الأربعاء 21 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

السلماني: قضية أيت الجيد بنعيسى... السياسي يَقْتُل الحقيقة 3/2

السلماني: قضية أيت الجيد بنعيسى... السياسي يَقْتُل الحقيقة 3/2 عبد الغني السلماني

"يكون الرجل مذنبًا في نظر القانون عندما ينتهك حقوق الآخرين، أما في الأخلاق فيكون مذنبًا إذا فكر فقط في عمل ذلك " إيمانويل كانط

"للضحايا صوت تَرْتَعِدُ له السماء " جبران خليل جبران

 تَذكِير وتَذكُر :

كلما اقترب يوم جلسة محاكمة المتهمين في قضية اغتيال الشهيد آيت الجيد محمد بن عيسى، تجدني على الأعصاب أتذكر حركاته وصورته وأناقته وروحه السمحة في الجدل والنقاش والهزل والحياة ...أطرح سؤالا بسيطا كيف لجريمة وقعت في واضحة النهار وقرب مقاطعة إدارية (سيدي ابراهيم) وبحضور الأجهزية السرية والعلنية ورغم ذلك لم تفكك خيوطها غلى حدود الآن؟ العائلة تبحث عن قاتل ابنها ورفاق الشهيد يطالبون بالحقيقة لأنهم يعرفون القتلة.

نراهن على العدالة وضمير القضاء من أجل كشف الحقيقة ومعاقبة الجناة.

أكتب وسأستمر في الكتابة لأنني أومن بأن الروح عزيزة عند الخالق سبحانه  وأن للتاريخ ذاكرة.

يوم الثلاثاء 22 شتنبر 2020، ستكون جلسة أخرى من الجلسات الكبرى لمحاكمة أحد المتهمين باغتيال  شهيد الحركة الطلابية والشعب المغربي آيت الجيد محمد بنعيسى وهي فرصة نجدد فيها الأمل من أجل كشف الحقيقة كاملة مكتملة؛ إنه موعد قضائي للنظر في قضية جريمة  كتب عنها الكثير وتعاطف معها الملايين ولا زالت أعناق الأحرار تترقب الصبح من بعيد ... يوم الثلاثاء 22 شتنبر 2020 موعد يستدعي من جديد دعوة كل الأحرار والجمعيات الحقوقية والمدنية ... وكل  المدافعين عن الحق في الحياة، بتكثيف الجهود من أجل  الكشف عن جريمة الاغتيال  وكل الشركاء في الجريمة : من قتل ؟ ومن دبر ؟ ومن نفذ؟ ....  في أفق معاقبة كل المتورطين وضمان المحاكمة العادلة.

لقد واكبت الصحافة الوطنية كل الجلسات القضائية السابقة بكثير من الحماس في كشف الحقيقة لذلك لا يسعنا إلا أن نعبرعن إعتزازنا بالمساندة المطلقة التي تبديها شرائح واسعة من المجتمع المغربي تجاه قضية الشهيد. ونتطلع لأن يستمر هذا الزخم النضالي لدعم مطلب الكشف عن الحقيقة ومعاقبة القتلة المتهمين والمتسترين، ضدا على أطراف تسعى جاهدة بكل ما أوتيت من إمكانيات ونفوذ لطمس الحقيقة والإفلات من العقاب.  ونؤكد بالمناسبة على أن هذه المساعي البائسة سيكون مصيرها الفشل، وستسطع  شمس الحقيقة كاملة مهما طال الزمان.

قضية بنعيسى ذاكرة عصية على النسيان :

في الحقيقة قضية بنعيسى ستعرف منعطفا متميزا رغم المتآمرين الذين يجعلون من فعل الإغتيال حالة عابرة تنساها الذاكرة والتاريخ .لكن لبنعيسى أصدقاء بررة لم يحركهم ربح السياسة ولا هواجسها النتنة.

للشهيد أصدقاء وأحبة كُثُر بقوا أوفياء  لفكره وروحه بل أجزم وأقول أن لبنعيسى جيل من الباحثين والنخب والمناضلين ...سيدافعون عن الحقيقة  بكل الوسائل ومن خلال هذا الرمز العزيز( بنعيسى) نستحضر شهداء الحركة الطلابية وكل شهداء الوطن الذين كانوا ضحية القتل الظلامي بكل أشكاله، عمل الفضح وكشف الخفي نعتبره  واجبا أخلاقيا وقيميا، من أجل  حفظ الذاكرة الطلابية ومواصلة البحث عن الحقيقة كل الحقيقة والإستمرار في التعريف بقضية  من قتل الشهيد ؟ ومحاربة النسيان.

بالمقابل هناك  عناد قوي  من أطراف تريد أن تطمس الحقيقة وتُسيس القضية وأحيانا بدعم ومباركة "القريب"  للإفلات من العقاب والطمس بصرف النظر عن الإدانة أو البراءة، عندما يتم الربط بين كشف حقيقة  اغتيال مناضل  شريف ومصير المتهم بالقتل  الذي يتقاتل من أجل أن يحتل موقعا ما في تدبير الشأن العام فتلك هي المصيبة ، إن المتهم يذكر بأن الملف هناك من يشرف عليه من دكان سياسي آخر.

وهي حيلة لن تنطلي على من يحرك كثيرا من ذكريات الأحداث  وأن قضية بنعيسى سابقة على كل الوافدين الجدد، وأن الحزب الأغلبي وفر لهذا الرهان إمكانيات ضخمة من أجل إعداد وتهييء فريق الدفاع بأتعاب مُغرية، بالإمكانيات التي وفرها الحزب الأغلبي من تدبير الشأن العام فإنه يستقوي على الناس ويتستر على جرائمه بكل وسائل التضليل ونظرية المآمرة ؟ لعل إمكان تبلور إحساس المجايلين لبنعيسى  وعموم ساكنة فاس التي تتذكر الحدث، يحتم على الجميع أن يتحلى بالدقة البالغة وألا يستخف بالعدالة، وأن تكون المحكمة في جاهزية كبرى  لتطبيق  القانون لأن  قضية بنعيسى نعتبرها بمثابة كاشف النية والمعبر الصريح عن المعنى العميق للعدالة الإنتقالية من خلال  إصدار حكم تاريخي  لإنصاف قضية الشهيد .على القضاء  في هذه المرحلة الدقيقة التي يتطلع فيها المغاربة على كشف الحقيقة من أجل  إتمام مشروع العدالة الانتقالية وإعطائه بعده التاريخي الأكثر صلابة . إن كشف الحقيقة هو حماية أرواح الأشخاص  وصيانة للإختلاف وتعميق للممارسة الديمقراطية.

حامي الدين كلما اقترب الحبل ... رفع السقف؟

التلويح باتهام الآخرين واتقان لعبة المؤامرة  هو أسلوب للمزايدة السياسية الرخيصة، وهو نهج متفق عليه مع تحديد أدوار الأعضاء وحسب اللحظة المناسبة، خروج حامي الدين يدخل في منطق مصلحة الحزب والهروب من الحقيقة، مع خلق اللبس وانفتعال نقاش هامشي يغطي على لحظة الكشف  لأن الوضوح السياسي يضعف الحزب الحاكم ، بعد لمسه للسخط العام على السياسات اللاشعبية والارتباك الذي تعرفه الحكومة وكذا جسامة التحديات الاقتصادية القادمة التي لا تستطيع مجاراتها وخاصة في زمن الحجر الصحي وتداعيات كورونا.

وهذا ما يجعل من حزب العدالة التنمية كعادته يحاول الهروب من تحمل أتعاب وتبعات المسؤولية السياسية، لكونه يتخوف من خسارة موقعه بجر أحد رموزه للعدالة وهو ما يجيب عليه المتهم بالحضور للمحاكمات بدعم واضح من قبل القيادات المحلية والجهوية والوطنية واستعراض مكشوف للقوة والغنيمة .. كل هذه التكتيكات تجعل المتهم (حامي الدين) يفكر جليا في خلط الأوراق ولو تطلب الأمر إظهار رئيس الحكومة  من زاوية الرجل الضعيف، وأنه آن الأوان لتفكير في إعادة "الزعيم "  للواجهة  باعتباره الحامي الذي صرح بعدم تسليم الأخ  للعدالة .

هذا النهج متفق عليه ويدخل ضمن استراتيجية محكمة لحزب العدالة والتنمية  و حامي الدين  أحد المهندسين لكل الخرجات ضمن منطق متفق عليه بشكل مسبق يتقن الدور المحدد له  جيدا. وهو تكتيك سياسي صار نهجا بعدما تم تطويره من طرف الإخوان لضمان البقاء في السلطة والاستفادة من الغنيمة ، وبهذا تبقى خرجات  المتهم حامي الدين تنزيل لهذا النهج بغاية إرسال رسائل للدولة باعتبارها وتنظيمه شريك في متابعة اليسار والنيل من رموزه وقادته ولو تطلب الأمر القتل كما وقع لعمر بنجلون والمعطي بوملي والشهيد آيت الجيد محمد بنعيسى  ، هدف التنظيم الآن هو  تقوية موقف الحزب و محاولة المساومة على ملفات الفساد والاختلالات التدبيرية المنسوبة لبعض قيادات الحزب، وكذلك الملفات الجنائية المعروضة على القضاء، لتمكينهم من الحماية السياسية.. ظهر هذا بشكل جلي  بعد فضيحة الرميد بعدم تسجيل مستخدمته في الضمان الاجتماعي، وكذلك وزير الشغل أمكراز.

أرنب سباق من أجل ريع سياسي قادم :

في هذا الممر الطويل الذي تتداخل فيه الرهانات من أجل الإبتزاز  تظهر خرجات غير مفهومة وفيها نية تسوية سياسية في الأفق ، لكن لن تكون على حساب الحقيقة،  يتجلى هذا في مسرحية التقارب وتبادل الزيارة بين أمين عام حزب البام عبد اللطيف وهبي، ولقاءه بسعد الدين العثماني  أمين عام حزب  العدالة والتنمية، باعتباره  حدثا لتخمين جديد من أجل تكييف  التهم المتعلقة بالجريمة؛ بعدما  كتبت الصحافة عن الحدث وعلق عليه بعض  السياسيين ومتتبعي الشأن الحزبي.

كما لقي هذا التقارب انتقادا من قبل  خصوم الأطراف المتحاورة، لكن حامي الدين  سيجد في اللقاء بين العثماني ووهبي فرصة لتصفية حساباته الشخصية، مع غريم اختار الإبتعاد عن المشهد السياسي، حيث تعمد أن يقوم بخلط فظيع بين السياسي والقضائي، وبين القانوني والجنائي .. النتيجة كيف يربط بتحريك المتابعة ضده بحزب الأصالة والمعاصرة، علما أن جريمة القتل سابقة على تأسيس البام وإحياء ذكرى الشهيد تكون كل  سنة من قبل الأصدقاء والفصيل الذي انتمى  إليه الشهيد  كانت منذ الذكرى الأربعينية وبذلك احتفظ رفاقه بهذا العرف ويتم تخليد الذكرى في العديد من بلدان العالم، لكن حامي الدين لا ينظر لهذه الأحداث ولا يلتقط إشارتها بل يعمد خلط الأوراق والإختباء وراء أشباح يستثمرون الحدث لمآرب أخرى. لكن نقول؛ أنه  لا يمكن أن تُمَارس المناورة السياسية الصغيرة، وتؤمن المستقبل  الشخصي  الأناني على حساب الحقيقة والتاريخ.

لإنها أسئلة مرتبطة بحقيقة الشهادة  حيث لا يمكن أن يكون متهم بالقتل مسموح له  بانتزاع ربح صغير لضمان محاكمة تحت المقاس.

على سبيل الختم :

حامي الدين يروج مقولة مسكوكة بأن البام هو من حرك الدعوى ضده، في اللحظة التي يتناسى فيها كمًا هائلا من البيانات الصادرة عن فصائل تاريخية لأوطم  تسميه بالإسم والصفة، باعتباره مشارك في الجريمة شهادة الشاهد الوحيد الناجي من الموت رفيق الشهيد بنعيسى " الخديوي الخمار "الشاهد على الواقعة حيث يتهم حامي الدين باعتباره من ثبت رأسه فوق الرصيف ليتم الإجهاز على بنعيسى في واسطة الطريق وسط النهار .لم يكن  عبد العالي حامي الدين يوما ما يناقش السياسة بأدوات السياسة وبأخلاقه ، بل يفهم السياسة من خلال الربح والإبتزاز إنها قمة الإنتهازية ومنتهى العبث في القول وانعدام المسؤولية فيه. لكن نقول لحامي  الدين من  حقك أن  تدافع عن نفسك وتحصنها في ملف معروض على القضاء.

لكن  من الرعونة والتهور والحماقة  أن تتهم القضاء والشرفاء باستغلال الحدث ضد فاعل سياسي.

كشف الحقيقة لا يرتكز على حسابات صغيرة تحشر نفسك في تفاصيلها من أجل الإفلات من العدالة.

 

كاتب وباحث