الثلاثاء 14 يوليو 2020
كتاب الرأي

نبيل تاخلويشت :جائحة كورونا والحاجة إلى الوساطة في مجال الصحة

نبيل تاخلويشت :جائحة كورونا والحاجة إلى الوساطة في مجال الصحة نبيل تاخلويشت
انقطاع الصحة يسمح للوساطة الاجتماعية بالتعبير عن إمكاناتها الكاملة في التواصل الأخلاقي وزرع القيم الإنسانية وحل النزاعات والخلافات والحد من تفاقمها،خصوصا في فترات الأزمة وانتشار الأمراض والأوبئة كما هو الحال اليوم في ظل تفشي جائحة كورونا عبر العالم.
أكيد أن المجتمع المدني في المغرب يضم العديد من الجمعيات التي تنشط في مجال الوساطة الاجتماعية، والتي تساهم بشكل كبير في زرع روح التضامن والتعاون والعمل التطوعي والمساعدة على القيام بوظائف المرافقة والرعاية، لكنه -في جزء كبير منه-يبقى غير مهيكل وغير مأسس.
تشمل الوساطة الاجتماعية أبعادا متعددة تخدم مصلحة الفرد والمجتمع، من خلال حفظ العلاقات وتقريب وجهات النظر وتوفير الجهد والمال في فض النزاعات دون اللجوء إلى المحاكم، باعتبارها مهارة اجتماعية تستعمل بديلا عن التقاضي تساعد الأطراف المتنازعة للتوصل إلى حل رضائي وتوافقي،وتهم ميادين مختلفة من بينها: الوساطة الأسرية،الوساطة المدرسية، الوساطة المهنية، الوساطة الإدارية، الوساطة التجارية...،في حين تضطلع الوساطة médiation Laفي ميدان الصحة بتحقيق التواصل والتنسيق بين مختلف الفاعلين والمتدخلين في المنظومة الصحيةسواء على المستوى الوطني أو الدولي، وتقريب الخدمات الصحية للمواطنين وشرح البروتوكولات الوقائية والعلاجية للحد من تفشي الأمراض المعدية.
من هذا المنطلق يساهم الوسطاء في استمرارية ضمان الحقوق في التغطية والرعاية وتعزيز قدرة المواطنين على ولوج المؤسسات والمراكز الاستشفائية، ويلعبون دورا محوريا أيضا في بناء جسور التواصل بين المواطنين والمهنيين العاملين بقطاع الصحة عن طريق الإجابة عن تساؤلاتهم واستفساراتهم وتوضيح المراحل التي يجب اتباعها من أجل الاستفادة الكاملة من الخدمات الصحية على صعيد التراب الوطني. هؤلاء الوسطاء يمكن أن يساعدوا الأطر الطبية في تقديم فحوصات وعلاجات ملائمة للمرضى في وقت وجيز من خلال إنجاح العملية التواصلية الناجعة، أخذا بعين الاعتبار التنوع الثقافي واللغوي والمجالي بالمغرب.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الوسطاء Les médiateurs يعملونضمن فريق متعدد التخصصات وهم على اتصال مستمر مع الفاعلين المحليين قصد جلب معطيات ميدانية حول الأوضاع الاجتماعية للمرضى،خصوصا الذين يعانون من أمراض مزمنة أو من ذوي الاحتياجات الخاصة في إطار تكييف الاستقبال وتجويد الخدمات.
وفي ظل تفشي جائحة كورونا بالمغرب نحن في حاجة ماسة إلى تفعيل أدوار هؤلاء الوسطاء في إطار مؤسسي على شكل منظمة للوساطة الصحية معترف بها من طرف الدولة، ويكون من بين مهامها الرئيسية التنسيق مع مختلف الهيئات المعنية العامة والخاصة، الوطنية والدولية، بغية تحقيق مبدأ الحق في التطبيب والرعاية الصحية والاستفادة من اللقاحات المجانية.
أيضا لمؤسسة الوساطة تنظيم حملات توعوية وتحسيسية والمساهمة في توحيد الجهود لمكافحة الأمراض والأوبئة والاستفادة من تجارب الدول الأجنبية في هذا المجال،وتفعيل مقاربة تشاركية للرفع من القدرات التواصلية للمنظومة الصحية بالمغرب، لاسيما أن منظمة الصحة العالمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة أبانت عن فشل ذريع في توقعاتها وكذا تدبيرها لجائحة كورونا من حيث التنسيق وتوحيد الجهود المبذولة من لدن دول العالم.في غياب تعاون وتضامن دولي يظهر لنا جليا زيف شعارات النظام الدولي خصوصا وأن كل دولة أغلقت حدودها وانطوت على نفسها وانشغلت بإقناع مواطنيها بالانخراط في احترام التدابير الاحترازية من أجل احتواء هذا الفيروس، بل هناك من الحكومات من امتنعت عن تصدير معدات طبية أو تقديم المساعدة لبعض الدول المجاورة، التي تتقاسم معها القيم نفسها وتربط بينها علاقات تجارية واقتصادية مميزة.
نتيجة لهذا الإخفاق وجد الأطباء والممرضون ومهنيو الرعاية والإسعاف الصحي أنفسهم أمام مخاطر الإصابة بفيروس كوفيد-19، وتحت ضغوطات نفسية واجتماعية جراء نقص المعدات واللوازم الطبية الكافية من ناحية،والبعد عن مقر العمل وعن الأبناء والأسرة من ناحية أخرى.هذه الاكراهات يمكن أن تخلق توترات من شأنها إعاقة التواصل والتجاوب الفعال بين مختلف الأطر والفاعلين في المنظومة الصحية.وهنا نستحضر ملف الطبيبة" أصياد مريم " شهيدة الواجب الوطني وأول حالة وفاة في صفوف الأطباء في المغرب بسبب جائحة كورونا،بعد إصابتها في مستشفى محمد الخامس بالدار البيضاء و اعتبرتها الوزارة الوصية في البداية إصابة خارج فضاء العمل، الشيء الذي دفع أسرة الشهيدة إلى التفكير في اللجوء إلى القضاء قبل أن تتدخل النقابة المستقلة لأطباء القطاع العام من أجل إقناع الوزارة بالتراجع عن قرارها والتجاوب مع الملف.
لهذا يبدو من الضروري التفكير في إنشاء مؤسسة للوساطة في مجال الصحة، تروم تطوير وتعزيز القدرات التدبيرية واللوجستية للنظام الصحي الوطني، من خلال توحيد الجهود الرامية لإرساء وبناء وعي جمعي لمكافحة تفشي الأمراض والأوبئة ببلادنا.
نبيل تاخلويشت، أستاذ باحث في علم اجتماع