السبت 5 ديسمبر 2020
كتاب الرأي

سعيد الكحل: نساء البيجيدي يتشبثن بزواج القاصرات

سعيد الكحل: نساء البيجيدي يتشبثن بزواج القاصرات سعيد الكحل

مرت 16 سنة على تطبيق مدونة الأسرة؛ وكانت هذه المدة كافية للأغلبية الساحقة من الهيئات النسائية والحقوقية للوقوف على جوانب التقصير والخلل في بنود المدونة، خاصة تلك التي باتت تتعارض مع الدستور وتتنافى مع الالتزامات الدولية للمغرب في مجال المساواة ورفع كل أشكال التمييز والعنف ضد النساء. إلا أن القطاع النسائي لحزب العدالة والتنمية ظل وفيا للعقائد الإيديولوجية للحزب وذراعه الدعوية "حركة التوحيد والإصلاح"، بحيث لم يتغير موقفها من مسألة تزويج القاصرات التي خاضت -هذه الهيئات- معارك من أجل تثبيت وتأبيد العمل به. فالمذكرات التي رفعها البيجيدي وذراعيه الدعوية والنسائية كلها ناهضت الرفع من سن الزواج بالنسبة للفتيات إلى 18 سنة. والمشاكل التي تراكمت بسبب تزويج القاصرات لم تكن كافية لتجعل البيجيدي وقطاعه النسائي والدعوي يراجعون موقفهم من تزويج القاصرات، بل زادت منتدى الزهراء للمرأة المغربية، القطاع النسائي للحزب، إصرارا على مخالفة التوجه العام للهيئات النسائية في مطالبها لمنع وتجريم تزويج القاصرات، وذلك بتوجيه مذكرة اقتراحية، حسب ما جاء في كلمة رئيسة المنتدى السيدة عزيزة البقالي خلال الندوة التي نظمها المنتدى بشراكة مع وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، تتضمن (جملة من المقترحات لتعديل المادة 20 من مدونة الأسرة بهدف إحاطة زواج القاصرات بكل الشروط والضمانات التي تبقيه في نطاق الاستثناء، كما طالبت الجهات الوصية بالعمل على مصاحبة المقاربة القانونية باعتماد سياسة أسرية ناجعة تركز على إعادة الاعتبار للأدوار الأسرية، وتأهيل مكونات الأسرة). طيلة 16 سنة تحول زواج القاصرات من "استثناء" إلى قاعدة فتزايدت نسب الإقدام عليه. وعلى الرغم من كون البيجيدي يقود الحكومة ويتولى وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة وكذا وزارة حقوق الإنسان، وهما قطاعان من المفروض أن يغيرا الخلفية الإيديولوجية للحزب التي تعتبر الوظيفة الرئيسية للنساء هي الوظيفة الجنسية؛ لهذا لا يميز بين الفتاة القاصر أو البالغ، الصغيرة أو الراشدة في أداء هذه الوظيفة، ظل الحزب وقطاعاته الموازية متشبثا بموقفه المؤيد لتزويج القاصرات ضدا على التوجه الرسمي والحقوقي والأممي. والمذكرة الاقتراحية التي تقدم بها المنتدى تضع القطاع النسائي للبيجيدي في تناقضات مهمة أبرزها:

 

1ــ التناقض مع الدستور الذي ينص على المساواة بين الجنسين في كل الحقوق في فصله الـ 19 (يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في الباب الثاني من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب)، بينما تزويج القاصرات يخل بهذه المساواة في بناء الأسرة.

 

2ــ التناقض مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية وخاصة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة

 المادة 16، الفقرة 2 التي تنص على: " لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أي اثر قانوني، وتتخذ جميع الإجراءات الضرورية، بما في ذلك التشريعي منها، لتحديد سن أدنى للزواج ولجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمرا إلزاميا".

 

3ــ في الوقت الذي تطالب فيه نساء البيجيدي الإبقاء على زواج القاصرات في المدونة ساري المفعول، تقر المذكرة الاقتراحية للمنتدى (أن الأصل في الزواج إبرامه بين راشدين يتحملان معا مسؤولية الأسرة الموضوعة تحت رعايتهما المشتركة). فكيف ستتحمل القاصر هذه المسؤولية المتعلقة بتكوين أسرة وتربية الأطفال والأم القاصر طفلة لازالت بحاجة إلى التربية والرعاية؟

 

4ــ ازدواجية الخطاب حيث يشدد المنتدى على الاستمرار في العمل بتزويج القاصرات، بينما وزيرة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة، جميلة المصلي، العضو بالمنتدى وبالحزب تعلن، في لقاء رسمي مع ممثلي القطاعات الحكومية والمؤسسات الوطنية، أن (تعزيز أدوار ووظائف الأسرة تحتاج إلى إعادة الترسيخ في المجتمع، لأن جزءا من حل الإشكالات والتحولات التي يعرفها المجتمع ومن بينها ظواهر الاعتداء على الأطفال واستغلالهم، يكمن في مقاربة استباقية تروم تعزيز مكانة الأسرة واستقرارها ومواكبتها للقيام بالأدوار المنوطة بها، ومزيد من التوعية بوظائفها). فكيف، إذن، ستنخرط طفلة تم تزويجها واغتصاب طفولتها في جهود حماية الطفولة؟ هل تستطيع الطفلة القاصر، التي تتعرض بدورها للاستغلال والقهر أن تساهم في استقرار الأسرة وأداء وظائفها التربوية والاجتماعية وأن تحمي أطفالها وهي لم تحم نفسها وطفولتها؟

 

5ــ إن الواقع المغربي يعرف ارتفاعا متزايدا لنسب تزويج القاصرات، إذ باتت تثمل اليوم نحو 14 بالمائة في المغرب بعد أن كانت في حدود 10 بالمائة في السنوات الماضية، حسب ما كشف عنه التقرير الأممي "حالة سُكان العالم 2020" الصادر في يونيو 2020. هذه النسبة المخيفة كان من المفروض أن تحرض منتدى نساء البيجيدي على دق ناقوس الخطر والمطالبة بمنع وتجريم تزويج القاصرات لما يتسبب فيه من ظواهر اجتماعية خطيرة (ارتفاع نسبة الوفيات خلال الحمل وعند الولادة، ارتفاع نسبة الطلاق، التشرد، التعاطي للدعارة)...

 

6ــ إذا كانت السيدة الوزيرة، جميلة المصلي، تتبنى مطالب المذكرة الاقتراحية للقطاع النسائي لحزبها وعاجزة عن إقناع عضواته بالخطاب التي تردده في اللقاءات الرسمية في إطار مسؤوليتها الوزارية، فكيف لها أن تضع برامج عملية وتسهم في وضع سياسات عمومية تروم النهوض بأوضاع المرأة؟ إن ما رددته الوزيرة خلال اللقاء التشاوري الثالث مع ممثلي القطاعات الحكومية والمؤسسات الوطنية حول "الإطار الاستراتيجي لحماية الأسرة في المغرب"، يوم الثلاثاء 29 شتنبر2020 بالرباط، من "أن وظيفة الأسرة باعتبارها وحدة أساسية في المجتمع ليست عادية" وأن "من وظائفها أن تكون منتجة لقيم المواطنة الإيجابية والعمل وحب الوطن" يفقد كل مصداقية أمام مطالب منتدى نساء حزبها. فالطفلة التي يتم تزويجها قاصرا لا يمكنها أبدا أن تتشبع بقيم "المواطنة الإيجابية وحب الوطن" وهي التي تم حرمانها من حقها في التعليم وفي أن تعيش مرحلة طفولتها بشكل عادي وسليم، ويتم تعريضها لكل أشكال الاستغلال والامتهان، لتجد نفسها مشردة ومطلقة وهي أم لأطفال قبل أن تصل سن الرشد .

 

7ــ إن مذكرة المنتدى تناقض مدونة  الأسرة التي تجعل مسؤولية الأسرة مشتركة بين الزوج والزوجة. فالزوجة القاصر غير مؤهلة لتتحمل كامل مسؤوليتها في بناء وتدبير الأسرة وتربية الأبناء ورعايتهم. إن بناء الأسرة وتدبيرها يتطلب نضجا عقليا وجسديا وعاطفيا واجتماعيا، لكن الإسلاميين لا تهمهم أوضاع النساء والأسر، بقدر ما تهمهم خدمة العقائد الإيديولوجية وترجمتها إلى مطالب ومواقف وسلوكات. والدليل أمامنا تجسده نساء البيجيدي "المثقفات" والبرلمانيات والوزيرات والأستاذات اللائي لم تنفع معهن قيم العصر وثقافة حقوق الإنسان والتقارير والدراسات حول واقع النساء وما يتطلبه من جهد لرفع الظلم والقهر عنهن، فغدون سجينات ثقافة وقيم عصور الانحطاط وفقه القهر والاستغلال.

 

إن نساء البيجيدي بحاجة إلى من يحررهن من ثقافة التبخيس وفقه الإماء حتى يرقى وعيهن بقيم المواطنة  وحقوق الإنسان. ومن لا يؤسسن لثقافة المساواة والاحترام داخل أسرهن لن يؤسسنها داخل المجتمع.