على معاقبة المسؤولين عن هذه الجرائم الشنيعة، الأمر الذي يؤكد أن إعلام الحراك أكثر نجاعة من إعلام العسكر، لأن المناضلين الذين يدعمون الحراك في الداخل والخارج يقومون بواجبهم على أحسن وجه لدعم مناضلي الحراك في الداخل ضحايا الاعتداءات الوحشية لأجهزة الأمن التابعة للعسكر.
لذلك، يبدو لي أن منظمة الأمم المتحدة تعترف للشعب الجزائري بحقه في الحراك، ما يعني أنها تعترف بشرعية الشارع الجزائري، وتقدم دعما معنويا كبيرا للحراك الذي سيصبح أكثر قوة وانتشارا من أي وقت مضى، وستتقوى لحمته، بحيث يصير أكثر تماسكا وانسجاما فكريا وسياسيا وتنظيميا. وبحكم المستوى الفكري الرفيع للنخب الجزائرية لمبدعة لهذا الحراك، وعمق تجاربهم، فإنه من المحتمل جدا أن يكون هناك حوار بين هذه النخب حول أفق الحراك وكيفية هيكلته، وكيفية إنجاز غاياته.
وإذا كان الجنرالات يريدون الانتقام من معارضيهم المقيمين في الخارج، حيث كلفوا من يسمى بـ"وزير العدل بلقاسم زغماتي"، الذي يلقبه الشارع الجزائري بـ "جنرال القضاء"، باقتراح مشروع قانون يجرد هؤلاء المناضلين من جنسيتهم الجزائرية الأصلية، فيبدو لي أن هذا القانون يتعارض شكلا ومضمونا مع القانون الدولي، ما سيدفع منظمة الأمم المتحدة إلى ممارسة الضغوط على حكام الجزائر من أجل التراجع عنه. ويؤكد اقتراح هذا المشروع أن جنرالات الجزائر لا يتوانون عن خرق المبادئ الأسمى لحقوق الإنسان.
وإذا استمر جنرالات الجزائر في غيهم داخليا وخارجيا، فإن ذلك يعني أنهم لم يفهموا مضمون ومرامي بيان المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، ومراميه؛ فهم يفكرون بعقلية تنتمي إلى ثقافة عصر الغاب التي اندثرت، وأصبحت مرفوضة في زمن الديمقراطية. إنهم يتقنون شراء الذمم في مختلف المحافل الدولية، ولا يعرفون أساليب الإقناع الفكري، ولا كيفية اشتغال الأمم المتحدة التي تبدأ دوما بطرح قضايا جزئية، ثم تنتقل بعد ذلك إلى طرح قضايا كبرى، ما يعني أن نظام الجنرالات العنتري في بداية طريقه إلى الانهيار...