الأحد 25 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

عزيز عبد الرحيم: مؤمن الأمس "ملحد" اليوم

عزيز عبد الرحيم: مؤمن الأمس "ملحد" اليوم عزيز عبد الرحيم
في كل مرة يعلن فيها مسلم ما خروجه من الإسلام، ينبري له من جعلوا أنفسهم حراسا للعقيدة، وحماة للدين، وفرسانا للدعوة، بكل ما أوتوا من جدل وغلظة وجلفة وقلة أدب وسفالة، ظنا منهم أنه يحتاج لمن يقول له في نفسه قولا بليغا، وهل القول البليغ يعني رمي الناس بالباطل، وحشد الآيات والأحاديث التي تتوعدهم بالعذاب والخلد في النار.
قد نتفهم غصة البعض حين ينسلخ من جلدهم من كانوا يقتسمون معه دفء المجالس الإيمانية، والدفاع عن القيم الإسلامية، والذوذ عن حمى الدين، لكن لا يمكن أن نتفهم حجم الجحود والهجوم على من كانوا يشهدون بحسن خلقه ويقدمونه في مجالسهم ويستمعون إلى دروسهم في الدين منه.
وقد نتفهم خشية البعض من ان تفشى أسرارهم، وتنكشف ألاعيبهم، وتظهر عوراتهم للناس بما كسبت أيديهم في الظلام، فينفض عنهم الناس، وتذهب ريحهم، بل تنبعث ريحهم متغلغلة في الأنوف التي تأنف ما جنوه على الناس من تسفيه وتحقير وتكفير وتجييش وطعن في الأعراض ومحاربة في الأرزاق.
لكن لا يمكن البتة أن نتفهم رفض البعض لحق الناس في الاعتقاد، وفي طرح السؤال والبحث عن الجواب، في الانسلاخ من المسلمات والبديهيات التي نشأ عليها المرء ليبحث ويستكشف من خارج دائرة مغرقة ومغلقة ومنغلقة عن محيطها عن عوالم أرحب وأوسع تزيد من أيمانه او نتشكف له زيف ما كان يؤمن به.
فإذا كان خليل الله إبراهيم قد جال بفكره في الآفاق ينظر إلى القمر والشمس ويبحث عن رب أكبر لا يفل، إلى أن يهتدي قلبه إلى أن الآفلين لا يمكن أن يكونوا أربابا، وأن ربه هو السميع العليم البصير الذي هو  أقرب إليه من حبل الوريد، وإذا كان كليم الله موسى قد ظهرت له من الآيات الكثير لكنه دعا ربه أن ينظر إليه إلى أن دك الجبل وخر موسى صعقا، فهل كان يحتاج موسى لتلك الآية حتى يهتدي ويستيقن بأن الله تعالى هو كليمه، كيف لا وهو الذي نشأ في بيت يدعي أهله أنهم آلهة ويبنون الصروح العظام التي مازالت قائمة إلى اليوم، وهل كان عيسى يحتاج إلى أيات أو إلى بينات وهو نفسه آية وهو نفسه من روح الله ولدته امه مريم وهي عذراء؟ هل كان يحتاج إلى مائدة من السماء وهو الذي يبرء الأكمه والأصم وهو الذي يحي الموتى وينفخ في الطين فيصير طيرا باذن الله.
هؤلاء من كانوا من الرسل والأنبياء المجتبون والمقربون المؤيدون بالوحي والملائكة، فكيف بمن عاش بعدهم من القرون في زمن التكنولوجيا، والمدارس الفكرية، وقراءة التاريخ والمستقبل والتلاقح بين الحضارات، والحفر في تاريخ الحضارات القديمة، واستشكاف عاداتها ومعتقداتها؟
كيف ينكر الإنسان على الإنسان الحق في التفكير والحق في طرح الأسئلة في أشياء يظن أنها مسلمة وبديهية ولا جدال فيها، ويجحد فيه نعمة العقل ويتهمه بالتخوين والنكوص والانسلاخ من الدين.
لا بد لنا من ان ندع الناس لخالقها، وأن لا تأخذنا حمية الدعوة إلى الدين إلى فرض واقع أن من خالفونا الاعتقاد هم كفار لا محالة، مرتدون يستتابون او يقتلون، وأن منطق الولاء والبراء لم يعد يجدي في زمن الولاء السياسي والاصطفاف الحزبي حتى من كانوا يظن أنهم دعاة الدين وحماة العقيدة وماهم إلا حراس معبد وكهنة مقابر ومجازر الظالمين والمستبدين.
كما أنه يمكن ان تكون كل تلك الأفكار مجرد حالة نفسية تعتري الإنسان، لذلك فإن النقاش عن التلبس والحالات الشيطانية وما شابهها لن تجدي نفعا في إعادة الإنسان إلى جادة الصواب، ووجب ان ينأى الإنسان بنفسه عن إصدار الأحكام والاتهام خصوا لمن هم بعيدون عن محيطه او ليست لهم به سابق معرفة، لأنه لن يكون مطلعا على أحوالهم وتحولاتهم وانشغالاتهم الفكرية لا قبل ولا بعد، وترك ذلك للمقربين ولمن يختص بذلك وكان أهلا له ونا على الباقين إلا الدعاء واستمطار الرحمات او وضع المناشف في الفم لتسد عنها فضول الكلام.