الأربعاء 21 إبريل 2021
كتاب الرأي

إدريس الروخ: حرية التعبير بين الادعاء اصطلاحا والعمل تطبيقًا 

إدريس الروخ: حرية التعبير بين الادعاء اصطلاحا والعمل تطبيقًا  إدريس الروخ
في الوقت الذي نتحدث فيه جميعًا وبصور مختلفة وتعبيرات مجازية عن الحرية أولا ، وعن التعبير بحرية تانيا، نكون في وسط جدال حقيقي ونقاش دام قرونا من الزمن، وكتبت حوله كتب كثيرة واجتمعت فيه آراء واختلفت آراء اخرى حوله ، وناضل من أجله العديد من الأسماء هنا وهناك ، طمعًا في مد جسر الحرية بأسس مثينة وتقوية بنيته لكي تستمر في نقش مبدأ الحق في مواجهة الباطل ..
إن الحرية هي الرهان الأساس الذي تسعى إليه كل الشعوب من أجل ترسيخه وجعله عنوانًا بارزًا كفعل ديمقراطي ( وإن كان هذا الفعل حبيس مؤتمرات ولقاءات دولية غارقة في الهدر الكلامي الموغل في المصطلحات البراقة الفارغة من المحتوى والمحشوة بالكثير من النوايا السيئة ).  الحرية هي حق لكل واحد منا يرغب في أن يستقل بأفكاره وقناعاته ومبادئه ..حر في التعامل مع ذاته ومع احلامه ..حر في أن يخرج ما بداخله من هواجس او رغبات أو نزوات...الخ،  لكن حريته في ذلك تبقى رهينة حرية الآخر، وتعابيره لا بد أن تكون في وفاق تام مع شعور الآخر ..وإحساسه ..
فالحرية ليست معناه خلق الفتن ونشر فيروسات الفوضى لتخريب ثقافة الآخر ..وليست إدعاء بأحقية الفرد أو المؤسسة ( كيفما كان نوعها سياسية ، دينية الخ ). إن تدخل عنوة لبيوت الناس وتغتصب ثقافتهم وعاداتهم وتربيتهم بدعوى حرية التعبير، وهي أيضا ليست ولية أمر المستظعفين والمقهورين والمنكوبين والمتخلى عنهم ، فبين الادعاء اصطلاحا والعمل تطبيقًا تتسع  الهوة يوما بعد يوم و يكبر الخلاف وتزرع بذور الكراهية هنا وهناك وتشتعل نيران الحرب معلنة عن خراب الانسانية. 
فالشعور بالحرية والأحقية في التعبير بأريحية والقدرة على ابداء الرأي ، والأهم من ذلك رفاهية التعامل بها مع مكونات الحياة ..هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن ان نتشبث بها وان ندافع عنها ونحاول نشر مبادئها ، ولكن بالكثير من اللياقة في التعامل مع الاخر والكثير من الاحترام لثقافته ، فكل مجتمع له خصوصياته وله بيته ومطبخه وعالمه الذي يتشبث به ، وانطلاقًا من هذا التصرف الحكيم في التعامل تستطيع بناء الجسور الأكثر تعقيدًا في البناء ..نستطيع خلق مجتمعات تعبر بحرية عن همومها ومشاكلها وعقدها وعداوتها وأمراضها الداخلية ....بنبل و باخلاق الفرسان الحقيقيين، التعدي على جنسية الآخر أو فشله او لونه او انتماءه أو دينه  ... لا يعني أبدا في المطلق حرية ..لكون المعتدي خرج من دائرته و قفز بعقليته وعقده وأيديولوجيته على دائرة الاخر ..وكشر عن انيابه وانقض بهمجية قانون الغاب على حرية فرد أو مجتمع أو عقيدة .
فلو عدنا الى المصطلحين الحرية والتعبير سنجد ان الحرية قيمة إنسانيّة نفيسة مقدسة،وحسب معجم لسان العرب : كلمة الحُرّ من كلّ شيء هي: أعتَقُه وأحسَنُه وأصوبُه، والشّيء الحُرّ: هو كلّ شيءٍ فاخرٍ، وفي الأفعال: هو الفِعل الحسَن، والأحرارُ من النّاس: أخيارُهم وأفاضِلُهم)
ويبدون من خلال هذا التعريف أن الحرية تكمن في نبل من تلتصق به ..ولا يمكن باي حال من الأحوال ان تزيغ عن مثل هذا التصرف ..بل ستجد الأحرار هم من يتبعون القوانين المنظمة للمجتمع وللحياة .. وألّا يُلحِق الضّرر بِالآخرين وفقَ المادّة الرّابعة من الإعلان العالميّ لِحقوق الإنسان.
لقد أعتنت الفلسفة بالحرية وعبرت عن ذلك في الكثير من المواقف وأبانت عن أهميتها سواء تعلق الامر بالفرد او بالمجتمع فاريسطو يعترف بكون (الحرية هي السبيل الوحيد لبناء شخصية الانسان ) وخروجه الى الوجود بشكل يتيح له التعايش مع محيطه دون ان يفقد حريته ولكن في نفس الوقت دون ان يتعدى على حرية الآخر . 
وإذا عدنا ثانية لمصطلح التعبير في معاجم اللغة العربية فسنجد انه يعني (إظهار الشيء و الإعراب والإفصاح عنه  لابراز مشاعر  وافكار الإنسان بطريقةٍ واضحةٍ بقصد نقلها ليفهمها الناس الآخرين، وهي في نفس الوقت نشاطٌ أدبيُّ واجتماعيٌّ يصوغ بها الفرد ما بداخله من احاسيس وقناعات ...الخ ويترجمها بطريقة أدبيةٍ و فنيَّة وصور إبداعيةٍ ...) 
وعندما نقوم بجمع المصطلحين في نفس الوقت ( حرية +التعبير ) أي ان  حرية التعبير حق أساسي بموجب المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948.  وكذلك مع وثيقتي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من سنة 1966، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من سنة 1966. أو ما يطلق عليه "لائحة الحقوق الدولية".
بالطبع وكما بالقدر الذي تضمن لك حقوقك ويسمح لك بالتعبير عن آرائك وأفكارك وإبداعك وكل همومك وتعيش حياتك وانت تدافع عن هذا المطلب الأسمى وتسعى جاهدا لكي تنعم في رغده ، لتتسع دائرتك رويدا رويدا في التأثير على الآخرين ..من أجل غاية في نفس يعقوب (...) فبنفس القدر وربما اكثر يجب أن تحط نصب عينيك ولسانك وريشتك وكل ما ستنتجه من افكار او صور او ماشابه ...يجب فعلا وليس قولا ان تفكر في نفسية الاخر وانتماءه وأن تعبر بما لديك دون أن تحدث خرابًا في كيانه ومعتقداته وقناعاته ، قد يحدث ان تناقشه بالتي هي أحسن وقد يحدث ان تنتقد سلوكه او تصرفاته - ان كانت مشينة وتمس دائرتك - ولكن ان تصرخ في وجه الحق بالقول ( حلال علينا ، حرام عليكم ) أو أن تبهر العالم بكذبة الديمقراطية ( لا تقتربوا منا فأنتم لازلتم تلامذة الصفوف الخلفية في مدرسة الحرية والتعبير وتعلموا منا نحن مهندسي حقوق الإنسان وكل المواثيق الدولية والمعاهدات التي اطرناها بإطار ديمقراطي شفاف واضح وسطرناها  لكم لكي تعيشوا في أمان ان طبقتموها على مجتمعاتكم .. وأننا في ذلك نخاف على سلامتكم ..)  
هكذا هي العناوين التي تصدح جهرًا بقول الحق ولو كانت مختفية بين السطور ..هكذا تحمى المصالح الكبرى على حساب الشعوب الصغرى ...هكذا تنتشر الأكاذيب على طول خرائطنا وتستعمل كأوراق البوكر الرابحة في أيدي من يتقن اللعبة ويفرض علينا ان نلقي بأوراقنا ...هكذا عندما تمس ديانة اخرى تقوم الدنيا وتقعد من اجل ان تصبح خطا أحمرا في مصطلحات حرية التعبير وتفرض قوانين استثنائية لحماية دين على حساب دين آخر .
نحن هنا نتحدث عن احترام تام للقوانين والمواثيق الدولية والمعاهدات التي ابدعت مضامين قانون حقوق الانسان ..لكن كيف السبيل لتطبيقه حرفيا حتى على تلك الدول التي تعتبر نفسها رائدة في مجال الحقوق والمساوات واحترام الاخر وعدم التعدي على أبسط مطالب الانسان : أن تصان كرامته  .