الأربعاء 5 أغسطس 2020
خارج الحدود

كمال السعيدي: تظاهرات عابرة أم بداية ربيع أمريكي؟

كمال السعيدي: تظاهرات عابرة أم بداية ربيع أمريكي؟ كمال السعيدي مع جانب من قمع البوليس الأمريكي لصرخة السود والأقليات بأمريكا

إن الوفاة المأساوية لجورج فلويد، بسبب الطريقة العنيفة والعنصرية التي تعاملت بها معه الشرطة، ليست هي السبب الحقيقي وراء اندلاع الاحتجاجات في الولايات المتحدة الأمريكية.. هي ربما الشرارة التي أشعلت الفتيل، ولكن هل كانت النار لتشب ويستعر لهيبها لولا أن قابلية الاشتعال موجودة وشروطه المادية قد توفرت؟؟

 

تماما كما لا يمكن تفسير اندلاع الحرب العالمية الأولى بسببها المباشر، أي حادثة سراييفو التي راح ضحيتها وريث العرش النمساوي الأرشيدوق فرانز فرديناند.. ولا تفسير اندلاع ما سمي بثورات الربيع العربي فقط بحادثة وفاة البوعزيزي، ذلك الشاب الذي أضرم النار في جسده.. ونفس الشيء يمكن أن نقوله بخصوص الوفاة المأساوية للشاب محسن فكري بالحسيمة، وما تلاه من حراك شعبي بالريف...

 

في كل تلك الحالات هناك أسباب أخري عميقة كانت تختمر ببطء وتتراكم تدريجيا إلى أن وصلت مرحلة من التطور الكمي والنضج، أصبح معها التحول النوعي مسألة وقت وشرارة، أي فرصة ملائمة ليس إلا..

 

هذا التمدد والتنامي الدي تعرفه المظاهرات والاحتجاجات، لليوم السادس على التوالي، في عدد من الولايات الأمريكية، هو تعبير عن حالة من السخط والغضب اتسعت رقعتها بسبب العنصرية التي عانى ويعاني منها السود وباقي الأقليات والمهاجرون.. وهي كذلك تعبير عن رفض فئات واسعة منهم للإقصاء والتهميش ولتأزم أوضاعها الاجتماعية الناتجة عن لا عدالة نظام رأسمالي متوحش.. خاصة أن ملايين الأمريكيين يرزحون تحت خط الفقر وبدون حماية اجتماعية ويعانون من صعوبات في الولوج إلى الخدمات الصحية في بلد يفترض أنه الأقوى اقتصاديا في العالم.

 

وهو تعبير عن حالة من التيه واللايقين ساهمت جائحة كورونا في تأجيج الشعور به، خاصة مع تأكيد أن الأمريكيين من أصول إفريقية هم أكبر ضحاياها، ومن دفع الثمن الأغلى من أرواحهم وأرواح ذويهم، مقارنة بمواطنيهم البيض من أصول أوروبية، بسبب نوع من الفجوة الاجتماعية بين الفئتين وتجلياتها على المستويات الصحية والمهنية والتعليمية ونمط العيش المفروض على شرائح واسعة من المواطنين السود، بما فيه تكدس بعضهم في المنازل في شروط غير لائقة ..

 

وربما كان لوصول شخصية يمينية مثيرة للجدل إلى الحكم، مثل دونالد ترامب، وهو المعروف بمواقفه المتطرفة وغير المتشبع بقيم الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، دور في تنامي مشاعر السخط هذه، والتي عكستها درجة العنف التي تعرفها هذه الاحتجاجات، والتي تنذر (في حال عدم السيطرة عليها أو إيجاد حلول مناسبة لها، خاصة بعد تصريحاته الوقحة ضد المتظاهرين) بأن تتحول إلى حرب أهلية أو ما يشبه ذلك على الأقل ..

 

لقد نجحت هذه الموجة من الاحتجاجات في تعرية سوأة نظام اقتصادي، اجتماعي وقيمي، طالما قدم نفسه للعالم كنموذج للاقتداء.. نتمنى أن تنجح كذلك في تقديم نموذج تحرري للشعوب.. بعد أن يتحرر الشعب الأمريكي من زيف بعض الشعارات التي تتغنى بها إدارته ومن سطوة وسيطرة الطغمة الصناعية والعسكرية التي تخترق ديمقراطيته وتمارس من خلالها واعتمادا على تفوق هذا البلد عسكريا واقتصاديا، كل أنواع النهب والاستغلال والتدخل المهين والظالم في شؤون العديد من شعوب ودول العالم التواقة إلى الحرية والعدالة...

 

- كمال السعيدي، قيادي بالحزب الاشتراكي الموحد