الأحد 19 سبتمبر 2021
فن وثقافة

عبد الفتاح الزين في "مدارات" التهاني: المعلم جنديُ المشروع الديمقراطي الحداثي في المغرب

عبد الفتاح الزين في "مدارات" التهاني: المعلم جنديُ المشروع الديمقراطي الحداثي في المغرب الباحث عبد الفتاح الزين (يمينا) والزميل عبد الإله التهاني

أطل على جمهور متتبعيه ومستمعيه، معد ومقدم برنامج "مدارات" الزميل عبد الإله التهاني من شرفة المعرفة والتنوير، وعاد مجددا ليفتح سؤال الدرس السوسيولوجي والأنثروبولوجي من بوابة "حوار في الثقافة والمجتمع"؛ مستضيفا ليلة السبت 26 دجنبر 2020، الباحث السوسيولوجي والأنثروبولوجي عبد الفتاح الزين، الذي يعد وجها من وجوه المعرفة برصيده الغزير والمستمر من الإنتاجات الفكرية التي ترصد التحولات المجتمعية وما تفرزه من سلوكات مجتمعية، حيث أغنى الخزانة الوطنية بأبحاثه ودراساته الميدانية في العديد من القضايا ذات الصلة بتخصصه سواء على مستوى الظواهر المجتمعية التي انشغل بها (الهشاشة الاجتماعية، سلوكيات التطرف والعنف، إشكاليات المنظومة التربوية....).

 

"كل الاختيارات لها عوامل قبلية، وبالطبع هناك معطيات تساهم في التنشئة لاختيار الطريق، منها عامل السن، والظرفية التاريخية والمجتمع.."، يوضح الباحث عبد الفتاح الزين الذي يعتبر نفسه عاش انتماء مزدوجا "حي التقدم بالرباط موطنه وقبيلته"، بالنسبة له "لم ينتقل للمدينة، بل هي التي جاءت إليه"، ولكنه عاش بين "هاجس القبيلة وفي نفس الوقت ثقافة المدينة"، بعد أن جايل التحولات المجتمعية مع نهاية الاستعمار وبداية الاستقلال؛ مؤكدا على أنه "كان مع الرعيل الذي سيشكل الحضاري الجديد".

 

انطلاقة الانتماء الفاعل بالنسبة لضيف "مدارات" كانت من مرحلة الإعدادي وترسخت في الثانوي، "في تلك الفترة كنت أقتني الكتب من الخزانة العامة، وانخرطت في المركز الثقافي الفرنسي، بالإضافة إلى انخراطي في النادي السينمائي.. وانتمائي للحركة النضالية التلاميذية".. مجموعة من المحطات والتراكمات في حياة الباحث الزين أهلته للعديد من الأشياء، خصوصا أنه "انخرط في الحقل الجمعوي مبكرا مع جمعية مشعل الفكر، ومؤسسة دار الشباب ومخيماتها، وأنشطتها الثقافية والفنية". لقد ساهمت وأثرت كل هذه الأشياء في علاقة معرفية بعدة أسماء وازنة في عالم الفكر والثقافة الجديدة، ومجموعة من الأساتذة الجامعيين الذين كان يحضر دروسهم "كانت ميولاتي متجهة نحو العلوم السياسية، لكنني اخترت أن أدرس شعبة علم الاجتماع وعلم النفس والسوسيولوجيا".

 

الباحث عبد الفتاح الزين يستحضر في حديثه مرحلة عاش فيها نقاشات سياسية وفكرية، "كانت كلها تحفز بأن تهتم بأشياء كثيرة".. كما استحضر باحة الجوطية التي كان يقتني منها عدة كتب في الدرس السوسيولوجي والتاريخ، يقول متأسفا على "حال الباحة/ الجوطية التي تحولت إلى نقطة بيع كل ما هو إليكتروني".

 

اهتمام الضيف بالدرس السوسيولوجي والأنثروبولوجي كمعرفة عليمة، وانشغاله بالتكوين في الجامعة، وعمله المهني مع عدة مؤسسات، جعله "يغلب الجانب المهني والمعرفي على النضالي". وأوضح في حديثه عن تخصصه قائلا: "المدرسة المغربية في السوسيولوجيا متفردة في العالم العربي... لأنها تميزت بالتفكير النقدي"؛ مؤكدا بأن "المغرب متعدد في تعدديته".

 

ولم يفت الباحث عبد الفتاح الزين أن يذكر مستمعي برنامج "مدارات" بأنه كان قد تواصل مع رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة (بنزكري) وأشار إليه بـ "ضرورة إدخال المعرفة والثقافة والفكر في إطار عمل هيئة الإنصاف والمصالحة"؟

 

وانتقل الضيف إلى الحديث عن  بداوة المدينة أو ترييف المدن ليشير إلى "مسألة الهشاشة والتفكك، وانعدام الجودة التي تؤثر في العلاقة سواء مع الدين، أو علاقة مع مفهوم المواطنة.."؛ لذلك يؤكد على أن "المعرفة والسوسيولوجيا تفيدان كثيرا في متابعة التحولات المجتمعية وهندسة المجتمع بمختلف جوانبه.."

 

وعلى مستوى مجال اشتغاله بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية وعلاقتها بالسوسيولوجيا، قال بضرورة: "تدريس السوسيولوجيا للمهندس المعماري"، على اعتبار أن "المهندس المعماري يصنع فضاءات الحياة، لا يصنع فضاءات الموت"، مستدلا بالمثل المغربي القائل: "قبر الحياة"، في إشارة إلى المنزل. مشددا على أن المهندس المعماري المتمكن من الدارس السوسيولوجيا "يعطي للمعمار حقه في علاقة بالهواء والذوق والروائح... ويسهر على توزيع العلاقات داخل البناء الذي يرتبط بالهندسة والثقافة والفنون والذوق.."؛ موضحا بأن السوسيولوجيا "تساعد وتفيد المهندس لأنها مواد مغذية"؛ وبأن "المهندس الذي لا يفقه في الثقافة والشعر والمعرفة وحاجيات المجتمع لا يمكنه أن يؤسس لمعمار وعمران مبدع".

 

وبخصوص اشتغال الباحث عبد الفتاح الزين على موضوع التطرف والتشدد قال بأنه قد تم إنشاء "كرسي باليونيسكو خاص بالأبحاث والدراسات حول قضايا التطرف والتشدد". وأشار إلى أن هناك برنامج خاص بنخبة من الطلبة (ديبولم الماستر وما فوق) يشتغلون على قضايا التطرف والأصولية (عمل حول مقياس التطرف)، ودراسات وأشغال تهم العيش المشترك.. لكن جائحة كورونا عطلت العمل".

 

وعن إشكالية التعليم قال: "للحديث عن التعليم، لا بد من الحديث عن الحوض التربوي، عن المدرسة وعن الأسرة ومؤسسة دار الشباب ودار الثقافة.... بمعنى الحديث عن كل الأشياء التي تيسر الثقافة"، واعتبر في هذا السياق بأن بنيات هذا الحوض التربوية قد تخلت عن مهمتها... المدرسة تغرس الأفكار، والأسرة وغيرها من البنيات الاستقبالية الأخرى تقوم بعملية التشذيب وتفتح هذه الأغراس"؛ وأشار إلى أن "الشهادة ليست ضامنة اليوم للشغل، والمعرفة ليست هي الشهادة".

 

عبد الفتاح الزين يعتبر "المدرسة غير مسؤولة عما وقع من ترد.. بل إنها السياسة التعليمية والسياسة التربوية.."؛ ووصف حالة مدرستنا: "المدرسة يتيمة اليوم"؛ ليحيل المستمعين على قولة الكاتب الفرنسي فيكتور هيغو "المعلم هو جندي الثورة الفرنسية"، التي طبقها على المعلم قائلا: "المعلم جندي المشروع الديمقراطي الحداثي في المغرب"...