الخميس 4 يونيو 2020
سياسة

جون دانيال بنسعيد: أمر محزن أن نرى اليوم الحدود مغلوقة بين المغرب والجزائر

جون دانيال بنسعيد: أمر محزن أن نرى اليوم الحدود مغلوقة بين المغرب والجزائر الراحل جون دانيال بنسعيد

فقدت فرنسا أحد أكبر صحافييها جون دانيال بنسعيد، رئيس المجلة الفرنسية "نوفيل أوبس"، من مواليد 21 يوليو 1920 في البليدة بالجزائر، كان اسمه الأصلي بنسعيد.. انضم جان دانيال إلى فرقة الدبابات الشهيرة للجنرال لوكلير، وشارك في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي. بعدها درس الفلسفة في جامعة السوربون. كانت له علاقات مع كبار العالم وفي البلدان المغاربية، مع المرحوم الحسن الثاني إلى هواري بومدين، ومع المرحوم عبد الرحيم بو عبيد (كان صديقًا وأخًا لي يقول دانيال عن هذه العلاقة)، وكذلك مع عبد الرحمن اليوسفي، كما كانت  له روابط مع كتاب مثل إدريس شرايبي (أحد أصدقائي يقول عنه دانيال) ومحمد ديب وياسين كاتب. هو مؤسس مجلة "نوفيل إبس" الشهيرة، والتي كانت تمثل اليسار الجديد.

في هذا الحوار، الذي أجري مع جون دانيال، قيد حياته عام 2010 بباريس، يتحدث دانيال عن الروابط مع المغرب العربي، وطنه الأصلي، وعن القضية الفلسطينية وإسرائيل...

 

+ قلت لي إنك تريد الحديث لصحيفة ناطقة بالعربية، هل لك رسالة إلى القراء باللغة العربية؟

- صحيح ذلك، لأنني أتأسف لعدم تحدثي العربية، وذلك شيء ينقصني، بالإضافة إلى عدم تحدثي مع جرائد فرنكوفونية في المغرب العربي، وعندما يتم ترجمة تصريحاتي تكون مختلفة عما قيل بالفرنسية، وهو أمر لا يتم بشكل متعمد لكن لوجود اختلاف، ومن أجل حذف المسافات والحواجز، لنبدأ حوارنا. وأنت ستكون من ينقل كلمتي إلى العربية. لكن علي أن لا أنسى البربرية، لأنه في كل مرة أتحدث عن العالم العربي أتلقى عتابا منهم أنني نسيت الحديث عنهم .

وهذا يذكرني بصديقي خوان كويستيلو الذي يتكلم الإسبانية والفرنسية وكذلك العربية، ويبدو أن له شعبية كبيرة بالعالم العربي.. أحب هذا الأمر، أي عندما لا تكون هناك حواجز وحدود. لقد التقيته الأسبوع الماضي بباريس، وحدثني عن التحولات الكبيرة التي عرفتها مدينة مراكش في السنوات الأخيرة، وكما تعرف فهو مراكشي معروف. وحدثني بحنين كبير عن ما كانت عليه مراكش. وقال لي إنه في السابق كان جيرانه يتكلمون العربية أو الأمازيغية، لكن اليوم هم فرنسيون أو إنجليز.

 

+ في آخر افتتاحياتك في "النوفيل أوبس" تحدثت عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وعن السلام؟

- أنا لا أتوقف عن الحديث عن ذلك كل الوقت.

 

+ صحيح هذا ما ألاحظه، هل ما زال لديك أمل في تغير الوضع بالمنطقة؟

- أنا متشائم.. لكن بالتشاؤم لا يمكننا تغيير الأوضاع. أملي أن لا يوجد عند العرب إو عند  الإسرائليين أو عند  اليهود.. أملي في باراك أوباما الرئيس الأمريكي،  وأنا "أوبامي" إلى اقصى الحدود. وهذا الرجل لا إقول إنه مبعوث من الإله، بل هو مكتوب.. وأنا جد قبيح مع الذين يهاجمونه وينتقدون عمله.

لكن لدي أصدقاء عرب وأصدقاء يهود، أي لدى الطرفين، ويوجد احتلال منذ 1967، وأنا دائما أناضل ضد كل أشكال الاحتلال. في السابق كانت هناك حركة تحرر صهيونية، هل ذاك صحيح أم لا؟ لكن على الأقل كانت تدافع عن نفسها. اليوم هناك احتلال.. أنا ضد الاحتلال. وأنا طوال حياتي كنت دائما مناضلا من أجل السلام، لكن اليوم تحدث أشياء جد خطيرة. وقد كتبت كتابا في هذا الشأن سميته "السجن اليهودي"، وتم ترجمته من طرف المغاربة في درا نشر ببيروت، لكن لا نجده في المكتبات، وجدت نسخة عربية بنيويورك. وقد قلت في هذا الكتاب، إنه تتم ادعاءات باسم الإله لدى الطرفين، فالقدس وارد لدى المسلمين ولدى اليهود. وقد قرأت مؤخرا مقالا لإيلي ريتزل يقول فيه: إن الإله هو من أراد القدس عاصمة ولا يمكن تقسيمها. يحدث هذا رغم أن الديانتين تنتسبان إلى أبراهام أو إبراهيم.. ولماذا تتم اليوم خيانة هذا النبي من طرف الطرفين. إبراهيم كان يعيش في سلام، حتى طلب منه الإله مغادرة سكنه وطلب منه الإله أن يعطي المثال. هذان شعبان باسم نفس الإله، ونفس النبي، هم يعملون على تمزيق كل ما هو مقدس، وهذا غير محتمل وغير مقبول بالنسبة لي، وأعني الطرفين.

خطاب أوباما بالقاهرة كان جد هائ،ل لأنه يقول كل شيء، واستشهد بالقرآن وبالإنجيل، وكان جد هائل، وأحسسنا أنه كان له أب من هذه الجهة وأم من هذه الجهة، ويترأس أمريكا. واليوم يتعرض للهجمات من أجل الحيلولة دون إتمام عمله. ولاحظنا ذلك في الملف بالولايات المتحدة الامريكية. والفلسطينيون والإسرائيليون لن يتفاهموا بدون وجدود طرف ثالث. طرف يطالب بالعدالة وهم الفلسطينيون، وطرف يطالب بالأمن، وهم الإسرائليون، لكن لا يريدان السلام، هم يريدان الأمن ولا يريدان السلام، لا بد من فرض ذلك عليهم من الخارج.. هذا هو الحل في رأيي.

 

+ لكن أوباما عاجز حتى الآن، عن الحصول على وقف للاستيطان للأراضي الفلسطينية من طرف  الاحتلال الاسرائيل؟

- لا بد من الوقت، كيف تطلب منه حلا لهذه القضية في 6 أشهر، لقضية عمرها 50 سنة، بعد 8 سنوات من رئاسة بوش هدم فيها كل ما تم بناؤه في السابق، وتنازل عن كل شيء لشارون .

لكن هل تعرف أن 75 في المائة من اليهود الأمريكيين صوتوا لصالح باراك أوباما، وهو أمر له دلالات كبيرة .

العالم العربي أعرفه جيدا، تجولت فيه كذلك، وبصراحة كل العرب يتحدثون عن القضية الفلسطينية ويعتبرونها مقدسة ويعتبرون الفلسطينيين إخوة، ولا يقدمون لهم أي دعم حقيقي.. في بعض المرات هناك أمراء يقدمون شيكات مالية، لكن الدعم الحقيقي غير موجود.

نرى اليوم ما يحدث بالمنطقة، إيران مازالت تقوم بلعبة التطرف وكل عرب المنطقة خائفون من تسلحها او من  حصولها على أسلحة نووية ولا يقولون شيئا.

لكن أوباما جد حازم في هذا الأمر يريد سلما حقيقيا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، قبل أي رد حازم على إيران. وأوباما كان واضحا.. إما القيام بما طلب به من الإسرائيليين، وإلا لا يمكنهم الاعتماد عليه في مواجهة إيران. وهذه الشروط ليست سرية، بل خرجت إلى العلن؛ وبالتالي فأوباما هو أول رئيس أمريكي يتحدث مع الإسرائيليين بهذه الصراحة. وقال لهم "لا يمكنكم الاعتماد على الأمريكيين"؛ وهو أمر لم يقل قط للإسرائيليين من قبل.

والحقيقة اليوم أن العرب لا يحبون الفلسطينيين، والاسرائيليون لم يسبق لهم الوصول إلى حالة الجنون التي هم عليها الآن، ولا أحد يريد السلام، فليس هناك إلا الامريكيون الذين لهم القدرة لقول: لا للإسرائيليين. اليوم على الأقل هناك كلمات واضحة تقال للإسرائيليين في انتظار ممارسات واضحة.

 

+ هل مازالت لك صداقات سياسية ببلدان المنطقة المغاربية وفي المغرب، رغم أن الاجيال تغيرت؟

- أقل من السابق، مثلا الراحل عبد الرحيم بوعبيد كان صديقا وأخا لي.

 

+ وفي الاتحاد الاشتراكي؟

- أعرف عبد الرحمان اليوسفي.. لكن اليوم لم تعد لي علاقات في الحزب. لا أحد يأتي لرؤيتي. هناك تقاليد مغاربية، ليس الشيوخ هم من يسألون عن الشباب، بل العكس. هذه هي تقاليدنا المغربية. لم يأت أحد لزيارتي من الأجيال الجديدة.

 

+ هل تعرفت على مثقفين مغاربة أثناء معرض الكتاب؟

- الراحل إدريس الشرايبي كان أحد اصدقائي، ياسين كاتب، محمد ديب بالجزائر. الأجيال الجديدة لم أتعرف على أحد منهم. لدي رغبة لقراءة إدموند عمران المليح الذي يبدو أنه كاتب كبير.

 

+ كيف مرت زيارتك الأخيرة إلى المغرب؟

- كنت مطمئنا عند زيارتي الأخيرة إلى المغرب، هناك فقط مشكل معدل البطالة المرتفع، وكذلك مسألة التعليم. فقد عرفت أن كل من لهم إمكانيات لا يدرسون أبناءهم بالقطاع العمومي. لكن على العموم لاحظت تطور البلد على المستوى السياسي والاقتصادي، وبداية بروز طبقة وسطى وأغنياء متوسطين، بعد أن كان الأمر يقتصر على كبار الأغنياء من جهة ونسبة كبيرة من الفقراء في السابق. الوضع السياسي هادئ بالبلد. ولا أعرف كيف أصبحت الحركة النقابية، أنا ما زلت أتذكر وجود حركة قوية، سواء في المغرب أو باقي بلدان المغرب العربي في السابق.

لي حب لملك المغرب محمد السادس، لقد رأيته مرة واحدة.

إذا تمكن رجل بالمنطقة، (يقصد المغرب الكبير) من قيادة هذه البلدان نحو الوحدة فيما بينها، سيحفظ اسمه في التاريخ كقائد مغاربي عربي وأمازيغي كبير. ويجب فتح الحدود فيما بين هذه البلدان، باسم الصداقة والحب والدين، يجب فتح هذه الحدود. أن ترى اليوم  الحدود بين المغرب والجزائر مغلوقة لهو أمر محزن بين بلدان لهم نفس اللغة، نفس التاريخ، نفس الدين، ونفس المطبخ، ونفس الثقافة، لأن هذه الحدود تفصل بين عائلتين. خاصة أن البلدين تنتظرهما تحديات كبيرة: الاهتمام بأطفالهم ومحاربة الفقر وتطوير التربية والتكوين... هذه هي المشاكل الحقيقية للبلدان المغاربية.

 

+ هل يمكن لفرنسا أن تلعب دورا لتقارب هذين البلدين؟

- لقد حاولت.. الجميع حاول التقريب بين البلدين بما فيهم أنا شخصيا. حاولت التقريب بين الراحلين الحسن الثاني والهواري بومدين، لكن لم يكن الأمر سهلا.

بومدين لم يغفر للحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء، وهي التي أنقدت الحسن الثاني، لكنها أبعدته عن الجزائر بشكل نهائي. ربما الأمر ممكن مع الأجيال اللاحقة.. والاقتراح المغربي للحكم الذاتي هو مشروع يستحق الدراسة والاهتمام.

 

+ لكن الجزائر تخفي رسميا ما تريده من المغرب في هذه القضية؟

- الجزائر تؤاخذ المغرب أنه اتخذ قرارا بدونها، هم متصلبون، ومتعودون على الصراع، ويعتقدون أنهم هزموا المغاربة. هؤلاء العسكر هم كجميع العسكر في العالم، لا يريدون السلام، ويسعون إلى رهانات القوة. سوف أتوقف عند هذا الحد حتى لا أقول حماقات، وربما ما سأقوله لن يسمح لي بعد ذلك بالدخول إلى المغرب.

 

- لا المغرب تغير وحرية الرأي مضمونة (المحاور)...