الجمعة 5 مارس 2021
سياسة

تعيينات المجالس العلمية في خدمة الرهان الانتخابي لحزب العدالة والتنمية

تعيينات المجالس العلمية في خدمة الرهان الانتخابي لحزب العدالة والتنمية وزير الداخلية لفتيت يتوسط العثماني رئيس الحكومة (يمينا) والتوفيق وزير الأوقاف

مع يوم الاثنين 7/12/2020، بدأ التعاطي الإعلامي في شأن "ظهير شريف"، "بتعيين أعضاء بمجالس علمية محلية"، صدر بالجريدة الرسمية في 30/11/2020.وهذا الظهير في سياق صدوره، ومضامينه، وتمثلاته، يستدعي قدرا من المتابعة النقدية، حتى يظل مطلب الوضوح في إنتاجه وإعماله، بمثابة كاشفات أضواء، تحاصر كل مساعي التدليس والزيف التي تطبع تدبير الحقل الديني في البلاد. وفي كل هذا، يبقى أعز ما يطلب، انتظام هذا التدبير ضمن المقاربة المندمجة للمشروع المجتمعي الحداثي الديموقراطي لأمير المؤمنين.

 

1- لقد جاء هذا الظهير ليضع حدا لمحاولات القضم التدريجي للاختصاص الحصري لأمير المؤمنين في الحقل الديني بحكم الدستور. حيث سبق لوزير الأوقاف أن صرح على الأقل، في إحدى دورات المجلس العلمي الأعلى، بأنه سيتم تعيين أعضاء المجالس العلمية بقرار وزيري وبالتشاور مع الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وذلك بدعوى ضمان قدر من الانسياب المطلوب في عملية تعويض أعضاء المجالس العلمية. وهو ما غذى تخوفات من جعل الوضع الاعتباري للسادة العلماء محلا لمختلف الأهواء ،فضلا عن الإشكالات الدستورية والسياسية المرتبطة بالموضوع.

 

إذن جاء التعيين بظهير بعد مدة ترقب وتوجس، جراء "تلبيس" وزير الأوقاف رغم وضوح الدستور، ليؤكد صدور هذا الظهير، على استمرارية الوضع الاعتباري للسادة العلماء، وعلى الصلاحيات الدستورية لأمير المؤمنين، غير القابلة للتفويت. من هنا، يعبر ظهير تعيين أعضاء المجالس العلمية، عن يقظة حواس الدولة، في مواجهة مساعي تجريد صاحب الأمر من اختصاصه الديني. وبهذا، قد يمثل هذا الصدور، في حد ذاته، بصرف النظر عن مضمونه، إشارة واعدة على طريق المستقبل. لكن يبقى من الملاحظ أن تعيينات بعض رؤساء المجالس العلمية، وهي سابقة عن تعيينات الأعضاء، ما زالت تنتظر صدور ظهيرها، منذ 22 أكتوبر 2020.وهو ما يؤشر على أن تدبير الحقل الديني لم يعرف مجراه الوظيفي/الطبيعي بعد، بهذا التخبط منذ هيكلته سنة 2004.

 

2- لكن إذا تجاوزنا النظر من رمزية الظهير، إلى مضمون هذه التعيينات، فإنها -وهي تعمم الأصولية على المجالس العلمية بشكل غير مسبوق- ما زالت تظهر العبث المتنامي في تدبير الحقل الديني، بانخراط وزارة الأوقاف بهذه التعيينات، في خدمة الرهان الانتخابي لحزب العدالة والتنمية. وفي هذا حرج كبير لصاحب الأمر. وهو ما يستوجب إجراء بحث دقيق في هذه التعيينات، في مستويات الالتزام المذهبي، والكفاءة العلمية، ومدى الارتباط بمحل المجلس العلمي، حتى تبقى ظهائر التعيينات تحتفظ بمصداقيتها. فعلى سبيل الذكر، هناك العديد من الأسماء تم تسجيل مخالفات مذهبية عليها كخطباء، وبقدرة قادر أصبحت تشغل عضوية ورئاسة مجالس علمية. وهناك أسماء أخرى معروف عنها ارتباطها الوثيق بالوهابية والإخوان. وعلى سبيل المثال لا الحصر ،فإن معظم أعضاء المجلس العلمي بطنجة، هم في خدمة الأفق الانتخابي لحزب العدالة والتنمية. صحيح أنه تم الاستغناء عن الأستاذ محمد التمسماني. لكن هذا الاستغناء له وجهان: وجه مرتبط بطبيعة الخرائط الأصولية التي سعى بقوة إلى التمكين لها في كلية أصول الدين. ووجه آخر مرتبط بطبيعة شخصيته غير المهادنة، التي لن يقبل الأستاذ محمد كنون، رئيس المجلس العلمي بالتعايش معها، لميله في التعامل مع الطيعين، بصرف النظر عن الالتزام المذهبي. وهذا الاعتبار هو الذي دفعه كمنسق جهوي للمجالس العلمية، إلى الضغط بقوة مع آخرين، للإتيان بمحمد الشنتوف رئيسا للمجلس العلمي بتطوان، ليضعف المكانة العلمية التاريخية لتطوان أمام طنجة. وهذا جانب في خلفية استياء أهالي تطوان مما حصل..

 

لكن لا بد من الإشارة في مستوى هذه التعيينات، إلى وجود بعض الأسماء الملتزمة مذهبيا، وهي جمع قلة. كما أن تغييرات مجلس الناظور، أملتها سيطرة الأصولية في مليلية، والمزكاة من الهيمنة الوهابية على المجلس العلمي. وتبقى بالطبع الأسماء البديلة في حاجة إلى تقييم، وفيها مسحة الأستاذ مصطفى بنحمزة. علما أن هذا التغيير أملته ملاحظات قطاعات رسمية أخرى، لتفادي الحرج في علاقة المغرب بإسبانيا، وإلا فإن مجلس الدريوش المحاذي للناظور قد تمت، على العكس، تزكية الأصولية فيه.

 

3- التعاطي الإعلامي مع هذا الظهير، وقع فيه تباين، يمكن أن نجمله على هذا النحو لترتيب موقفنا المنتظم في مساق متطلبات الإسلام المغربي. فقد نص موقع إلكتروني أصولي في نشر الخبر، على هذا العنوان : "الملك يجري تعيينات جديدة بالمجالس العلمية المحلية"، مع نص الظهير، وبدون حكم قيمة. لكن صيغة الخبر، أفادت معنى الارتياح. وهذا دال في باب بيان السمة العامة لهذه التعيينات. في حين نشر موقع ليبرالي الخبر بهذا العنوان: "ظهير ملكي ينهي هيمنة الذراع الدعوية للبيجيدي على المجالس العلمية". وهذا العنوان الأخير بصرف النظر عن النوايا، ينهض في واقع الأمر، بوظيفة التغطية على كل تقصير رسمي مفترض، سواء من طرف وزارة الأوقاف، أو الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، أو الإدارة الترابية، أو الأجهزة الأمنية، وبالتالي التمكين لواقع التدليس في الحقل الديني، والحال أنه يفترض في غير الأصوليين، عدم الانجرار وراء الخدع البصرية، حتى يتم الوفاء لمواقف الانتصار للتحملات الحقيقية لمرجعية إمارة أمير المؤمنين، لا غير.

 

أما بعد، فإن جاذبية التحليل لمأزق هذه التعيينات، تضعنا أمام خلاصة، أن وزارة الأوقاف، وهي تشرف عليها، قدمت "هدية" لحزب العدالة والتنمية، لتيسير مهمة وزارة الداخلية حول "القاسم الانتخابي". لكن المزعج في الأمر أن هذه الهدية تمت بظهير تم "التلاعب" بمضمونه، كما لم تتول الفصل بين الدين والسياسة كاستحقاق أساسي لهيكلة الحقل الديني. وأكيد أن هذه "البيعة" لغير أمير المؤمنين، سيكون لها لازم "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا".