الأربعاء 21 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

عبد الله جبار: الجالية المغربية.. في الحاجة لإعمال العقل...

عبد الله جبار: الجالية المغربية.. في الحاجة لإعمال العقل... عبد الله جبار

في إطار المتابعة لما أصبحت عليه وضعية مغاربة العالم، يتفرج الكثيرون والكثيرات من مواقع المسؤولية ومن خارجها وسط المجتمع المدني ومنظماته على التطورات الخطيرة التي حلت بالجالية بسبب ظهور اتجاهات متصارعة تستخدم كل الوسائل للإيقاع بالطرف الآخر.. وإذا كانت هذه المناكفات تستهوي عشاق وسائل التواصل الاجتماعي، وينتظرونها نهاية كل أسبوع وكأنها مسلسل لا نهاية له، فإن ما يحز في النفس هو عدم وجود مبادرات توقف هذا العبث أو على الأقل تحريك الأصبع أمام ما يحدق بالجالية من مخاطر داهمة ودائمة تؤجج الخصومات البينية، التي أصبحت بالمناسبة تتسع وتكبر وتلهي أفراد المجتمع عن قضاياه الأساسية، وتدمر أواصره الاجتماعية وقواعده الأخلاقية.

 

طبعا يحدث كل هذا عندما تكون الظروف مواتية، وحينما يغيب العقل أو يتم تغييبه عن إدراك الوقائع  والأحداث التي تحيط بنا، مما يجرنا إلى ارتكاب أخطاء مؤثرة، مصدرها أننا وضعنا سياسة عملنا بناء على تصوراتنا الذاتية، مبتعدين عن الظروف الواقعية في زمانها ومكانها، وأننا أفرطنا في قلب ضوابط الصراع الهادف عندما أصبحت شخصنة الأمور قنطرة عبور. فالصراع قيمة مضافة لتعميق الفهم بكل القضايا موضوع الصراع من خلال تشجيع واحترام التنوع في وجهات النظر وتحويل هذا الاختلاف إلى مصدر للعمل والعطاء المثمر، فضلا عن قدرة هذا العمل في السيطرة على هذا الصراع نفسه..

 

لكن ما هي خصوصية الصراع بين البعص داخل الجالية؟

 

إن هدا الصراع ليس طبيعيا وليس مخاضا لرؤى أو محاولات لتفكيك عقدة الجمود التي لازمت منظومة مغاربة العالم بغية البحث عن اجابات ترقى بمتغيراته إلى الأفضل، بل هو صراع مصالح يحكمه منطق الجاهلية القديمة "منطق الغالب والمغلوب"، وهو منطق دفع أصحابه إلى عملية استنفار قصوى تجلت في أشكال الاستقطاب تعدت البلد الواحد وإقحام قضايا ومؤسسات كان من الواجب عدم الزج بها حيث يسابق كل فريق الزمن بغية تغليب كفته  لإبراز الذات، بغض النظر عن نتائجه العكسية إن  حاضرا أو مستقبلا. بل لم يقفوا عند هدا الحد فواصلوا في تعنتهم ومكابرتهم، وهو أمر يثير الشك والريبة والتساؤل حول من يقف وراء كل هدا وفي ظرفية كهاته!!!!

 

صحيح أن لكل إنسان قناعاته، لكن أخلاقنا، أعرفنا، قيمنا، بل وديننا -مدام الدين قد أقحم في هذا الصراع- لا يسمحوا لنا بتقطيع شبكة العلاقات الاجتماعية لأبناء البلد الواحد، ولايليق أن ننشر غسيلنا على كل الأسطح فيكشف للعدو قبل الصديق.

 

وصحيح أن في فترة الغضب ينطفئ العقل ويفقد الإنسان القدرة على التجاوز، فيسود التعصب والجمود واللاتسامح. لكن هذا لا يعني أن يصاب الفكر بالعجز التام عن إدارة الاختلاف أو الخلاف مع الآخر من نفس المجتمع الذي ينتمي إليه، فتقرع حينها أجراس الإنذار وطبول الحرب إيذانا بمشكلة في قيم المجتمع المعني أن مشكلتنا هي أساسا معضلة وعي وإدراك، وأن هذا الوعي يتم من خلال العقل الذي يشكل ضابط إيقاع وموجه هام لمسألة التعدد. وبدونه سنكون دائمًا خارج الزمان وخارج التاريخ.. فإعمال العقل عنصر مهم في التقدم وعملية التقويم والتصحيح، ومعنى هذا الكلام أنه داخل مجتمع ما، مهما كان الاختلاف وجعلناه خاضعا لملكة العقل، فإن ذلك لا يمكن إلا أن يكون نافعا للمجتمع برمته، لأن الاختلاف والحوار الذي قد ينتج عنه لا يغيران في ود المختلفين، ما دامت منطلقاته وأسسه تتكئ وتستمد قوتها من عنصر الحوار الهادئ والنقد البناء وفهم الخلاف والتعايش معه على أنه حالة لا بد منها.

 

وفي هذه الحالة يظهر وعي المتحاورين ومدى تمكنهم من تخفيف الحدة والقدرة على التأقلم والمعايشة مع أسوأ الحالات وأصعبها، وهو ما يقتضي ايضا وجود ملكة نفس كبيرة تتحمل ذلك، وتتدخل لتلعب دور المسكن. وهنا نشير أن الاعلام بمختلف انواعه يمكنه أن يساهم بقسط كبير في تهدئة زوبعة الغبار هاته، لكن للأسف وجدناه يعمق الأزمة الراهنة، فبدل ترطيب الأجواء عن طريق نشر الوعي والتأليف بين القلوب والتعريف بأهم القضايا والواقع الدي نحياه، قصد الرقي به في مختلف المجالات وحتى نحسن التعاطي معه وجدناه "يصب الزيت على النار". إن تأثر الناس بالإعلام المسموع والمرئي والمقروء أسرع نفاذاً، وأكثر تأثيراً في العلاقات. لهذا فإنه على العاملين في هذا المجال الحيوي بكل فئاتهم، ومختلف اتجاهاتهم أن يلبسوا زي الإطفائي، ويساهموا من جانبهم في إخماد النيران المشتعلة والعمل على حلحلة الوضع.

 

كما يجب على المهاجر ألا ينساق وراء اتجاهات بعض الحاقدين والمتربصين، سواء كانوا في داخل البلاد أو خارجها، والذين يعملون على تضخيم الاحداث والوقائع وتحميلها أكثر مما لا تطيق، لكن ما أخشاه  هو أن يدهسنا قطار التخلف الدي تركنها وراء ظهورنا في بلداننا، وأن يلحق بنا من جديد في هذه الديار، لكن هذه المرة دون أن يلوح لنا بصيص أمل في الأجيال القادمة؛ حينها تكون الطامة الكبرى.

 

- عبد الله جبار، باحث في قضايا الهجرة