الاثنين 28 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

عبد الغني السلماني : في الحاجة إلى التسامح ونبله  

عبد الغني السلماني : في الحاجة إلى التسامح ونبله   عبد الغني السلماني
إذا كان التكفير هو المدخل الرئيسي لاستباحة الدماء والأعراض والأموال. فالتسامح هو المخرج لكل الفتن التي تطل كل لحظة وحين من أجل ترتيب الأساسي خدمة للوطن والمواطنين .
في التكفير موت وإلغاء والمصيبة أن  كثير من الشباب هجر حتى مساجد الله  بدعوى أنها مساجد ضرار حدث هذا ويحدث في العديد من الأمصار بدعم شيوخ الفتنة الذين انتشروا هنا وهناك كالفطر، بدعم من جهات معلومة ومجهولة لكن التاريخ يتكفل بالباقي ، التكفيريون الجدد لا يتورعون  في تكفير المجتمع  قاطبة إلا ما كان من جماعتهم، قبل أن ينشق بعضهم عن بعض، ويكفر بعضهم بعضا. التكفير يستمر بألوان وأشكال  حتى يطال  كل مخالف لهم منهم من يتجدر في "الإيمان "حتى يُكفر والديه، لا نستهدف أحدا لكن واقع فهم وتفسير للمقدس  قاد شباب ضحايا إلى أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا... ومنهم من قتل ومنهم من اعتقل لماذا هذا التجني على هؤلاء ولماذا لم نوفر لهم  الملاذ والفضاء الذي يحصن التسامح عن طريق الرحمة والمحبة . 
في مفهوم التسامح : 
يقف مفهوم "التسامح" في مواجهة ضدية وعكسية في وجه مفهوم "التعصب أو التطرف والإلغاء ". فإذا كان المفهوم الأول يرتكز على قيّم الخير، في معانيه الجميلة الدالة على صفة "الصفح" ومحبة الخير للآخر المختلف .يقوم المفهوم الثاني، على معنى الشر، " حامل لدلالات الانتقام، والإجرام ". من هنا نجد التسامح في تجليات معانيه دال على مبدأ الحوار والتسامي كأسلوب وحيد للتواصل بين الناس . حتى ستسع ليشمل مختلف وجهات النظر المتداولة ، ويفسح المجال لتصارع الأفكار بشكل سلميّ، مما يؤدي إلى تحقيق التعايش والسلم الاجتماعي داخل المجتمع الواحد. 
إنَّ التسامح، كونه فضيلة وقيمة أخلاقية، يفترض في كل شخص القدرة على أن يتحمَّل مسؤولياته الأخلاقية في المجتمع، وهو بهذا يعارض كلَّ ميل إلى الحكم المسبق يرى أنَّ أشخاصًا ما في المجتمع لن يسعهم على الإطلاق أن يصبحوا متسامحين. إنَّ افتراضًا كهذا يشكِّل القاعدة الأساسية لحياة سياسية أصيلة في مجتمع تعددي (بالمعنى الحقيقي لكلمة سياسة، أي العيش معًا بأكثر ما يمكن من عدالة لجميع الناس).  
للأسف هذا لم يتحقق بقدر ما تتم تصفية الخصوم بكل الأشكال الدنيئة بما فيها الإحتيال والكذب وتلفيق التهم ...وهذا ظهر بشكل جلي في وضعية الممثل المغربي رفيق بوبكر الذي ارتكب زلة وسرعان ما اعتذر بشكل حضاري كان على المجتمع أن يتلقفه بشكل  متسامح والباقي يتكلف به رب العالمين " يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ الآية . 
كذلك حالة الأستاذة مينة بوشكيوة في تغريدة على صفحتها نقلت قولا من كتب التراث حول حياة النبي الكريم ، بغض النظر عن الطريقة التي تناولت بها الموضوع ، ويمكن أن أختلف معها لكن لا يمكن أن أستهدفها وأبلغ عنها زورا وبهتانا عند السلطات وأطالب بفصلها عن وظيفتها ووووو ....
الغير المقبول أيضا هو الحديث باسم الله  لأنه لم يفوض ناطقا باسمه على هذه الأرض وما الرسل والأنبياء سوى رحمة للعالمين عودوا إلى سورة الأنبياء "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧﴾ .
هذا النكوص الذي اقتحم الفضاء العام وفتح باب التكفير والتكفير المضاد بين أبناء الوطن الواحد ، يقوض كل الدعوات التي ارتفعت مؤخرا والتي تدعوا إلى بناء المستقبل على ترتيب الأولويات وفتح نقاشات استمتعنا بها خلال الشهر رمضان الفضيل في منصات التواصل الإجتماعي التي عوضت القاعات والمرافق العمومية في زمن الحجر الصحي . لكن سرعان ما تتهاوى هذه النداءات والإشراقات بتصيد هفوات ويتم ربطها بشكل متعسف بمجتمع المدنية والحداثة والعلمانية وهي براء من هذا التأويل الشاذ وغير المرغوب فيه .
المخرج لبناء مجتمع التسامح يتطلب تقوية روابط العملية التربوية لأن التربوي يُقوي عملية بناء فضيلة التسامح في عالمنا المتعدِّد الثقافات. فلما لا يكون عندنا من يفكِّر بالتسامح ومبادئه وينطق باسمهِ؟
اليوم يتم إنتاج خطاب الكراهية في ظل صراع التأويلات والعنف الموجه نحو الأجساد والأفكار. فمن جهة هناك خطاب يدعي الاستناد إلى سلطة العقل وحق التفكير الحر ويعطي لمشروعه قدرا من التنوير والتحديث ويطمح أن تسمي الأشياء بمسمياتها ولا يتردد في تسفيه الخطابات المناقضة له واصفا إياها بالظلامية والرجعية وهذا متداول ومقبول في الخطاب السياسي.
من جهة أخرى هناك خطاب ديني مغلق لم يتمكن من استيعاب المقدس في ديناميته وتحوله حتى يكون مستجيبا لتطلعات الناس عبر الزمان والمكان بكل أبعاده ومرجعياته الذي يدعي الاستناد إلى سلطة النقل والوحي. ولا يتردد هو كذلك في إقصاء الخصوم من الحياة الفكرية والاجتماعية، واصفا إياهم بالكفر والزندقة والجهل بعلوم الشرع.
يقع هذا في عالم يسمى مجازا  بالحديث  حيث  يتميز بالعنف المتفاعل مع الأحداث والمشكلات الاجتماعية التي تفرزها إيقاعات الحياة المدنية والحضرية والصناعية حيث أصبحت حياة الإنسان  في جحيم لأنه هو المتصرف وهو المعتدى عليه معاً.وفي هذا القول نستعين بمقولة عالم الاجتماع الأمريكي المعاصر (إيرك فروم)عندما قال في الإنسان المعاصر "بأنه وصل في تطوره العقلي إلى الحد الأعلى بينما تراجع في غرائزه إلى الحد الأدنى (wilber,.p40)يشير هذا القول إلى أن الإنسان يحمل معه غرائز وراثية هي ذاتها عند الحيوان مثل غريزة الجوع والعطش والجنس والخوف وسواها، إلا أنه يمتلك في ذات الوقت عقلاً(وهي نعمة من الباري عز وجل أفرد الإنسان فيها وميزة عن الحيوان)يستخدمه للتفكير والاستدلال. لكن هذه النعمة لا تستثمر إلا لماما . 
وعليه يبقى التسامح شرط ضروري لامكانية قيام علاقة اخلاقية بين الانا والاخر، وهو يتاسس على مبدا الاعتراف بالمشترك بيننا حيث لا يمكن تفويته أو خصخصته ، كلٌ يمارسه وفق اقتناعه وإيمانه الذي يسأل عنه وحده ما دام أن الله تعالى "يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا" دون حاجة للتبليغ أو التشكيك في إيمان الآخرين.
ذلك غاية التعليم والتربية هو الامتناع من استعمال كل وسائل العنف والاهانة والخداع .
إن التسامح لايعني تقبل الظلم الاجتماعي او تخلي المرء عن معتقداته او التهاون بشانها ، بل يعني التسامح ان الانسان حر في معتقداته ، وبان البشر مختلفين في مظهرهم ولغايتهم وقيمهم ودينهم ، لهم الحق في العيش بسلام وبحب . 
في الحاجة للنقد والتفكيك : 
إنه عمق الإشكال والحرج الذي يواجهه خطاب الحداثة، وهنا يمكن أن نستعين  بالتاريخ الواقعي والجدلية الهيغلية، لفك  الارتباط مع تنوُّع المصادر الأخلاقية وتعقيداتها، كي يفسح المجال أمام ديناميكية جديدة لما بعد النقد postcritique وما بعد الرومانسية postromantique، حيث يصبح حوار الكائن البشري والله، العقل والإيمان، التاريخ والجمال، ممكنًا مرةً أخرى وخصبًا، من خلال استعمال وسائل جديدة من الاتصال ومن الحضور في المجتمع الشامل.
خلافًا لمفهومٍ شديد التمحور حول الإنسان وضيِّق أفق الحياة الأخلاقية، حيث توجِّه الرغبات والاحتياجات الفردية وحدها طريقة الوجود في المجتمع، فإنَّ ما يحدِّد الحياة في المجتمع ليس رغبات الفرد ولا احتياجاته الذاتانية. بل الميثالية الأخلاقية الموجودة. إنها مهترئة ولكنها موجودة.
إنَّ تدعيم التسامح إيجابيًا في مجتمعٍ تعدُّدي يتطلَّب، بحسب مبادئ العدالة، تساميًا على مركزية الأنا ومنع الشر من أجل تسريع مسار دعم الخير.
ماذا، أخيرًا، عن مجتمعنا الشرقي العربي والتعددي؟ أحبُّ كثيرًا هذا القول الذي قاله أحد الحكماء:
التسامح قيمة فكرية:
 في لحظة من التفاؤل والحماس  يمكن للإنسان وبكل سهولة أن ينجر وراء مطلب التسامح، بحيث يرى فيه المخرج من جميع الصراعات والأزمات التي تعرفها المجتمعات اليوم. إن الملاحظة الأولية تبين أن التسامح من الفضائل العظمى والقيم الكبرى التي تمجدها كل التشريعات والقوانين  التي لا يمكن للإنسان أن يستغني عنها، ولكن مطلب التسامح كما أسست له الحضارة الغربية المعاصرة يطرح عدة تساؤلات، أبسطها: هل من الممكن التسامح مع غير المتسامحين؟ لقد أدرك المفكرون الغربيون صعوبة هذا المطلب، وأنتجوا خطابا حول اللاتسامح كرد فعل على خطاب التسامح. وها نحن اليوم وبسبب العنف المستفحل في مجتمعاتنا نفكر في التسامح مستعدين لأن نقمع كل من يقف في طريقنا، مما يدل أننا سواء وقفنا مع هذا الخطاب أو ذاك فإننا بشكل أو بآخر نمارس العنف والاضطهاد، فأي عنف "مشروع" يكون مفيدا لنا؟ 
إن غياب التسامح يعني انتشار ظاهرة التعصب والعنف وسيادة عقلية التحريم و التجريم، سواء على الصعيد الفكري أو السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي  علما أن الاهتداء  على مجتمع المواطنة لا يمكن أن يتم ويتسع للجميع إلا  داخل مجتمع الديموقراطية الذي يعمل على تطبيق القانون والعمل  بأحكام القضاء، مما يتطلب  الرفع من مستوى النقاش القانوني الرصين، والابتعاد عن خفة التأويل  السياسوي الذي أفسد متعة الحوار  طمس هوية المتحاورين  .
                                                                          عبد الغني السلماني؛ كاتب وناقد