الخميس 22 إبريل 2021
كتاب الرأي

أمين سامي: الشرق القادم بخطوات ثابتة

أمين سامي: الشرق القادم بخطوات ثابتة أمين سامي

تعتبر دول شرق آسيا من الدول التي عرفت نهضة اقتصادية واجتماعية وسياسية قوية، وهذا راجع إلى عدة عوامل، أهمها الرؤية الاستراتيجية للدولة في مختلف المجالات وإلى طبيعة مجتمعات هاته الدول التي تقدس العمل والعمل الجماعي بشكل كبير جدا، وتعتبره أولوية استراتيجية.

 

لحدود الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي كانت دول شرق آسيا تتخبط في مشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة وتعرف مديونية مرتفعة، ولكن اهتمامها والتركيز على القطاعات الاجتماعية، خاصة التعليم والصحة والشباب وإيلاء أهمية خاصة للبحث العلمي واعتباره أحد الأعمدة والركائز الأساسية في تطوير البلد، بالإضافة إلى الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المتنوع وتطوير الصناعة التحويلية وفتح البلاد أمام رؤوس الأموال الخارجية بحذر من أجل الاستثمار مع تطوير الصناعات المحلية كلها عوامل جعلت دول شرق آسيا تحقق التقدم والتطور الحاصل وتواكب النظام العالمي الجديد وتتفوق عليه، ولنا في الصين واليابان وماليزيا وأندونيسيا وسنغافورة و... أمثلة حية على ذلك.

 

إن العالم اليوم يعرف نموذجين واضحين من الذكاء الاستراتيجي: النموذج الغربي بقيادة أمريكا والنموذج الآسيوي بقيادة الصين. فالمجتمع الصيني مجتمع منظم بل فائق التنظيم: تنظيم عائلي، تنظيم اجتماعي، تنظيم إداري،... وبالتالي يمكن القول إن الطبيعة الجماعية للمجتمع الصيني ترجع بالأساس إلى اعتبارات ديمغرافية، وبالتالي فهي عامل من عوامل نجاح الاستراتيجية الصينية. إن الديمغرافية في الصين تتحكم في كل شيء ولا تفسح المجال للتخطيط مستقبلا، وبالتالي فالأعداد الهائلة للبشر تقود إلى ضرورة التنظيم القصوى، إن الصين دولة استراتيجية بامتياز استطاعت بذكاء أن تركب قطار الآخرين (العولمة) وهو يمشي و اختارت الوقت المناسب للركوب.

 

إن الاستراتيجية بالمنظور الصيني ليست سوى الرجوع للأصل، ففي 1820 كانت الصين تشكل 20% من سكان العالم وتنتج 20% من خيرات العالم. وفي سنة 1979 أطلق الرئيس الصيني دينغ كساو بينغ سياسة الإصلاح والانفتاح، وكان الهدف منها في أفق 2030 جعل الصين تستعيد المكانة التي كانت تحتلها سنة 1820، وكان أهم عامل أساس للنجاح تم الارتكاز عليه في هذا المشروع الاستراتيجي هو العبقرية الصينية في التجارة والإنسان الصيني رجل تجارة بامتياز. وبالتالي الانتقال بالصين من بلد متخلف ينتج 1% من خيرات العالم سنة 1980 إلى القوة العظمى في أفق 2030 بإنتاج 20%. وقد عرف تطور الاقتصاد الصيني 03 مراحل أساسية:

 

المرحلة الأولى: مرحلة استقطاب وتجميع رؤوس الأموال

المرحلة الثانية: مرحلة تجهيز وتقوية البنية التحتية للبلاد

المرحلة الثالثة: مرحلة الانفتاح وتكوين زبائن سياسيين

 

مرحلة الاستقطاب وتجميع رؤوس الأموال:

تم خلال هاته المرحلة استقطاب رؤوس أموال صينية وأجنبية إلى مناطق حرة تمت إقامتها على الواجهة الساحلية للصين لبناء مصانع وتصدير منتجات استهلاكية عادية بثمن منخفض جدا، باستخدام يد عاملة متوفرة بشكل كبير جدا ومعتادة على العمل بجد ومؤهلة ورخيصة.

 

مرحلة تجهيز وتقوية البنية التحتية للبلاد:

عرفت هاته المرحلة استخدام المال الذي تم اكتسابه في المرحلة الأولى في تجهيز البلاد وتقوية البنية التحتية من طرقات وموانئ ولوجيستيك وتطوير السوق الداخلي، من خلال تطوير المنتجات المحلية بشكل احترافي ومتطور كي تنافس المنتجات الأوروبية والأمريكية في الجودة وبأقل الأسعار.

 

مرحلة الانفتاح و تكوين زبائن سياسيين:

وهي المرحلة التي تعيشها الصين الآن، حيث تمتلك أول احتياطي عالمي من العملة الصعبة وتستخدم دفتر الشيكات للتسوق في الأسواق العالمية وأسست شراكات استراتيجية قوية مع إفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث أصبحت المنتجات الصينية تغزو الأسواق الإفريقية واللاتينية بأثمنة جد منخفضة وذات جودة عالية.

وبالتالي فنحن أمام دولة استراتيجية بامتياز استطاعت بذكاء أن تصبح بلدا يسير برجلين الاغتناء الداخلي الذي يغذي التوسع الخارجي، والعكس صحيح.

(المصادر: كتاب فقه الاستراتيجية للدكتور ادريس أوهلال)

 

- أمين سامي، استشاري في التخطيط الاستراتيجي للمنظمات غير الحكومية