السبت 24 يوليو 2021
كتاب الرأي

الشقوري سمير: كيف السبيل لرأب الصدع بين مؤسسات التعليم الخصوصي وأولياء التلاميذ؟

الشقوري سمير: كيف السبيل لرأب الصدع بين مؤسسات التعليم الخصوصي وأولياء التلاميذ؟ الشقوري سمير

قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال وتنويرا للرأي العام، دعوني في البداية أوضح الوضعية التي يوجد عليها قطاع التعليم المدرسي الخصوصي ببلادنا في علاقته أساسا بوزارة التربية الوطنية باعتبارها القطاع الحكومي الوصي على مؤسسات التعليم المدرسي الخصوصية في الشق الإداري والتربوي والمديرية العامة للضرائب باعتبارها الجهة التي يخول لها القانون مراقبة الجانب المالي والمحاسباتي للمؤسسات الخصوصية ومدى التزامها بتطبيق ما جاءت به مدونة التجارة والمدونة العامة للضرائب والقوانين المالية والجبائية ذات الصلة بالقطاع.

 

فوزارة التربية الوطنية مسؤولة عن مراقبة مؤسسات التربية والتعليم الخصوصية اداريا وتربويا من خلال القانون 00.06 والذي يلزمها بالتقيد كحد أدنى بالمقررات والبرامج والمناهج المعمول بها في مؤسسات التعليم العمومية، وأية إضافة لا بد أن تخضع لموافقة مسبقة من طرف الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين التي تتبع المؤسسات الخصوصية لنفوذها الترابي. كما يشترط القانون السالف ذكره على الأطر التربوية العاملة في القطاع الخاص معايير محددة من حيث نوعية الشواهد الدراسية المحصل عليها والكفاءة المهنية المطلوبة لممارسة مهنة التدريس.

 

ويبقى منوطا بجهاز التفتيش التربوي واللجن الادارية والتربوية التي تحدثها المديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين خلال كل موسم دراسي بالإضافة الى لجن المحلفين واللجن الإدارية والمالية التي يتم إحداثها على المستوى المركزي، مراقبة مدى احترام مؤسسات التعليم الخصوصية لبنود القانون 00.06. وأي تجاوزات يتم تحرير محاضر بشأنها ترفع إلى الجهات الوصية من أجل اتخاد الإجراءات المناسبة في شأنها.

 

وفيما يتعلق بالشق الضريبي، وعلى عكس ما تروج له بعض المنابر الالكترونية والورقية إما جهلا بالشيء أو إمعانا في تشويه صورة المدرسة الخصوصية لأسباب نجهلها كفاعلين في القطاع، فإن مؤسسات التعليم الخصوصية لا تخضع لأي مفاضلة ضريبية أو جبائية. فهي كمؤسسات مواطنة تؤدي جميع أنواع الضرائب التي يلزمها القانون بأدائها وبنفس النسب كباقي القطاعات الإنتاجية. في حين أن قطاعات أخرى كقطاع التصدير أو العقار مثلا يستفيدون من امتيازات ضريبية مهمة. ولا ينعتها أحد باللوبيات أو بمصاصي الدماء أو ما شابه من النعوت القدحية.

 

فمتى كان جلب العملة الصعبة على أهميته أو بناء الجدران على أهميته كذلك أفضل من بناء الطفل المغربي؟

 

أقول هذا الكلام ليس من باب الدفاع عن القطاع عن نسائه ورجاله والعاملين به من مختلف مواقعهم فلهم مني كل التحية والتقدير. بل أحاول فقط أن أضع القارئ الكريم في الصورة وله أن يحكم بعد ذلك بكل حرية.

 

وبالعودة إلى سؤال عنوان المقال اسمحوا أن أذكركم بأن مؤسسات التعليم الخصوصية لم تكن مخيرة بين التعليم الحضوري أو التعليم عن بعد ولم يكن أي أحد، سواء كان مسؤولا حكوميا أو مواطنا عاديا حتى الأكثر تشاؤما يتوقع حدوث الجائحة. فحينما أعلنت وزارة التربية الوطنية عن وقف الدراسة الحضورية وتعويضها بالدراسة عن بعد، بدأت أغلب المؤسسات الخصوصية عبر ريوع المملكة تتأقلم مع الوضع الجديد وتحاول قدر المستطاع وبإمكانياتها الذاتية اعطاء الدروس عن بعد لتلاميذها امتثالا للمذكرة الوزارية في شأن الاستمرارية البيداغوجية. وكما عبر عن ذلك السيد وزير التربية الوطنية، فإنه سيتم  خلال شهر شتنبر المقبل بحول الله دعم أبنائنا التلاميذ في جميع الدروس والمواد التي تلقوها خلال الحجر الصحي .

 

لكن ما لا يستطيع أي أحد منا إعادة بنائه فهي الثقة التي بنيناها مع الأسر المغربية لعقود من الزمن لو أضعناها لا قدر الله. فكل من جهته مؤسسات خصوصية وأسر مغربية وحكومة مطالب بأن يكون في مستوى اللحظة. وأشدد هنا على الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه الحكومة بكل مكوناتها خصوصا والنقاش يدور هذه الأيام حول قانون مالية معدل ليس فقط من أجل تقريب وجهات النظر بين المؤسسات الخصوصية وآباء وأولياء الأمور، بل يتعداه إلى اقتراح حلول عملية تضمن للأسر المغربية تعليما خصوصيا جيدا وميسر الولوج وللمؤسسات الخصوصية دخلا قارا يسمح لها بالاستمرار في أداء خدمتها العمومية بعيدا عن لغة الخشب التي صيغ بها القانون الإطار خصوصا ما تعلق منه بالتعليم المدرسي الخصوصي والذي لم يستشر فيه أهل القطاع.

 

فجوابا عن السؤال المحوري عنوان المقال: كيف السبيل إلى رأب الصدع بين مؤسسات التعليم المدرسي الخصوصية والأسر المغربية أقترح على الجمعيات الممثلة لمؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي الجادة، وعلى رأسها رابطة التعليم الخاص بالمغرب والجمعيات الممثلة لآباء وأولياء التلاميذ ذات التمثيلية الحقيقية أن يتقدموا إلى السيد رئيس الحكومة وبشكل مستعجل بمقترح مشترك يقدم حلا واقعيا معقولا ومستداما ينهي هذا الاحتقان ويحفظ ماء وجه الجميع، أسرا ومؤسسات خصوصية، حالا ومستقبلا. والحل الذي أقترحه يرتكز على مبدأ الخدمة العمومية.. فإذا كانت مؤسسات التعليم المدرسي الخصوصية تؤدي خدمة عمومية فلا بد من توفر شرطيين أساسيين: أولا المساواة في الولوج إلى الخدمة العمومية وهذا الشرط غير متوفر حاليا لأن خدمة التعليم الخصوصي مؤدى عنها كليا من طرف الأسر. وثانيا استمرارية أداء الخدمة العمومية في الزمان، وهذا الشرط غير متوفر كذلك لأن توقف الأسر  لسبب أو لآخر عن تسديد واجبات الدراسة وهو المورد الوحيد للمؤسسات الخصوصية يوقف هاته الخدمة و هو ما نعيش على و قعه هاته الأيام.

 

إذن الحل في نظري ينقسم إلى شقين :

الشق الأول من الحل مستعجل وآني، بحيث أقترح أن تقوم مؤسسات التعليم الخصوصية بإعفاء كافة الأسر من أداء واجب شهر يونيو في اطار واجب التضامن في هاته الظروف الاستثنائية. أما باقي الشهور فالآباء الذي حافظوا على وظائفهم وبقيت رواتبهم كما في السابق يؤدون من باب التضامن كذلك باقي الأشهر أي مارس وأبريل وماي. والآباء الذين فقدوا مورد رزقهم فالدولة ونضير إعفاء المؤسسات الخصوصية لهم من واجبات الدراسة للأشهر السالف ذكرها تعفي المؤسسات من أداء الضرائب على الأقل بالنسبة للشطرين الأخيرين الثالث والرابع من السنة المحاسباتة الحالية.

أما الشق الثاني من الحل فيتم التوافق بشأنه بين الجمعيات السالف ذكرها والحكومة على أن تصدر القوانين المؤطرة له قبل بداية الموسم الدراسي المقبل. ويرتكز هذا الحل في نظري المتواضع على تحمل الدولة جزءا من نفقات الدراسة في القطاع الخصوصي في إطار دفتر تحملات يتم التوافق حول بنوده بين جميع الأطراف. ويبقى الثمن المرجعي والذي سيحدد مساهمة كل طرف أي الدولة من جهة، والأسر من جهة أخرى، هو ما يكلف التلميذ الدولة في التعليم العمومي.. وهاته المعطيات متوفرة لدى مديرية الاستراتيجية والإحصاء بوزارة التربية الوطنية حسب كل سلك تعليمي فقط يجب تحيينها. فمثلا إذا حددنا  كلفة التلميذ بالسلك الابتدائي في التعليم الخصوصي في 700 درهم في الشهر  فالدولة ستؤدي عن كل تلميذ في هذا السلك للمؤسسة الخصوصية مبلغ 400 درهم و300 درهم المتبقية تؤديها الأسرة مساهمة منها في تحمل أعباء التعليم. ويتم اعفاء مؤسسات التعليم الخصوصية من مسك المحاسبة المالية بصيغتها الحالية وتؤدي بدل ذلك كل مؤسسة تعليمية نسبة مئوية من رقم معاملاتها؛ وبهذه الطريقة يصبح رقم معاملات المؤسسات الخصوصية معروف بدقة لدى إدارة الضرائب لأن الواجبات الشهرية محددة سلفا وعدد التلاميذ متوفر في منظومة مسار للتدبير المدرسي. ويتم الاستغناء عن واجب التسجيل على أساس أن تؤدي الدولة للمؤسسات التعليمية الخصوصية 400 درهم، كما في المثال أعلاه طيلة الموسم الدراسي بما فيه  شهري يوليوز وغشت وتعفى الأسر من أداء مساهمتها المحدد في 300 درهم خلال هذين الشهرين.

 

وبذلك نكون قد حققنا الشرطين السالف ذكرهما أي المساواة في الولوج إلى خدمة التعليم الخصوصي بنسبة كبيرة و استمرارية الخدمة العمومية لأن الدولة طرف في الأداء.

 

وقبل أن أنهي مقالي هذا، علينا جميعا كل من موقع مسؤوليته أن نعلم أنه إذا كان في كل مؤسسة تعليمية خصوصية فقط 100 تلميذ وتلميذة لم يعد أولياء أمورهم قادرين على الوفاء بالتزاماتهم المالية تجاه مؤسساتهم بسبب الظروف الاستثنائية التي نعيش جميعا على وقعها، وضرينا هذا العدد فقط في 4000 مؤسسة تعليمية خصوصية، فسنجد أنفسنا أمام أكثر من 400000 تلميذ وتلميذة سيغادرون خلال الموسم الدراسي القادم مقاعدهم الدراسية مضطرين، وهذا العدد المهول لا يجب النظر إليه كرقم مجرد بل هي علاقات انسانية نسجها كل واحد من هؤلاء التلاميذ مع أصدقائه وأساتذته، ربما لن يتمكن من رؤيتهم في الفصل الدراسي خلال العام المقبل . تضاف إلى معاناة هؤلاء التلاميذ النفسية لأكثر من 3 أشهر من الحجر الصحي و الوضعية المالية المتأزمة لأولياء أمورهم بالإضافة  إلى أن عطلتهم الصيفية ربما، وبحسب كثير من المتتبعين قد انتهت قبل أن تبدأ.

 

- الشقوري سمير، مدير تربوي وعضو برابطة التعليم الخاص بالمغرب