الجمعة 29 مايو 2020
كتاب الرأي

علي المتوكل: من وحي كورونا.. ارتسامات وعبر

علي المتوكل: من وحي كورونا.. ارتسامات وعبر علي المتوكل

تمر الأيام والشهور والسنون والمرء غير مبال بما يدور حوله يدير شؤون حياته بكيفية عشوائية، ولا يعد العدة الكافية لمواجهة نائبات الدهر حين تنوب، وما أشبه تدبير الأفراد لشؤون أسرهم بإدارة الدول وتدبيرها لموارد البلدان المشرفة عليها وتوجيهها الوجهة الصائبة التي تخدم المصالح العامة للرعية، وفق مخططات علمية مضبوطة مراعية في ذلك حاجات الشعوب العاجلة والآجلة وفق منظور شمولي استنادا إلى دراسات موضوعية. وفي هذا الإطار يتعين التمييز بين الرؤية والرؤيا، فمن حيث الدلالة اللغوية المعجمية للفظة الأولى فهي تفيد الإبصار أما الثانية فمعناها المعجمي هو ما يتراءى للإنسان من أحلام خلال فترة النوم. إلا أن لهذه الأخيرة دلالة مجازية فهي تفيد استشراف أفاق المستقبل ورسم مخططات على المدى البعيد بدل انتظار الأخطار الطبيعية والجوائح لتسوية الأوضاع وإعادة الأمور إلى نصابها بالاعتماد على الحلول الترقيعية والآنية. فلا ينبغي مثلا التفكير في إيجاد الحلول المناسبة لقنوات الصرف الصحي والدور الآيلة للسقوط فقط بعد تهاطل الأمطار بغزارة وتساقط هذه الدور على ساكنيها واختناق قنوات الصرف الصحي فقط بعد اختناقها.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال وضع مشاريع قوانين للسير وإصلاح الطرق فقط بعد وقوع حوادث سير خطيرة ومميتة؛ ولا يمكن الشروع في تدارس ما يتعلق بالإصلاح الزراعي فقط بعد شح الطبيعة وحلول الجفاف، وأن يكون إعداد التراب الوطني وتهيئة المدن سابقين على معالجة ظاهرة الازدحام داخل المدن، وأن تكون التصورات واضحة ومتفق عليها قبل تأسيس المنظومة التربوية والاختيار اللغوي ومعالجة ظاهرة الاكتظاظ والتعليم في القرى وعن بعد وإعادة النظر في المناهج التربوية.

وما ذكر في هذا التقديم مطابق في مجمله للظروف التي واكبت اجتياح وباء كوفيد 19 للعالم بصفة عامة وللمغرب بصفة خاصة، فقد هبت هذه الجائحة على حين غرة وناءت بكلكلها على الشعوب التي أضحت في وضعية المحارب الأعزل في ساحة الوغى وصدره يتلقى الضربات دون أن يكون لابسا الدرع الذي يقيه منها، وأنشبت المنايا أظافرها وبدأت "تخبط خبط عشواء" (بتصرف من بيت لزهير بن أبي سلمى).. وصرنا "دفينا على بقايا دفين" (كما قال أبو العلاء المعري)، ولم يكن هناك أي استعداد لهذه الجائحة، وهذا ما أكده الدكتور الرهج حين قال إن "سياستنا في المغرب غير توقعية ولا تضع حسابا للطوارئ" جريدة المساء العدد 4171 ليوم 23- 04-2020 وبصفة عامة هل كان العالم في حاجة إلى هذه الصدمة؟

 

الجواب بالإيجاب لتحدث كورونا خلخلة في الأوضاع الجامدة للرجوع إلى الوراء قصد تحديد الأولويات والخروج من حالة التيه واللامبالاة والوضع الراهن (ستا تيكو)، لم تكن عودة الوعي هاته متيسرة لولا تكاثر عدد الضحايا الذين تختطفهم المنايا بسهولة ويسر.. وصرنا مثل كتاكيت الدجاج التي ينقض عليها العقاب وهو من كواسر الطير قوي المخالب لقد أخذت كورونا بمبدأ المساواة، فهي لا تميز بين من هم في الهامش ومن يوجدون في أعلى درجات سلم الترقي الاجتماعي.

لقد ساهمت كورونا في إبراز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للشعوب وتغيير مسار التوجه العام للخيارات.. فالثغرة الكبيرة في المخططات هي تهميش البعد الاجتماعي اعتبارا لكلفته المالية فقط دون النظر إلى كونه الدعامة الأساسية لأي تقدم، وهذا ما ينبغي أن تأخذ به لجنة شكيب بنموسى المكلفة بصياغة مشروع تنموي جديد بعد ظهور ثغرات في القطاعات ذات البعد الاجتماعي. وقد قال عضو في اللجنة طلب عدم ذكر اسمه "إن كورونا ستدفع لجنة صياغة النموذج الجديد إلى إعادة تحديد الأهداف واقتراح بدائل جديدة قبل 2021 ووضع قطاعات ذات بعد اجتماعي على رأس الأولويات، أبرزها الصحة والتعليم والتشغيل ومحاربة الأمية" (جريدة الصباح العدد 6193  ليوم الأربعاء 15-04-2020).

إن ما يضيرنا جميعا أن تكلفة إنشاء المختبرات ومراكز البحث العلمي ضئيلة، إذا ما قورنت بالأموال التي تنفق في التفاهات والميوعة، أو كما قال رئيس وزراء الهند "إن أرواح  الناس أغلى من الاقتصاد".. إن من بين الضرورات في الشريعة الإسلامية "حفظ النفس" أو ما يعبر عنه القانونيون بالحق في الحياة ان أمريكا باعتبارها قوة عالمية كبرى وجدت نفسها في مأزق فاضطرت لإقامة الأسرة على ظهر البوارج الحربية إن نيجيريا التي يبلغ عدد سكانها حوالي 200 مليون نسمة لم تكن تتوفر الا على أقل من 500 جهاز للتنفس الاصطناعي..

إن من بين القرارات التي اتخذتها الدول العشرون في مؤتمرها الأخير "رفع فعالية النظم الصحية" وصرح الرئيس الفرنسي ماكرون بأنه "لم نكن على استعداد كاف لمواجهة الأزمة و أقر بوجود ثغرات"؛ وقد نقلت بعض وسائل التواصل الاجتماعي صرخات مدوية صدرت عن بعض المواطنين الاسبان والايطاليين الذين فقدوا أقاربهم وأصدقاءهم.. تدمي القلب وتعتبر بمثابة إدانة صريحة للمنظومة الصحية والمخططات التي لا تعير أي اهتمام للجانب الاجتماعي. وقد برز واضحا للعيان أن لكل دولة خصوصياتها التي تميزها عن غيرها من الدول، وسيتم التركيز في المغرب على الجانب التربوي ودوره في الحد من اثأر هذا الوباء.

وفي هذا الإطار تبين بما لا يدع أي مجال للشك أنه قد اتخذت مجموعة من الإجراءات الاستباقية والاحترازية كان لها الأثر الفعال نسبيا في الحد من الآثار المدمرة لهذه الجائحة، ورغم هذه التدابير والاحتياطات فإنه قد لوحظ باستمرار الاكتظاظ في الأسواق والمتاجر واختيار الممرات المزدحمة دون مراعاة التباعد الوقائي والاعتصام أمام مقرات الضمان الاجتماعي تجد راكب دراجة نارية مصطحبا رديفا خلفه بالإضافة إلى تجمعات الشباب اليافعين في الأزقة وإجرائهم مقابلات في كرة القدم.

وفي بعض المدن المغربية ظهرت فيديوات مصورة لحفل جماعي و المدعوون له يرقصون جماعيا حاملين في أيديهم رخص التنقل الاستثنائية تكررت هده الاختلالات في مواقف أخرى مما يتطلب التساؤل عن أسبابها والمسؤولية في هذا الإطار تتحملها جهات متعددة، لعل أبرزها الأسرة والمؤسسة التربوية الوصية على القطاع والظروف الاجتماعية لبعض المواطنين وأماكن العبادة ووسائل الإعلام...

 

ويرى بستالوزي "أن الأسرة هي مصدر كل تربية صحيحة يتأثر بها الطفل"، ففي المغرب تزايد عدد المهاجرين من البوادي إلى المدن التي فاق عدد سكانها نظيرهم في القرى ونجم عن ذلك تفريخ الأحياء الهامشية التي لا تتوفر فيها الشروط اللائقة للسكن بالإضافة إلى البطالة. وتسببت هذه التغيرات بين الماضي والحاضر في اختلالات بارزة في سلوك الأفراد ولم يعد زمام الأمور بيد الأسرة التي تخلت عن أدوارها التقليدية؟

ويرى الفيلسوف الألماني كانط "أن التربية تعنى بترقية جميع أوجه الكمال التي يمكن ترقيتها لدى الفرد"؛ ويرى جون ديوي أن "بإمكان المدرسة أن تغير نظام المجتمع إلى حد معين".. فهي تركز على التنشئة والتنمية وتكييف الإنسان مع الأوضاع الجديدة بكيفية متدرجة والعلاقة بين الاقتصاد والتنمية الاجتماعية وطيدة ويؤثر كل منهما في الأخر لذا يساهم التعليم في الزيادة من القدرة على الابتكار وتحسين السلوك.. وعلى العكس من ذلك كلما ازداد عدد الأميين كلما أثر ذلك في الاقتصاد سلبا.

التربية هي الوسيلة الوحيدة لنقل القيم وتستمر طيلة حياة الأفراد وتنقل أساليب التفكير التي تساعد الأفراد على ضبط سلوكهم وفق المتغيرات للتوجيه نحو ما هو إيجابي منها.. وقد ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين ما يلي "يهتدي نظام التربية والتكوين للمملكة المغربية بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح، والمتسم بالاعتدال والتسامح الشغوف بطلب العلم والمعرفة في أرحب آفاقهما والمتوقد للاطلاع والإبداع والمطبوع بروح المبادرة الايجابية والإنتاج النافع".

يعد محو الأمية التزاما على عاتق الدولة لارتباطه بتطور الاقتصاد والرفع من فعالية الموارد البشرية وقد تحدد في المغرب تاريخ 2015 كآخر أجل لمحو الأمية بكيفية نهائية إلا أن هذا الهدف لم يتحقق؛ ولذلك أثار سلبية خاصة على تربية الأبناء والاندماج الايجابي في المجتمع. وقد أشار الميثاق الوطني كذلك للتربية غير النظامية لليافعين بين سن الثامنة والسادسة عشرة، وهم المنقطعون عن الدراسة أو غير المتمدرسين الا أنه قد تبين أن الاستراتيجية المعدة لإعادة إدماجهم في أسلاك التعليم لم تعط النتائج المتوخاة، ومازالت هذه الإشكالية مطروحة. وبصفة عامة، وكما قال المرحوم الحسن الثاني (نحن في وزارة التربية الوطنية نعلم ولا نربي).. بمعنى أن دلالة وأهداف هذه الوزارة الوصية على القطاع غير مترجمين على أرض الواقع وفي مخرجات التعليم في الجانب التربوي.

 

إن العنصر البشري هو الرافعة لأي نمو اقتصادي وعن طريق التربية يتم تكوين المواطن الصالح المنضبط القادر على امتلاك المعرفة العميقة للمساهمة في التطور؛ ولاجتثاث الأنماط الفكرية والسلوكية التي ترسخت في الأذهان وتحويرها إلى أنماط أخرى ملائمة لأهداف المجتمع.

يستنتج من المعطيات السابقة كلها أن وباء كورونا كان له الفضل في الكشف عن مجموعة من النقائص التي من شأنها تدمير البشرية كلها فقد تبين غياب البعد الاجتماعي في المخططات الاقتصادية، كما كانت توصي بذلك المؤسسات الدائنة وتبين أن الإنفاق على الصحة والتعليم ليس مجرد تبذير للمال العام، بل إن الظروف الحالية أثبتت العكس وكشفت عن الحقيقة التي قال عنها أستاذنا الدكتور محمد نجيب البهبيتي "إن الحقيقة تبقى وهي تلوح في ضمائر الأجيال بقاء النور الألق قد تخنقه كثافة الظلمات، ولكن لا تلبث أن تقع عليه عينا مؤمن بحب الحق، فإذا بها تنبعث عنه قوية جارفة تستضئ بها نفوس الناس جميعا و تتقبلها الأمم تقبلا رحبا".

وكذا سيكون العالم ما بعد كورونا مخالفا لما قبلها، وستنير الطريق للمستقبل. وفي هذا الإطار ترى ريتا ليفي مونتلسيني: "لا تخافوا في هذه الظروف الصعبة لأن الأحسن سيبدأ من الآن"..

 

فشكرا لكورونا فقد قلبت معايير التقدم والتخلف مما يتطلب إعادة النظر فيهما..

وشكرا لكورونا فقد برز جليا للعيان أن الميزانيات المخصصة للبحث العلمي تكاد لا تذكر..

وشكرا كورونا فقد تبين أن دول الاقتصاد الحر في أوربا وأمريكا عاجزة عن حماية حياة مواطنيها إذا ما قورنت بالإمكانات المتوفرة لدى الصين و كوبا..

شكرا كورونا فقد انجلى الغبار عن البدع المستحدثة في الدين الإسلامي.

 

تداعيات كورونا متشعبة، وكما يكون العلاج بالصدمات، فهذا الوباء كذلك ربما سيكون له مفعول ايجابي في المستقبل لاستنهاض الهمم وخلق مناخ وطني وعالمي جديدين تزيل رياحه القوية  الغبش في الليل وتمحو القذى من العيون لتزداد قوة النظر لديها لتتمكن من البحث عن الحلول الناجعة. وستستنشق البشرية هواء نقيا خاليا من جميع أشكال الملوثات البشرية والطبيعية، وستبدأ مرحلة الانطلاق التي يقودها الباحثون والعلماء في المراكز والمختبرات العلمية مع استبعاد ممتهني السياسة السياسوية، ومن يسير في فلكهم.

 

علي المتوكل، مختص في العلوم القانونية