الخميس 24 سبتمبر 2020
فن وثقافة

نجمي في "مدارات" التهاني: الحداثة ليست عقيدة، الحداثة أفق، وخيار فكري وأخلاقي (3/3)

نجمي في "مدارات" التهاني: الحداثة ليست عقيدة، الحداثة أفق، وخيار فكري وأخلاقي (3/3) الشاعر حسن نجمي (يمينا) والزميل عبد الإله التهاني

كانت أولى الحلقات التي دشن بها الزميل عبد الإله التهاني برنامج "مدارات" المتخصص في حوار الثقافة والمجتمع، قد استضاف فيها الكاتب والشاعر والإعلامي حسن نجمي الذي نحت مساره الثقافي والإعلامي والجامعي على نحو رصين وجاد ومنتظم العطاء والإسهام، حيث ظل يزاوج بين الكتابة الأدبية والممارسة الصحفية اليومية والبحث الجامعي"، وقد تمت إعادة بث هذه الحلقة مساء يوم الأحد 2 غشت 2020 على أمواج الإذاعة الوطنية.

"أنفاس بريس" تابعت مع المستمعين(ات) حلقة "مدارات"، وتنشر مضمونها عبر ثلاث حلقات متتابعة تعميما للفائدة.

 

سؤال أزمة القراءة في المغرب

عن سؤال أزمة القراءة يوضح الشاعر حسن نجمي أنها "تكاد تكون اليوم كونية، باستثناء بعض المناطق في العالم التي مازال فيها الكتاب منتعشا ومنتشرا وأكثر تداولا. ربما العديد من الأقطار اليوم والقارات تعاني من نفس السؤال ونفس المعضلة. لكن هناك بلدان أفضل من بلدان، وقارات أفضل من أخرى في العلاقة مع القراءة وتداول الكتاب". مشددا في حديثه في "مدارات" التهاني على أن "المغرب بالفعل يعاني من أزمة القراءة" رغم أنه "كان من البلدان التي تستهلك الكتاب بقوة. وأظن أن هذا التراجع لا يعني أن المغرب لم يعد يقرأ لكي نكون صادقين".

وأكد الكاتب حسن نجمي على أن "هناك مشكلة تهم النسق التربوي والتعليمي. المؤسسة التعليمية لم تتحمل مسؤولياتها في دعم عادات القراءة. مشكل ثمن القراءة أيضا يجب أخذه بعين الاعتبار... صحيح أن الذي لا يستطع أن يقتني الكتاب الجديد يمكن أن يقرأ الكتاب المستعمل، ويمكنه أن يتردد على المكتبة الوطنية والمكتبات البلدية، إذا أراد أن يقرأ بالفعل، لكن لا يمكن للعطار أن يصلح ما أفسده الدهر، وبالتالي الذي لا يمتلك عادات القراءة، ولم يعلمه أبوه وأمه وأهله ومدرسته ومعلموه، كيف يحب الكتاب، و يلامس الكتاب وهو طفل، فلا يمكن أن يحب الكتاب وقد كبر؟"

وبأسف تحدث نجمي عن الجامعة المغربية التي لم تعد تقرأ: "يؤسفني أن أقول، لا لكي أسيء للوضع الاعتباري للباحث والأستاذ الجامعي، ولكنها حقيقة. الجامعة تعيش أمر واقع نعاني منه، كيف يعقل أن حوالي 21 ألف أستاذ(ة) جامعي منذورون للبحث العلمي والجامعي لا يقرأون؟ شيء محزن". وبلغة الأرقام يضيف "عندنا حوالي 600 ألف من الموظفات والموظفين، وحوالي 300 ألف من نساء ورجال التعليم، وحوالي 7 مليون تلميذ وطالب(ة) في الحقل الدراسي والتعليمي والتكويني.. ومع ذلك لا يستطع كاتب مغربي أن يروج أكثر من 2000 نسخة، بل لن يطبع في أحسن الأحوال 2000 نسخة من كتابه.. هذا شيء مقلق". وعن الحلول الممكنة لهذه المعضلة قال "أظن أن الحلول الأساسية لكثير من المعضلات في بلادنا ينبغي أن نعثر على حلول لها في المدرسة المغربية وفي سؤال التربية والتعليم والتكوين".

 

في مسألة الترجمة

في هذا السياق أشار ضيف مدارات إلى أنه "ربما بدأ الأمر بنوع من الفضول، وتحول إلى نوع من التمرين عن اللغة. لكي تتقن اللغة أكثر، ولكي تتمكن أيضا من الاطلاع على المرجعيات الشعرية والأدبية في اللغات الأخرى"، لذلك أوضح الشاعر حسن نجمي بأنه "يقرأ الأدب الياباني، والأدب الأمريكي اللاتيني والأدب الألماني، من خلال اللغة الفرنسية، وبعض الترجمات الجيدة في اللغة العربية في الأدب الإسباني"، ويستشهد بقراءاته المتعددة لترجمات "المرحوم صالح علمني، والشاعر المهدي أخريف، والشاعر خالد الريسوني... وسمير جريس وأحمد فاروق وأسماء أخرى من هذا القبيل".

وعن مسألة الترجمة قال "حينما أترجم، أترجم لنفسي أولا، بمعنى أتحرى الكلمات وأشتغل على معجم معين ونوع من المقارنات بين الجمل، وبين الصياغات وبين المتخيل الذي أنقل منه إلى المتخيل العربي. هذا فيه نوع من دعم الكتابة الأدبية والشعرية التي أمارسها، ولكن في النهاية أقتسم هذا التلذذ مع القراء عندما أتمكن من نشره"، ويستشهد في هذا السياق بالعديد من الأعمال التي ترجمها ونشرها في الصحف و المجلات المغربية والعربية .

واعتبر ضيف "مدارات" أن "الترجمة هي سلوك شعري وامتداد لكتاباتي الشعرية وإنضاج لوعيي الجمالي، ولكن في النهاية الترجمة بالمعنى العام هي ممارسة حضارية لأنواع من المثاقفات بين اللغات، وهي أنواع من التخاطب بين أنواع من الكتابة والتجارب الشعرية والأدبية. الترجمة هي نوع من الحوار بين المتخيلات إذا صح التعبير الموجودة هنا وهناك، والأدب المغربي في حاجة إلى هذا التخاطب، في حاجة إلى هذا الحوار مع اللغات الأخرى ومع الكتابات الأخرى ومع القارات الإبداعية والجمالية الأخرى".

 

سؤال التحول من الشعر إلى الرواية

"الذي تدركه حرفة الأدب ينبغي أن يمارس الأدب من داخل كيمياء الكتابة، لا أن يأتي بحاجة مجتمعية سياسية أو إيديولوجية لكي يوظف الأدب لفائدتها"، يؤكد نجمي، على اعتبار أن الأمر بالنسبة إليه يتعلق بممارسة أدبية؛ ويجدد موقفه قائلا "ينبغي أن ننجز العمل الأدبي بروح الكتابة الأدبية وبأخلاقها ومستلزماتها. عندما تكتب الشعر فأنت لا تختار أن تكتب قصيدة، لأن الفكرة تختار شكلها. وأحيانا تكون لك فكرة لا يمكن أن تكتبها كقصيدة، ولا يمكن أن تكتب كمقالة أو قصة قصيرة.. وبالتالي مع سيرورة العمل مع تراكم التجربة والخبرة لدى الكاتب يصبح الأمر واضحا في ذهنه، يعرف أن هذه الفكرة لا يمكن إلا أن تكون قصة قصيرة أو لا يمكن أن تكون تلك الفكرة إلا رواية".

وعن جنس الرواية قال: "جئت إلى الرواية وإلى الكتابة السردية ليس بالدافع الذي أصبح سائدا هذه الأيام.. بدافع الجوائز والبحث عن تثمينات خارجية. أنا أكتب بروح الكتابة وبأخلاقيات الكتابة بالأساس، لا يهمني الداعي أو الجوائز الخارجية، ولكن إن أتت مرحبا، عندما يعترف بك الآخرون وعندما يثمنون ما تقوم به، ولكن ينبغي أن نكتب للكتابة بحرص على نوعيتها وجودتها وقيمتها ورسالتها".

 

مفهوم الحداثة، ودكتوراه الموسيقى التقليدية والغناء الشفوي

عن سؤال الزميل عبد الإله التهاني أوضح الشاعر حسن نجمي بأن "الأمر لا يتعلق بمفارقة بين انتمائي للأفق الحداثي واختياراتي الجمالية (تبدو للبعض)". واستحضر في هذا السياق واقعة نشره لصورة بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، مع الراحل عبد الرحمن اليوسفي وهو يقبل رأسه، حيث "ثمن الأصدقاء والصديقات وأشادوا بمسار الرجل ووضعه الاعتباري والرمزي في الساحة الوطنية..."، وحكى الواقعة موضحا أن أحد أصدقائه كتب تعليقا تحت الصورة يتساءل من خلاله بالقول" كيف أنك حداثي وتنتسب لمعسكر الحداثة وتدعم نوع من الممارسة التقليدية (أي أن تقبل الرأس)؟"

الأمر لا يتعلق بمفارقة حسب الشاعر نجمي "لأن العمل على تعبير موسيقي تقليدي شفوي في المغرب، لا يتعارض مع خيار التحديث. أولا عندما اشتغلت في أطروحة الدكتوراه على الشعر الشفوي في المغرب ذهبت إليه مسلحا بمناهج حداثية جديدة. ثانيا أنا من خريجي كلية الآداب وخريج الأدب المعاصر"، ويوضح أكثر بالقول: "وحدة الدكتوراه التي اشتغلت عليها هي النص العربي القديم والمناهج الحديثة، كيف نشتغل بمناهج حديثة على نصوص قديمة؟ وليس في هذا أي تناقض. على العكس، الغناء الشعبي أو الغناء الشفوي والغناء التقليدي في المغرب مثل العيطة، والملحون، وموسيقى الآلة، والموسيقات الأمازيغية، والصحراوية والغناء العبري اليهودي في المغرب.. هذا إنتاج شعب عبر امتداد زمني وتاريخي معين...أنتجه الفلاحون والمزارعون والعمال والحرفيون في المدن العتيقة.. وهذه الإنتاجات و التعبيرات الشفوية تعبر عن شكل من أشكال الوجود الإنساني البشري على أرض معينة وفضاء معين وفي أزمنة مختلفة، وبالتالي كيف نقرأ هذه الإنتاجات؟ إن لم نقرأها بما نمتلكه من أسلحة منهجية ونظرية حديثة ومعاصرة؟

وردا على نفس السؤال يستطرد الباحث حسن نجمي قائلا: "نحن نذهب لهذه المتون لنفككها، لنقرأها، لنتأملها، ولنستخلص منها الخلاصات، ولنعيد تقديمها من جديد للقراء وللناس، ولذلك نحن في العمق وعندما نوظف حداثتنا فإننا نعيد تملك تاريخنا، ونتملك تراثنا الجماعي، ونعيد تملك ذاكرتنا الجمعية، بهذا المعنى يمكن أن نقول بأن الحداثة تخدمنا، لا ينبغي أن نصبح رهائن وسجناء لخيارات فكرية وحداثية ونصبح مجرد آليات، ومجرد ماكينات تحركنا بعض النظريات وبعض الخيارات الفكرية، لا."

وشدد في سياق حديثه عن ممارسة الحرية الفكرية على أن "الفكر موجود لكي يخدمنا، النظريات حلقت لكي تخدم الإنسان لا لكي ترهنه وتسجنه، ولذلك الحداثة ليست في النهاية سجن بل هي ممارسة للحرية الفكرية والمجتمعية".

واستعاد تعليق صديقه على صورة تقبيل رأس الراحل الأستاذ سي عبد الرحمن اليوسفي ليقول له "طيب دلني رجاء على مشروعك الحداثي، أرجوك دلني أين انتصرت؟ أين نجحت في أي مشروع حداثي لكي تزعم أنني أخفقت؟"، وخلص إلى القول بأنه "لا ينبغي أن نعطي الدروس للناس، الحداثة ليست عقيدة، الحداثة هي أفق، هي خيار فكري وأخلاقي وثقافي وإنساني.. إن لم تكن الحداثة بهذا المعنى فهي مجرد سجن فكري لا يمكن أن يخدم لا الفرد ولا الجماعة".

 

(انتهى)