الاثنين 25 يناير 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: رحم الله دييغو مارادونا

محمد بوبكري: رحم الله دييغو مارادونا محمد بوبكري
عندما توفي لاعب كرة القدم الكبير الأسطورة المرحوم دييغو مارادونا، تعاطف معه بعض الشباب المغاربة المعجبين به، وعبروا عن حزنهم وأساهم على فقدانه، وترحموا على روحه. لكن بعض الإسلاميين المتشددين استنكروا ذلك بدعوى أنه لا يجب أن يترحم المسلم على غير المسلم. وأنا أستنكر فعلة هؤلاء المتأسلمين، لأنني أن أرى الديانات التوحيدية كلها قائمة جوهرا على المحبة والرحمة وغيرهما من القيم الرفيعة. إن الذين يرفضون الترحم على غير المسلم يستندون إلى الآية الواردة في سورة التوبة التي يقول فيها سبحانه: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم" (الآية، 11).
إن هذه الآية وردت في سورة التوبة التي هي السورة الوحيدة التي لا تُفتتح بالبسملة، ويعود ذلك لأسباب عديدة، حيث إنها سورة تحيل على نقض العهود، كما أنها جد خاصة، لأنها تحيل على ظرفية خاصة بالصراعات بين المسلمين والمشركين في زمن الدعوة الإسلامية. إضافة إلى ذلك، ليست هذه الآية ذات صبغة تشريعية عامة، وإنما هي آية تخبر عن مشركين ومنافقين معينين لا يجوز الاستغفار لهم. ويذهب بعض المفسرين بعيدا، حيث يقولون إن هذه الآية تتحدث عن أم الرسول (ص) سيدتنا آمنة التي أراد الرسول أن يستغفر لها، فنِهي عن ذلك. ويضيف هؤلاء المفسرون أنها تتحدث كذلك عن عم الرسول أبي طالب الذي أراد الرسول (ص) أن يستغفر له. وفي الحالتين معا، فالخبران ضعيفان، إذ هل من المنطقي أن نحاسب أم النبي التي توفيت قبل انتشار الدعوة الإسلامية؟!
وعندما نتأمل في هذه الآية، نجد أنها لا يمكن أن تكون تشريعا عاما، لأنها تقر بأن المشركين معروفون؛ فهي تتحدث عن مشركين معينين. وهل يمكن لفقهاء الإسلام السياسي أن يعرفوا أصحاب الجنة؟ وهل يملكون مفاتيح الجنة؟ فالله وحده هو أعلم بالضالين والمهتدين، حيث يقول تعالى: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" (الأنعام، 117). كما أنه سيفصل بينهم يوم القيامة، حيث يقول عز وجل: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد" (الحج،17). وإذا كان فقهاء الإسلام السياسي يدعون أنهم قادرون على الحكم على عباد الله بأنهم مشركون، فإنهم لا يعلمون شيئا من ذلك، إذ الله وحده هو العلام بكل شيء. لذلك، فإن هؤلاء يرمون الناس زورا بالشرك، فمن أدراهم أنهم ليسوا هم أنفسهم مشركون؟ فقد يمكن أن يكونوا من الذين يعبدون ذواتهم، أو من الذين يعبدون هواهم، حيث يقول عز وجل: " أَفَرَأيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ " (الجاثية، 23). تبعا لذلك، ألم يسقط هؤلاء الفقهاء في الشرك؟! إن ما فعله الذين ترحموا جهرا على روح دييغو مارادونا، هو أنهم دعوا له بالرحمة، علما أننا نعلم أن المغفرة ليست بيد البشر. فالدعاء بالرحمة للآخر، بعد أن انتقل إلى العالم الآخر الذي ليست لنا معرفة فعلية حوله، وليست لنا أي سلطة عليه، هو دعاء للتقريب بين أرواح البشر التي فيها كلها شيء من روح الله. لذلك يجب الكف عن كيل التهم المجانية التي تفرق بين البشر، لأنها تخلق الضغائن والفتن بينهم، كما أنه لا ينجم عنها إلا نفور البشرية من ا ِلإسلام والمسلمين.
لقد اقتربت روح دييغو مارادونا من أرواح المغاربة جميعا عندما زار المغرب، وسافر إلى الصحراء المغربية، وشارك في مقابلة كرة القدم هناك في مدينة العيون، كما أنه رقص على نغمات الموسيقى الشعبية الأمازيغية المغربية، تعبيرا عن فرحته العميقة بزيارة المغرب وصحرائه... لقد كان مبدعا كبيرا في كرة القدم، حيث سيظل أفضل وأمهر لاعب في تاريخها. لذلك، أقول: "رحمة الله على روح دييغو مارادونا، وأطلب المولى عز وجل أن يسكنه فسيح جناته. إنه على كل شيء قدير". لقد تناسى فقهاء الإسلام السياسي أن الله غفور رحيم، حيث يقول سبحانه: "وسعت رحمتي كل شي ...." (الأعراف، 156).
وأخيرا، أطلب المولى عز وجل أن يرحم كل المبدعين والمفكرين والفنانين والعلماء الذين قدموا خدمات للإنسانية، وأن يشملهم برحمته التي وسعت كل شيء.