الأحد 19 سبتمبر 2021
فن وثقافة

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (17)

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (17) الفنان أحميدة بجانب شيوخ العيطة ولد الصوبا وعمر الزايدي وبوجمعة بن عكيدة

تمكن الوباء اللعين "كورونا" من تأجيل موسم طواف شرفاء "ركراكة" برسم سنة 2020، ووقفت الجائحة سدا منيعا ضد قبائل ركراكة و الشياظمة و عبدة و دكالة وغيرهم في إحياء سنة التواصل الروحي والاجتماعي والاقتصادي.. وحرمتهم من الاحتفاء واستحضار موروثهم الشعبي وعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم التي ألفوا إقامتها كل سنة في فصل الربيع (بعد خروج الليالي).

 

في سفر "أنفاس بريس" والنبش في موضوع ظاهرة موسم طواف "ركراكة" الضارب في القدم، بعد الاستعانة في الحلقة الأولى ببعض المصادر التاريخية التي تناولت "السبعة رجال" والتعريف بهم، وبعلاقتهم بالمجال والإنسان، وكيف استوطنوا الأرض وقاوموا الغزاة، للمحافظة على استقرارهم وأمنهم واستمرار نسبهم، وقدمنا ملخص لمحة تاريخية عن "ركراكة" و"السبعة رجال" والسفر في زمن حروبهم وصراعاتهم مع المحتل والغزاة، وكيف استطاعت القبلية ضمان استمرارها وصولا إلى ترسيخ هذا الموسم السنوي الذي يحج له المغاربة من كل أنحاء الوطن لإحياء صلة الرحم.

 

لقد تقاطرت الشهادات والحكايات على جريدة "أنفاس بريس" من أفواه الباحثين و الفنانين والمبدعين وشيوخ العيطة وفناني الحلقة، والمنتسبين لأهالي وشرفاء ركراكة، وأبناء القبائل المنتمين لأرض "سبعة رجال"، سواء لتوضيح أو تثمين وتعزيز ما جاء في حلقاتنا السباقة بخصوص سلسلة ملفنا الإعلامي الذي اخترنا له عنوان: (مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم ) .

في الحلقة السابعة عشر من هذه السلسلة نقدم قراءة الباحث عبد العالي بلقايد الذي أمدنا بورقة في فهم العلاقة بين العيطة والصلحاء من خلال دور ركراكة. منوها في نفس الوقت بعمل الجريدة بقوله: "يمضي الزميل أحمد فردوس في بحثه الذي من خلاله يقدم مادة مهمة للباحثين عن الخطوات الأولى التي خطاها أشياخ كبار في فن العيطة ، والتي كانت ضمن أعراف وتقاليد بانية للثقافة المغربية التي ترتبط بالزوايا كفضاء للصلاح، والفن، والتنشئة العسكرية والروحية ...يتعلق الأمر بالشيخ ولد الصوبا، و الشيخ بوجمعة بن عكيدة، والشيخ عمر الزيدي، والفنان المبدع أحميدة الباهيري والبقية تأتي..مما يعطي الإنطباع بأن الجمالية التقليدية لا يمكن معالجتها إلا ضمن سياقها السوسيو ثقافي"

 

 

هل من علاقة بين الصلاح و العيطة ...دور ركراكة نموذجا ؟

 

هذه الذكرى وأنا أريد مشاركتها، تزامنت مع انهماك الزميل أحمد فردوس في إصدار سلسلة من حواراته بجريدة "أنفاس بريس" مع مجموعة من الشيوخ و الفنانين الشعبيين والمبدعين والباحثين في علاقتهم مع دور أهالي شرفاء ركراكة (السبعة رجال) وموكب طواف (44 وليا صالحا) خلال فصل الربيع حيث يتم إحياؤها موسما موسما إلى أن يتم إنهاء "الدور" .

 

الظاهرة المثيرة للإنتباه من خلال الحلقات التي تم نشرها (16 حلقة) هو أن كبار الأشياخ في فن العيطة الحصباوية، ما كان لهم أن يحضوا بالنجومية ويتمرسوا على صنعتهم، لولا هذه المواسم التي كانت فضاء للفن والفرجة، والتي منحتهم فرصة لإبراز مواهبهم وصقلها، أذكر منهم مجموعة أولاد بن عكيدة ، والشيخ سي محمد ولد الصوبا، وصقر العيطة الشيخ عمر الزيدي التامني، والفنان المبدع مؤسس مجموعة لجواد وفرقة أبنات الغيوان أحميدة الباهيري.

 

ولكن ما أريد إثارته هو البحث عن العلاقة المفترضة بين فن العيطة والصلاح، أو الزوايا ؟ وهل هناك علاقة مفترضة كذلك بين المقدس وبين ما هو نقيضه ؟

 

إن أي مقاربة للعيطة المغربية لا يمكن أن يتم إلا ضمن الجمالية التقليدية التي لا تفهم إلا ضمن النسيج الثقافي المميز للوجود الحضاري للذات المغربية أو الإنسية المغربية، التي تشكلت في جزء منها بالإعتماد على العرف دون إهمال الشرع .

 

إن الزوايا قد انطلقت حين برزت بواكيرها الأولى من الرباطات التي كانت هي المنطلق منذ أن وطأت أقدام الطلائع الأولى للفاتحين العرب أرض المغرب ومنها رباط شاكر و رباط ركراكة محور سلسلة "أنفاس بريس"، والتي تحددت أدوارها في الجهاد وصد الغاصب للأرض ، ما جعل الزوايا تنغرس في ثنايا نصغ الثقافة المغربية، ولكي تتجدر بها أكثر اعتمدت اللغة المغربية الدارجة شأن الجمالية التقليدية التي تعبر شفويا وبالعمارة والكتابة وبالوشم على الجسد ليكون المكتوب قريبا من الذات.. فالمغاربة حتى حين اكتشفوا حرف "تفيناغ" أهملوه ، لأنهم لا يريدون أن يكون إنتاجهم إلا في تمازج مع دواتهم .

 

لذلك فغناء المغاربة، غناء شجي مصاحب لتعبيرات بالجسد، ينطق بجراحات تتوارى خلف الأصوات الحزينة.

 

لقد اعتمدت الزوايا تجربة عملية، وباللغة المغربية غير اللغة الكلاسيكية التي اعتمدتها المصنفات الكبرى للفقهاء والعلماء، لأن الزوايا حين تعاظم دورها في زمن أضحى المغرب بين كفي كماشة من الشمال حيث الإسبان والبرتغال الذين تطاولوا على الثغور المغربية، بإيعاز من الكنيسة التي ترغب في تمسيح المغرب، وشرقا حيث أطماع الأتراك. كان عليها أن تعبئ المغاربة بلغتهم، و بالإعتماد على الموسيقى للإرتقاء بهم إلى الكمال الروحي، وبأذكار كانت شفوية وخاضعة لإيقاع لا يخلو من موسيقى لتستقر بلين في النفس ويسهل حفظها.

 

إن علاقة الزوايا بالجمالية التقليدية هي علاقة بين مكون مع باقي المكونات البانية للثقافة المغربية، فحتى حين انتفض المغاربة ضد الظهير البربري انطلقت المظاهرات من المساجد، وحتى حين اجتمع الوطنيون بدار أحمد مكوار سموا أنفسهم بالطائفة المستوحاة من القاموس اللغوي للزوايا.

 

ونظرا للدور المحوري للزوايا فقد خصص لها متن العيطة حيزا كبيرا، فبالإضافة لعيوط قائمة الذات خصصت للصلحاء، فالمتن العيطي جله مخترق بالإشارة إلى الصلحاء، لذلك خصصت العيطة الحوزية عيطتين للصلحاء، هما عيطة "رجال لبلاد"، و عيطة "سيدي رحال"، كما خصصت العيطة الحصباوية للصلحاء عيطة "السبتي مولى باب الخميس"، في حين خصصت العيطة المرساوية للصلحاء عيطة "الحدويات" (نماذج)

 

إن الإشارة إلى العلاقات المفترضة بين العيطة والصلحاء، هو عمل يقتضي معالجة الموسيقى التقليدية ضمن مؤسسات المجتمع وطقوسه وثقافته، فهي تعبير عن حاجة المجتمع الإجتماعية و الإقتصادية، وليست ترفا أو تجزئة للوقت ، فدور الموسيقي أو الغناء التقليدي لا يختلف عن دور طبيب القبيلة أو الساحر الذي يحاول أن يؤثر على الطبيعة لإخضاعها لحاجة المجتمع ، ما جعل الموسيقى التقليدية هي ساحرة ولو أنها تعتمد على آلات موسيقية تقليدية .

 

إن الموسيقى المغربية نشأت ضمن مجموعة من المؤسسات، أو في تفاعل هذه المؤسسات فيما بينها، وإلا لماذا هذا السحر الذي تمارسه هذه الموسيقى علينا ؟