الاثنين 10 أغسطس 2020
كتاب الرأي

محمد حمزة: الأصولية واللاعقلانية والإعجاز العلمي

محمد حمزة: الأصولية واللاعقلانية والإعجاز العلمي محمد حمزة

يعرف الكفاح الدفاعي بأنه رفض قاطع لكل تطور، وهو مظهر من مظاهر القصور الذاتي بكل ما تضفيه الميكانيكا على هذه العبارة من معنى: العجز عن تعديل حالة ما، ومقاومة التغيير، وهو يتخذ عموما انكفاء على "القيم التقليدية"، واستقطاب الناس وفق هذا المبدأ أي التشبث بالماضي وقيمه. والقضية المسلمة بسيطة: ما كان فهو خير وينبغي أن يبقى.

 

يقول البيولوجي الفرنسي "جان ماري بيلت" بأن لكل تنظيم اجتماعي أصوليوه، ومن أروع الأمثلة على ذلك التظاهرات الصاخبة للأصوليين داخل الكنيسة الكاثوليكية. فالموقف الذي يتخذونه يدل على لبس، إذ إن استشهادهم بالسماء على عدالة قضيتهم، يفترض استئثارا بالله بعيدا كل البعد عن المسيحية، والله بحكم تعريفه لا ينتمي إلى أحد. والواقع إنهم إذ يدافعون؛ إنما يدافعون عن أنفسهم وعن الأمن الراسخ في اشتراطات التعليم الذي تلقوه في طفولتهم، عن مفهومهم للعالم، وعن قيمهم الذاتية، لا عن مجد الله وكرمه. فالله ليس بحاجة إلى البشر لكي يدافعوا عن مجده.

 

والأصولية هي عالم ما قبل "داروين" أي الرفض القاطع لمفهوم التطور ذاته، يضيف عالم البيولوجيا الفرنسي؛ فالتعليم الملقن المبني على دوام العقائد، وفكرة العصمة عن الخطأ، ومفاهيم السكون الموروثة عن الحركات الدينية أعطت للأصولية ظروفا مخففة من شعب طيب.

 

قام عِلْمُ القرن 17 و18 بعمل جبار في مناهضة مقولة "الكل لغز"، كمسلمة لعلوم ما قبل الحداثة؛ والآن نعرف الثورة التي خلقها التصدي لهذه المقولة. فتشتيت اللغز في الحياة العادية يحرض على الكسل الثقافي، والاعتقاد باللغز ينشر الثقة العمياء في الشعوذة والدجل، مما ينجم عنه فكر التعصب بنتائجه الكارثية.

 

فإذا كانت الفلسفة معركة ضد الجهل، فإنها لا يمكن أن تتناسى العلم، فبعد الثورة الكوبرنيكية التي اقتلعت الأرض، وما عليها من بشر من مركز العالم، والثورة الداروينية التي انتزعت النوع البشري من حلم الخلود الذي كان يعيشه. بدت الأنواع شأنها شأن الأفراد كائنات عابرة في مجرى التاريخ، فهي أيضا تولد وتحيا وتموت. وهكذا انهارت خرافة الطبيعة الخالدة في الوقت نفسه، الذي انهارت فيه النظم الفلسفية التي كانت تشكل نظيرها الثقافي، ولاسيما المفهوم الأرسطي لعالم قائم على نظام مستقر لا يتبدل، وليس مؤدى هذا مطلقا أن الطبيعة غرقت في خضم من الفوضى، بل معناه أن نظاما جديدا فرض نفسه على العقل، نظام ينهض على توازنات في حركة ذائبة توضع موضع التساؤل باستمرار، وتجدها على الدوام آليات تنظيمية.

 

فمع اكتشاف النسبية أصبحت الأجسام تتناقص، والتوائم تعيش أعمارا مختلفة، ومع الميكانيك الكمية انتهت أسطورة الحتمية، وأبدعت الفيزياء المخارج المحتملة. يقول المفكر ألبير جاكار إن العقلانية أداة ثمينة، ابتدعها الإنسان لتمكنه من تجاوز طرح الأسئلة التي لا يمكن أن نجد لها جوابا، لطرح الأسئلة التي يمكن أن نجد لها جوابا.

 

هذه الأجوبة ليست نهائية؛ بل تساعدنا على طرح جديد لأسئلة أخرى أكثر نضجا، فمقولة ماركس "الدين أفيون الشعوب"، يضيف ألبير جاكار ليست إلا معاينة منطقية ضد لا عقلانية الكنيسة، وتهريب كلام الله من طرفها، وهذا لا يعني الدين انتهى Dieu est mort.

 

في عالمنا الإسلامي، فبدل تجديد الفكر والتراث الإسلامي ليستوعب المكتسبات العلمية والمنهجية الحديثة، والولوج إلى عصر المعرفة الجديد؛ عصر التركيب (التعقيد) واللايقين والذي لا يؤمن إلى بيقين واحد؛ يقين النسبية وتجديد الجديد. أعدنا إنتاج الفكر اللاعقلاني، واتسع نطاق التفكير الغيبي أو فكر اللغز في بلادنا مع اكتساح فكر ما سمي بالإعجاز العلمي للفضاء العمومي، كعلم زائف يرسخ المعاش الخرافي، وما يستتبعه من ممارسات غير علمية. فالخرافة -بالعلم الزائف- تأتي الآن ومعها مؤيدون يربطون نصوصها بالعقل بأدلة واهية وبالدين حتى لا يتركوا مجالاً لأحد أن يشكك في دعواهم.

 

إن انتشار فكر "الإعجاز العلمي" يحرض على الكسل الثقافي، ويوهم الناس أنه بمقدورنا استخراج قوانين علمية من النص القرآني، بتحميل النص ما لا يطاق، وإعادة إنتاج عدمية معرفية هوياتية سُمِيَّت "أسلمة المعرفة"، بإرداف النعت الإسلامي بمجالات شتى من الحياة، لا يتبادر إلى العقل السليم إطلاق الصفة الإسلامية عليها. وبهذا نخلق الخرافة ونقحمها على العقل، ثم نجعل لها سنداً دينياً. فمع خرافة الإعجاز العلمي، كعلم الزائف نعيد إنتاج اللاعقلانية الأوربية للقرن 17 و18.

 

يحيل جزء من هذه الفلسفة اللاعقلانية على تراث الشك الإبستمولوجي الذي نشأ في أوربا في القرن 17 و18. وتمثله الكنيسة الكاثوليكية في القرن 19 في حركة فلسفية بالغة الزخم، يمثلها مثلا لامنييهودوبونال ومفكرون محافظون آخرون. أما الذي جلب هذه الحركة إلى بلاد العرب، فقد كان فرنسيس مراش في كتاب اشتهر كثيرا في أواخر القرن 19، تحت عنوان: "دليل الطبيعة على وجود الله والشريعة". وهو كتاب نَقَلَ عنه بشكل شبه حرفي الشيخ حسين الجسر في كتابه الرسالة الحميدية. (انظر تحقيق خالد زيادة، طرابلس/ لبنان، جروس برس والمكتبة الحديثة د.ت، الطبعة الأولى: بيروت 1888) الذي استقى منه محمد عبده وانتشرت نوقلاته في جل أو في كل مجالات الفكر العربي، عن طريق محمد حسين هيكل وغيره.(عزيز العظمة: دنيا الدين في حاضر العرب).

 

يُسْقِط فكر "الإعجاز العلمي" التدين على العلم، وذلك بتوفيق إرادي بين موضوع الدين وموضوع العلم. بربط الدين بالإيمان في مقابل التجريب الخاضع لبناء علمي ولأسس علمية. إن تجارة "الإعجاز العلمي" أصبحت تجارة رائجة في العالم كله، زادها نفط الخليج وفضائيات نفط الخليج رواجا. وأصبحت لهذه السلعة اللاعقلانية مؤتمرات ممولة بالريع النفطي، هذه العدوى انتقلت إلى المغرب؛ وكأن فكر الإعجاز العلمي هو الدواء الشافي لداء للشعوب الاسلامية وشعوب المنطقة العربية التي تعيش أسوء مراحلها التاريخية. فجميع التقارير الدولية تصنفها في المراتب الأخيرة، وخصوصا على مستوى التعليم والبحث العلمي. وهل يمكننا المساهمة في بناء الصرح العلمي الحديث والانخراط علميا في المتاح للبشرية جمعاء عبر تأصيل نظريات الغرب من خلال ربطها بآيات قرآنية وأحاديث نبوية؟ فالعيب ليس في عقد مؤتمرات مغلقة في ما سمي إعجازا علميا، وإنما في أن تعقد في مدارس للمهندسين وكليات العلوم بالمغرب!!!