الثلاثاء 27 أكتوبر 2020
فن وثقافة

الموسيقى ضمن رهانات المشروع المجتمعي المغربي

 
الموسيقى ضمن رهانات المشروع المجتمعي المغربي عبد العالي بلقايد (يسارا) وهشام متصدق

في هذه الحلقة من حلقات الإهتمام بالبحث في التراث كضرورة ثقافية وفنية، التي تنشرها جريدة "أنفاس بريس"، يجيب الأستاذان عبد العالي بلقايد وهشام متصدق، أعضاء مجموعة البحث بالرحامنة، بالإستدلال والبرهنة، على عدة تساؤلات مشروعة مرتبطة بموضوع "الموسيقى ضمن رهانات المشروع المجتمعي المغربي" .

للترافع في هذا الموضوع، الباحثان استحضرا تجارب موسيقية مغربية (عصرية وشعبية) أكدت بالملموس إمكانية خلق موسيقانا انطلاقا من فضاءاتنا المغربية..، دون البحث عنها في أماكن أخرى .. في هذا الإطار يأتي الإهتمام بالتراث كحاجة حضارية ، وليس ترفا فكريا، يتم من خلاله تلبية رغبة ذاتية، أو جموح نحو لون معين .

 

هل يمكن تصور مشروع دون موسيقى؟ وإذا كان الأمر كذلك كيف نبرهن بأنها أس من الأسس البانية له؟ فهل يمكن التكلم عن الرواية، والمسرح، والتشكيل، والفلسفة، وننسى الموسيقى متوهمين بأنها ترف ومن الأشياء الزائدة عن الحاجة؟ أم أنها ضرورية ولا مناص منها؟ هل الموسيقى كما الفنون الأخرى من روافع الحضارة، حيث لا يكون التغيير على مستوى السلوك والتصرف دون تغيير الذائقة الفنية؟ هل يمكن تحقيق ذلك بدونها؟ أم أننا عند غيابها نكون إزاء ضرب من ضروب المحال؟

 

الموسيقى ولدت ولادة مقدسة، وترعرعت في فضاءات أكثر قدسية، وضبطت طقوس الإنسان وحياته، واستعملها الإنسان استعمالا سحريا لكي يواجه بها مظاهر الطبيعة، وما يخيفه فيها. فكانت المسحة السحرية أهم ميزة ميزت هذه الفعالية البشرية منذ أن استقامت قائمة الإنسان وبدأ يستعمل اليد في قطف الفواكه وصنع إيقاعاته، فإذا كانت اليد صانعة للحضارة، فهي صانعة للموسيقى وإيقاعاتها التي ضبطت زمنه الفيزيقي، والبيولوجي، والنفسي، وبذلك فالموسيقى نتاج لأشياء العمران وإيقاعه، وأداة من الأدوات التي تبدل أشكال أشيائه، وتضبط إيقاعها وفق الحساسية الإستطيقية الجديدة.

 

ولكن كيف يمكن أن نتصور المشروع الموسيقي؟ لا تفكير فيه خارج الذات ، فأسماعنا لا يمكن تشنيفها إلا بما تم إنتاجه من طرف الإنسية المغربية، ما عدا ذلك نكون في حالة اغتراب عن ذاتنا. والإنسية المغربية كما هو معروف تنوعت إنتاجاتها الموسيقية من أمازيغي، إفريقي، موريسكي، عربي، عبري. هذا الثراء الموسيقي هو الخلفية الأساس لبناء الصرح الموسيقي المغربي.

 

والأمر ليس جديدا، فالمشروع الموسيقي المغربي قد دشنه الموسيقار عبد الوهاب الدكالي بأن ربط الأغنية بالإيقاعات المغربية، وأعلن القطيعة مع الألحان المشرقية.

وقد بلغت التجربة الأوج مع مجموعة ناس الغيوان، و جيل جيلالة، و تكادة، الذين برهنوا بأن خلق تيار موسيقى مغربي عالميا و جهويا ممكنا، و خلقوا فضاء موسيقيا للشباب ليتحرر جسده وروحه من المشرق والغرب، وأضحى يشكل بالجسد صورا جديدة عبر الرقص، كما بات يشكل أخرى فكرية من صميم حياته، إنها تجربة موسيقية خصبة تؤكد بالملموس إمكانية خلق موسيقانا انطلاقا من فضاءاتنا المغربية..، دون البحث عنها في أماكن أخرى. وفي هذا الإطار يأتي الإهتمام بالتراث كحاجة حضارية ، وليس ترفا فكريا، يتم من خلاله تلبية رغبة ذاتية، أو جموح نحو لون معين .

 

إن أي حوار عالمي ،أو تواصل ثقافي مع حساسيات ثقافية أجنبية لا يمكن أن يتم إلا عبر الثقافة المحلية، لا عبر ثقافة الأخر، مما يفرض علينا الإهتمام بكل أشكالنا الثقافية، ولكن كيف؟ وبأية صيغة؟ وبأية رؤية؟