الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
سياسة

العسبي: عبد الرحمان اليوسفي المغاربي

العسبي: عبد الرحمان اليوسفي المغاربي صورة تركيبية للمرحوم سي عبد الرحمان اليوسفي رفقة المرحوم الرئيس الجزائري السابق أحمد بنبلة
كان سي عبد الرحمن اليوسفي رحمه لله، قد عبر لي مرة بشقته بالدار البيضاء (بحضور الأستاذ محمد الحلوي شافاه لله)، عن مرارة خيبة تثقل عليه وعلى جيله من الوطنيين، تتمثل في سؤال القلق من حال العلاقات المغربية الجزائرية. حيث تساءل قائلا في ما معناه: «كان جيلنا نحن منذ الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، قد واشج علاقات الأخوة بين شعوبنا المغاربية في المغرب والجزائر وتونس، وكانت الحقيقة المغاربية مجسدة فعليا في وحدة النضال من أجل الحرية والإستقلال. بل، صار الصوت المغاربي كلمة واحدة مسموعة، من القاهرة حتى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك، مرورا بباريس ومدريد ولندن وبرلين وموسكو وغيرها من كبريات عواصم العالم. وصرنا بقوة وحدتنا النضالية التحررية تلك، موئلا لكل أحرار إفريقيا، يضرب بنا المثل كتكل تحرري وطني مغاربي. لكن اليوم، منذ خمسين سنة ونحن في نزاع وراء نزاع، حيث لم تفتح أجيالنا الجديدة عينها سوى على منطق التنازع والخلاف. أخشى أن الجريمة الكبرى التي ارتكبت في فضاءنا المغاربي، هي أنه تم خلق أجيال جديدة، أجيال الإستقلال، لا ترى إلى شقيقها المغاربي سوى من موقع الخلاف وليس موقع الأخوة. وهذا مؤلم جدا أمام أرواح شهدائنا في المغرب والجزائر وتونس».
نفس الفكرة، ستعود إلى حديثه، في لقاء آخر جمعني به ببيته، حين تمت استعادة بعض تفاصيل دور الدكتور الصيدلي التونسي حافظ إبراهيم بمدريد، لتجميع الكلمة المغاربية، خاصة بين قيادات جيش التحرير الجزائري وجيش التحرير والمقاومة المغربية. وكنت جالسا أتأمل التفاصيل تنتال منه رحمه الله، بالأسماء والتواريخ، وهو يتذكر ذلك الزمن المغاربي البهي، في دردشة مع رفيقه وصديقه الكبير سي محمد الذهبي، المناضل الوطني المغربي المقيم بباريس، الذي جاء من فرنسا لزيارته.
اليوسفي ببيت الدكتور ولعلو إلى جانب صديقه الكبير الأخضر الإبراهيمي وسفير الجزائر بالرباط ولحسن العسبي
 
ذات الخيبة، سيعبر عنها رفيقه الجزائري الكبير، الديبلوماسي الدولي، الأستاذ الأخضر الإبراهيمي، يوم أول حفل لتقديم مذكرات اليوسفي بمسرح محمد الخامس بالرباط، حين غالب دمعه، وهو يلتفت إلى صديقه، قائلا له: «للأسف، لقد فشلنا في تحقيق حلمنا المغاربي». حتى وإن كان ذات الزعيم الجزائري قد أكد لي في حوار معه نشر بيومية «الإتحاد الإشتراكي» في الأسبوع الأول من شهر نونبر 2015، بعد الحفل الكبير الذي نظمه اليوسفي لإحياء الذكرى 50 لاختطاف الشهيد المهدي بنبركة بالمكتبة الوطنية بالرباط. أقول، أكد لي أنه أمام التشظي الذي يجرف بلدان المشرق العربي، بكل ما يخلفه من مآسي إنسانية (تأسيسا على ما عاينه مباشرة بسورية حين عين مبعوثا أمميا هناك)، فإن الأمل في منطقتنا المغاربية، الأكثر استقرارا، كامن في أن تقدم الدرس لباقي العالمين العربي والإسلامي في إمكانية التحول السلمي الديمقراطي وأن تعلب دورا إيجابيا لصالح باقي الشعوب العربية، خاصة الشعب الفلسطيني.
إن البعد المغاربي مركزي في فكر سي عبد الرحمان اليوسفي رحمه لله، هو الذي كان فاعلا مؤثرا منذ نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، في نسج علاقات قوية مع كل جيل كبار قادة التحرير ببلدان الجزائر وتونس، من موقع مسؤوليته القيادية ضمن حركة المقاومة وجيش التحرير المغربيين. حيث شكل محور مدريد، تطوان، الناظور، باريس والقاهرة، مجالا لترجمة تنسيق جد فعال لصالح دعم حركات التحرير ببلداننا المغاربية الثلاث، تحرك عبره اليوسفي ميدانيا، ما جعل كلمته مسموعة ضمن نخبة قيادات حركات التحرير تلك، وجعلت منه حتى آخر أيامه رحمه لله، صوتا مسموعا ومؤثرا في كل فضائنا المغاربي، تأسيسا على قوة مصداقيته كزعيم وطني تقدمي وتحرري.
 
دوره في دعم الثورة الجزائرية بالسلاح
 
لقد لعب الرجل دورا محوريا في تنسيق العمل مع حركة المقاومة الجزائرية وجزء من نسيج العمل الوطني والنقابي التونسي، من خلال توطد علاقته بشكل قوي مع كل من القادة الجزائريين التاريخيين مثل أحمد بنبلة ومحمد بوضياف ومحمد خيضر ومحمد العربي بن مهيدي. حيث سيكون صلة وصل حاسمة في كل العمليات المتعلقة بنقل السلاح وتجميعه وتوزيعه بين جيش التحرير المغربي وجيش التحرير الجزائري، بدليل دوره المحوري في نقل السلاح عبر سفينة «دينا»، التي تعتبر عمليتها المعقدة، أكبر عملية نقل سلاح لفائدة جيش التحرير الجزائري والمغربي، بلغت 21 طنا من مختلف أنواع الأسلحة، ثلث تسلمه جيش التحرير المغربي وثلثان سلما لجيش التحرير الجزائري، وتم تنسيق العملية بين كل من أحمد بنبلة ومحمد بوضياف وبن المهيدي من الجانب الجزائري وبين كل من اليوسفي والغالي العراقي وسعيد بونعيلات من الجانب المغربي. وهي العملية التي نفذت بشاطئ «راس الما» قرب الناظور بشمال المغرب، وأشرف ميدانيا على إنزال السلاح ذاك المستقدم من مصر، هدية من الزعيم المصري جمال عبد الناصر، سعيد بونعيلات من المغرب وشاب جزائري كلفه أحمد بنبلة بمرافقة تلك الحمولة، كان طالبا بجامعة الأزهر بالقاهرة، إسمه محمد بوخروبة (هو ثان رئيس للجزائر المرحوم هواري بومدين).
مثلما أن من الأدلة على مكانته ضمن تلك الشبكة التحررية المغربية والمغاربية، الوازنة والهامة، دوره في اقتراح وتنفيذ إحياء يوم 20 غشت 1955، ببعد مغاربي، إحياء للذكرى الأولى لنفي الملك الوطني محمد الخامس، في اجتماع لقيادة المقاومة بمدريد، كما كان قد صرح لي رحمه لله ضمن شهادته القيمة حول شخصية الشهيد محمد الزرقطوني، التي نشرتها ضمن كتابي «الشهيد محمد الزرقطوني.. سيرة حياة». وهو المقترح الذي نفذ فعليا بالمغرب والجزائر، حيث تم تنظيم مظاهرات ضخمة يوم 20 غشت 1955 بكل من المغرب والجزائر، انتهت إلى ما سجلته أحداث مدينة سكيكدة الجزائرية من مجازر وكذا ما عاشه المغاربة من أحداث دموية في وادي زم وأبي الجعد وخريبكة (الذي هو فضاء عمالي بامتياز).
سيلعب اليوسفي أيضا دورا محوريا في تنسيق العمل بتطوان، ضمن قيادة جيش التحرير المغربي لدعم الثورة الجزائرية، بدليل أنه يوم عودة الملك الوطني محمد الخامس من المنفى في 16 نونبر 1955، كان هو بتطوان ينسق ويباشر أمور تحرك جيش التحرير بشمال المغرب دعما للتوجه التحرري الجديد الذي دشن سياسيا، ودعما للتفاوض المغربي من أجل الإستقلال الذي انطلق بباريس وتنسيقا لدعم قواعد الثورة الجزائرية بشرق المغرب قرب بركان ووجدة وتاوريرت. مثلما أنه سيتدخل من مدريد، قبل ذلك لمنع تنفيذ قصاص في ممثل تلك القيادة لجيش التحرير بتطوان، المرحوم أحمد زياد (كما حكى لي تفاصيل ذلك في لقاءات كثيرة معه) حيث أقنع العناصر الوطنية التي توجهت إلى العاصمة الإسبانية للحصول على الإذن بتنفيذ ذلك القصاص في ذلك الرجل الوطني، القلم الجيد الذي اشتهر بعد ذلك على أعمدة جريدة العلم، بدعم من الزعيم الجزائري أحمد بنبلة، أنه ليس من مصلحة جيش التحرير أن يتخد ذلك الإجراء ضد أحمد زياد. فتم الإتفاق على أن يأخده معه أحمد بنبلة إلى القاهرة وهناك ستتم محاسبته. وذلك ما كان، حيث بقي تحت مراقبة المصريين، حتى توجه اليوسفي بنفسه في بداية الإستقلال لإعادته من القاهرة إلى المغرب سالما.
قبل اختطاف الطائرة المغربية «شركة أطلس» الحاملة للقادة الجزائريين الخمسة فوق سماء الجزائر، خلال شهر أكتوبر 1956، وهم في طريقهم إلى تونس لحضور قمة مغاربية كان مفروض أن يحضرها الملك محمد الخامس والرئيس الحبيب بورقيبة، فإن اليوسفي، كان قد نصح بنبلة ورفاقه أن لا يتوجهوا مباشرة إلى تونس عبر سماء الجزائر، بل ألح عليهم بالتوجه من الرباط إلى مدريد ومنها صوب روما، ثم منها في رحلة أخرى إلى تونس. لم يمتثل بنبلة ورفاقه لنصيحة اليوسفي، الذي أصبح بعد ذلك الإختطاف محاميهم الرئيسي بفرنسا، حيث كان يسمح له بزيارتهم بشكل دوري في سجنهم هناك بالجنوب الفرنسي، مما مكنه من لعب دور تنسيقي حاسم ومؤثر بين تلك القيادة وباقي عناصر الثورة الجزائرية في الخارج، وهنا يكمن سر قوة نفاذ علاقاته بكل نسيج القيادة الجزائرية وعلى كافة المستويات حتى وفاته رحمه الله.
 
يوم تقرر اختطاف بنبلة ورفاقه من سجن فرنسي
 
لقد حدث مرة، أن قررت المخابرات المصرية تنفيذ عملية اختطاف أولئك القادة الجزائريين، كما حكى لي رحمه الله يوم وفاة رفيقه الجزائري أحمد بنبلة سنة 2012، من داخل سجنهم بالجنوب الفرنسي، وحين بلغ إلى علم قادة المقاومة المغربية ذلك الأمر، قرروا ربط الإتصال بالقاهرة وأقنعوهم أن الأمر لا يمكن أن يتم إلا عبر الحركة الوطنية المغربية، فتكفل اليوسفي شخصيا بالعملية. كان القرار الأول هو الحصول بداية على موافقة المعنيين بالأمر، أي القادة الجزائريين المعتقلين. فكان أن توجه اليوسفي إلى فرنسا وزارهم في السجن ونقل الفكرة إليهم، فرفضوها مطلقا، وبذلك وضعت نقطة النهاية للعملية كلها. بل كانت نتيجة تلك الزيارات التي قام بها، وهو محام عنهم، أن طردته السلطات الفرنسية من فرنسا، بعد أن اعتقلته في القطار على الحدود بين فرنسا وإسبانيا سنة 1958 لثلاثة أيام حققت معه فيها مطولا. مستندة في قرارها ذاك، على قرار طرد سابق، لم ينفذ، يعود إلى سنة 1951 وهو لا يزال طالبا بباريس، بعد دوره ضمن جمعية الطلبة المغاربة والمغاربيين بمناسبة زيارة محمد الخامس لمدينة بوردو سنة 1950. كان القرار حينها بدل طرده من كامل التراب الفرنسي، الإكتفاء فقط بطرده من باريس وعدم السماح له بإكمال دراسته بكلياتها وانتقل، بالتالي، إلى مدينة بواتيي حيث أكمل بجامعتها دراسة الحقوق. فاستندت السلطات الفرنسية على قرار الطرد القديم ذاك وطردته إلى إسبانيا، بغاية قطع صلته القوية مع قادة المقاومة الجزائرية المعتقلين عندها. علما أن اللحظة تلك صادفت في باريس أزمة ماي 1958 السياسية وعودة الجنرال دوغول إلى الحكم.
سنوات بعد ذلك، بعد الإنقلاب على بنبلة من قبل هواري بومدين، سيعمل اليوسفي على الدفع نحو تخصيص عدد من مجلة «جون أفريك» لحدث الإنقلاب والمطالبة بإطلاق سراح رفيقه في المقاومة والنضال المغاربي أحمد بنبلة، ونقل ذلك العدد من المجلة، عبر آلية خاصة، بأعداد كبيرة جدا إلى داخل الجزائر، عبر مدينة وجدة المغربية. وأن نفاذ الدفعة الأولى بسرعة قد جعل رفاقه الجزائريين يطلبون دفعة جديدة حملت إليهم بذات الطريقة.
سنجد سي عبد الرحمن اليوسفي، حاضرا بقوة في لحظة عودتهم إلى بلادهم الجزائر، بعد إطلاق سراحهم، عبر التراب المغربي، وتمة صورة شهيرة تجمعه بهم في الرباط، التي تعتبر ثاني صورة تجمعه بهم بعد صورة أخرى سابقة، أثناء استقبال المغفور له محمد الخامس لهم بقصره بالرباط. بل إنه هو من سيكلف الصحفي المغربي محمد باهي لمرافقة أحمد بنبلة والقيادة الجزائرية في رحلة عودتهم المظفرة إلى الجزائر المحررة، عبر وجدة، وأن يرسل من هناك تغطيات تفصيلية عن ذلك النصر الجزائري معززة بصور التقطها المصور الفوتوغرافي المغربي الشهير محمد مرادجي (الذي أكد في مناسبة عمومية بالرباط أنه توجه إلى وجدة والجزائر بتكليف من سي عبد الرحمن رفقة المرحوم محمد باهي).وهي التغطيات الصحفية التي نشرت بجريدة «التحرير» التي كان اليوسفي يتحمل مسؤولية رئاسة تحريرها، فيما مديرها العام هو رفيقه محمد الفقيه البصري.
سفره إلى الجزائر لوداع بنبلة وآيت أحمد الوداع الأخير
 
كنت في مراكش، يوم 11 أبريل 2012، حين اتصل بي سي عبد الرحمن اليوسفي باكرا، ليخبرني بوفاة الزعيم الجزائري أحمد بنبلة، ويقدم لي عناصر تصريح خاص بالمناسبة تم نشره بيومية «الإتحاد الإشتراكي»، فيه تفاصيل عن شخصية الزعيم الجزائري الكبير ذاك. ومن خلال اتصالين هاتفيين معه رحمه لله، في ذات اليوم، كان جد قلق من عدم تمكنه من الحصول على بطاقة رحلة بالطائرة بسرعة، بسبب عدم وجود مقعد رحلة فارغ في كل الخطوط الجوية سواء مباشرة من الدار البيضاء إلى الجزائر العاصمة، أو حتى عبر مطارات إسبانيا وفرنسا. كانت تحرقه كبيرا كي يكون حاضرا بسرعة في الجزائر العاصمة حتى يكون من ضمن الحاضرين جنازة رفيقه المغاربي الكبير، وكانت في صوته نبرة حزن كبيرة وقلق، قبل أن يصلني عبره رحمه لله، أن السلطات العليا بالمغرب تدخلت وقررت أن يسافر مع الوفد الرسمي المغربي إلى الجزائر، إلى جانب الأستاذ محمد بنسعيد آيت يدر، وكم كان رحمه لله فرحا ومغتبطا بذلك. فعلاقة اليوسفي وجدانيا بالجزائر وقادتها الوطنيين الكبار جد هائلة وكبيرة، خاصة أحمد بنبلة ومحمد بوضياف ومحمد خيضر والحسين آيت أحمد (الذي أصر أيضا على حضور جنازته في رحلة طائرة من فرنسا، تعاملت خلالها معه سلطات مطار الهواري بومدين باستفزاز تطلب تقديم اعتذار له، حين اكتشف أن تلك السلطات تلاعبت بتفتيش محتوى حقيبة سفره). في تفصيل آخر، سيكلفني رحمه لله، ذات يوم أن أجري لقاء صحفيا مطولا مع إبن المقاوم الوطني الجزائري الكبير محمد خيضر، الذي اغتاله جهاز مخابرات الرئيس الجزائري هواري بومدين بالعاصمة الإسبانية مدريد في يوم 4 يناير 1967، وكم كان مغتبطا بتفاصيل ذلك الحوار، الذي اعتبره بعضا من الوفاء لذكرى واحد من رفاقه المغاربيين الكبار.
أكثر من ذلك، فإن آخر ظهور عمومي لليوسفي سيكون أثناء تنظيم المكتب السياسي لحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية للقاء شعبي بمسرح محمد السادس بمدينة وجدة في أوائل شهر دجنبر 2018، عقب الخطاب الملكي للعاهل المغربي محمد السادس في عيد المسيرة يوم 6 نونبر 2018، الذي وجه فيه جلالته نداء إلى الدولة الجزائرية لطي صفحة كل الخلافات المغربية الجزائرية، بشكل مباشر ودون حاجة لأية وساطات بينهما وبروح النضال الوطني المشترك بين الشعبين المغربي والجزائري، وبدون أية شروط مسبقة. حيث سيسافر اليوسفي رحمه الله، رغم ظروفه الصحية الصعبة ليوجه كلمة من وجدة إلى الجزائر، دعما لمنطوق الخطاب الملكي، وهي الكلمة التي التقيته ببيته بالدار البيضاء رحمه الله، وقدم أمامي تصوره حولها، حيث شرفني (مثلما ظل يفعل في مناسبات عدة خلال العشر سنوات الأخيرة من حياته) بصياغتها وتحريرها، وحين عرضتها عليه في اليوم الموالي، لم يغير منها حرفا واحدا، علما أن تتبع الأمر كله، قد تم بالتنسيق مع الأخ مبارك بودرقة، الذي رافقه إلى وجدة، وكان مفروضا أي يلقي الكلمة تلك في حال عدم سماح الظروف الصحية للسي عبد الرحمان بإلقائها. لكنه هناك، وأمام ذلك الحشد الجماهيري الهائل الذي ضاقت به جنبات مسرح محمد السادس بوجدة، أصر رحمه لله على إلقائها بنفسه، وبحماسة.
هكذا، فإن آخر خطاب عمومي لليوسفي، وآخر ظهور عمومي له، كان من أجل المغرب العربي، ومن أجل تجسير العلاقات المغربية الجزائرية انتصارا للمستقبل ووفاء لروح شهداء التحرير بالبلدين. رسالة على أن أمله في فضاء مغاربي كتكل جهوي قد ظل حاضرا في وجدانه حتى الرمق الأخير. وهو النداء الذي بلغني أن الديبلوماسي ورجل الدولة الجزائري الأستاذ الأخضر الإبراهيمي سعد به كثيرا وتفاعل معه عاليا، هو الذي كان قد دخل في تنسيق منذ شهور مع سي عبد الرحمن اليوسفي من أجل مبادرة مشتركة بينهما من أجل الشعب الفلسطيني ومن أجل دعم مؤسسة «الأونروا» للاجئين الفلسطينيين، ربما تتاح فرصة أخرى لتفصيل القول فيها.
 
وصية الفقيد اليوسفي من وجدة
 
هنا نداء اليوسفي إلى الجزائر، من وجدة، كوثيقة للذكرى والتاريخ، أمانة متروكة للأجيال الجديدة، الذي كان آخر خطاب عمومي له في حياته رحمه لله:
«عِمْتُمِ مَسَاءً أيها الإخوة والأخوات..
اليوسفي حاضر في استقبال المغفور له محمد الخامس لقادة الثورة الجزائرية بالرباط
 
هَا نَحْنُ نَلْتَقي مُجَدَدًا، في دَرْبِ نِضَالِنَا الوطني والمغاربي، مِنْ أجْلِ الدفاع عن حَق شُعُوبِنَا في التَكامُل والتعاوُن والأمن المُشترك. ونَلْتَقِي أَسَاسًا في مدينة وجدة، قَلْعَةُ النضال الوطني الْمُشْتَرَك لِحَرَكَاتِ التَحْرِيرِ في المغرب والجزائر، وقَلْعَةُ النِضَالِ التَحَرُرِي فِي إفريقيا.
لَقَدْ تَلَقَيْتُ بِغِبطةٍ عاليةٍ وبارتياحْ كبيرْ ما جاء في خطابِ جلالة الملك بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء، الخاص بدعوة جلالتهِ إلى خَلْقِ كل الشروط الإيجابية لتحقيقِ مُصالَحَةٍ تاريخيةٍ مع أشقائنا الجزائريين، واقتراحِهِ تَكْوِينَ لجنةٍ مُشْتَرَكَةٍ لِخَلْقِ آلِيةٍ سِياسِيةٍ للحوار، بروحٍ بَناءَةٍ مُتوافَقٍ عليها بين قيادة البلدين. وأن تكُونَ كُل الملفات مَطْرُوحَةً للتدَاولِ بِدُونِ أية طَابُوهَاتْ، وأن بَلَدَيْنَا وَقَادَتَهَا لَيْسُوا في حَاجَةٍ لأية وِسَاطَةٍ كَيْ يَمْتَلِكُوا شجَاعَةَ ابْتِكَارِ حُلُولَ لِكُل المشاكل العالقة بينهما.
إنني أَعْتَبِرُ، انطلاقا من روح الخطاب، ومن شَكْلِهِ ومَبْنَاهْ، أنه مَوْقِفُ صِدْقٍ من جلالة الملك، لا مُزَايَدَةَ فيه، ولا غَايَةَ مِنْهُ غير أن يَنْظُرَ إلى مشاكلنا الْعَالِقَة وإيجادِ الحلولِ الناجعة لها، التي نحن جميعا مُلْزمون بِإبْدَاعِها، من مَوْقِعِ الأُخُوَةِ والتاريخ المشترك، بذات الروح التي مَيزَتْ الْتِزَامَ بلادنا وجيلِ الوطنيةِ والفداء، سَوَاءٌ في دُوَلِنَا أو مُجتمعَاتِنا.
وَكَمْ سَعِدْتُ بِإحَالَةِ جَلالَتِهِ على مؤتمر طنجة لأحزابنا المغاربية من الحركات الوطنية ببلداننا الثلاث تونس والجزائر والمغرب، الذي عُقِدَ في أبريل من سنة 1958. فالرسالةُ هنا بليغَةٌ ودَالةٌ. وكان مَأمُولاً أن يُشَكلَ لقاءُ مراكش التأسيسي لاتحاد المغرب العربي، بِدُوَلِهِ الخمس، بُشْرَى تُحَقِقُ لِشُعوبِنا ذلك، لكن طَالَتْهُ أسبابُ عطبٍ كثيرةٍ لِلأسَف، مَفْرُوضٌ أن نَسْتَخْلِصَ منها الدروسَ الْوَاجِبَةَ جميعنا.
إن مُقْتَرَحَ ومُبادَرَة مَلِكِ المغرب، جَلالةُ الملكِ محمد السادس، أعْتَبِرُهَا باباً لِتَحْقيقِ انْتصارِنَا الجماعي كمغاربة وجزائريين، على ذَاتِ المُستوَى مِنَ الْقِيمَةِ والمسؤولية، على كُل الْمُعِيقَاتِ التي تُعَطِلُ حَقَ شُعُوبِنا في النماء والتكامل والتعاون، وحَقَهَا في أن تَكُونَ فضاءً لِلأمْنِ وَالْإبْتِكَارِ والمُساهَمَةِ الإيجابيةِ بِشَكْلٍ مُشْتَرَكٍ ضمن أُفُقٍ للِتجَاوُزِ بقارتنا الإفريقية وبِكامِلِ غَرْبِ عالمنا العربي.
إنني أتمنى أن تَكُونَ هذه الْمُبَادَرَةُ، جَوَابًا على الْقَلَقِ الذي يَسْكُنُ نُخَبَ بَلَدَيْنَا مِنْ مُسْتَقْبَلِ المنطقة المجهول. ولا تَزَالُ تَرِنٌ في أُذُنِي كَلِماتُ أخي الأخضر الإبراهيمي، الْقَلِقَةُ، التي قالها بالرباط، كَيْفَ أنَهُ يَئِسْنَا كَجِيلٍ بَعْدَ فَشَلِنَا في تَحْقِيقِ حُلْمِ الْمَغْرِبِ الكبير، وأتَمَنى أنَ جِيلَ الْقَادَةِ الْجُدُدْ في بَلَدَيْنَا سَيُنْجِزُونَ الْمُهِمَةَ تِلْكْ بِإِصْرَارٍ وَيَقِينٍ وَصَبْرْ».