الجمعة 18 يونيو 2021
اقتصاد

عبد الحفيظ ادمينو: الدولة عاجزة تماما عن تحقيق التنمية دون اللجوء إلى شراكة بين القطاعين الخاص والعام

عبد الحفيظ ادمينو: الدولة عاجزة تماما عن تحقيق التنمية دون اللجوء إلى شراكة بين القطاعين الخاص والعام عبد الحفيظ ادمينو
يرى د. عبد الحفيظ ادمينو أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الدولة تبدو عاجزة تماما عن تحقيق التنمية دون اللجوء إلى أسلوب الشراكة قطاع عام / خاص والذي أتبث نجاعته في البلدان الأنجلوسكسونية، مضيفا بأن عقود الشراكة قطاع عام / خاص تتيح للدولة إمكانية التفاوض بشكل مباشر مع الشركة التي بإمكانها إنجاز مشروع معين وتحقيق الفعالية الإقتصادية، وهذا كله غير موجود في النظرية التقليدية للتعاقد في القانون الفرنسي، خلافا للنموذج الأنجلوسكسوني حيث يخضع تدبير الصفقات يخضع لمنطق المقاولة الخاصة من خلال المحاسبة، التتبع، التقييم، ومن خلال مختلف آليات الحكامة، وهو ما يمكن من تجاوز مختلف الإختلالات والنقائص.
 
عاد موضوع الشراكة قطاع عام / خاص إلى واجهة النقاش العمومي، علما أن التجربة المغربية في هذا الإطار تبدو جد متواضعة في هذا الإطار، فماهو السبب في نظرك ؟
أولا عقود الشراكة قطاع عام / خاص، من العقود التي لم تبدأ خلال السنوات الأخيرة، مع العلم أن هذا النوع من التعاقدات وجد نفسه في اشكال جديدة  أفرزها تطور الدولة في الغرب، وفي أوروبا بشكل خاص، حيث أن تقديم الخدمات المرتبطة بالبنيات التحتية وكذلك الخدمات الإقتصادية والإجتماعية لم يعد متاحا وممكنا، كما أنه لا يجذب القطاع الخاص انطلاقا من الأشكال التقليدية للتعاقد، وخاصة الأشكال التقليدية للعقود الإدارية ، وبالتالي طرأت تحولات على مستوى المنظومة القانونية للدول لكي تحد من السلطة التي كانت للدولة في إطار العقود الإدارية التقليدية، وهنا بدأت تدخل الآليات التعاقدية الموجودة في العقود الخاصة، والمرتبطة أساسا بالتفاوض والإتفاق والتي تعد الأساس الذي من خلاله تم اعتماد هذا النوع من التعاقدات. لاحظنا أن هذا الأمر بدأ مع عقود التدبير المفوض التي بدأت عام 2005، بل انطلقت عمليا منذ نهاية التسعينيات، عام 1997، ولكن لم يتم تقنينها إلا عام 2005، ونفس الأمر بالنسبة لعقود الشراكة قطاع عام / خاص، وهي من العقود التي أبدعتها الدولة في أوروبا والتي قدمت من خلالها خدمات مرتبطة أساسا بالمشاريع الكبرى المتعلقة بالبنيات التحتية، وقد حققت هذه العقود نجاحات على مستوى مردوديتها وعلى مستوى تدبيرها، وعلى مستوى اقتسام المخاطر في تنفيذ هذه العقود، وهو ما دفع المؤسسات الدولية، بما فيها البنك الدولي إلى مطالبة الدول بالإستفادة من هذه التجارب وتضمين هذه التعاقدات. صحيح أن هذا النوع من العقود في المغرب لم يكن له إطار قانوني ، حيث بدأنا تنفيذ هذا الصنف من العقود عام 2008 في ما يتعلق بتدبير المحطة الحرارية للجرف الأصفر وكان الهدف منها هو توفير الكهرباء في منطقة الجرف الأصفر، ولم يتم إصدار القانون المتعلق بالشركة قطاع عام / خاص إلا عام 2015، وهذا القانون سمح بتوفير الإطار القانوني لهذه العقود، لأننا كنا نتعاقد في إطار غير منظم، حيث حدد هذا القانون مضمون العقد، أطراف العقد، التزامات العقد، طرق إبرام هذا العقد، وكذلك الآثار المترتبة عن هذا النوع من العقود أو النزاعات المتعلقة بتطبيق هذا النوع من التعاقدات، وقد لاحظنا خلال هذا الأسبوع من خلال مجموعة من المشاريع الضخمة التي تم الإعلان عنها عقب الزيارة الملكية لجهة سوس، الإعتماد على هذه الآلية التعاقدية لما توفره من مرونة قانونية، ومرونة تدبيرية، بالإضافة إلى ما يفترض أنه تحققه من فعالية ونجاعة في تنفيذ المشاريع الإقتصادية والإجتماعية.
وماهي المكاسب التي قد يجينها المغرب من تشجيع عقود الشراكة قطاع عام / خاص، في ظل النقاش السائدة بشأن إعادة النظر في النموذج التنموي ؟
التعاقدات هي فقط أشكال قانونية لتقديم الخدمة العمومية، واليوم عقود الشراكة قطاع عام / خاص قادرة على جذب المستثمر، لأن هذه العقود تمكن الشخص المعنوي العام من التفاوض المباشر مع القطاع الخاص من أجل تنفيذ مشروع، وأحيانا يستشرف القانون أنه من الممكن أن تأتي المبادرة التلقائية من القطاع الخاص كي يعرض على الدولة أو الشخص المعنوي العام إقامة المشروع، لأن عقد الشراكة قطاع عام / خاص يتضمن التزام الدولة 
بتحديد ما تود تحقيقه من هذا النوع من التعاقدات، وفي أيضا القدرة على التفاوض في ما يتعلق بمضمون العقد، سواء في ما يتعلق بمبلغه، أو التزامات الشخص الخاص بإقامة البنيات وتدبير المشروع، والإقتسام المزدوج للمخاطر، وهذا هو المهم، لأنه في حالة العقود التقليدية لما تتعاقد الإدارة لا يكون للمتعاقد معها إلا اللجوء إلى القضاء من أجل المطالبة بالتعويض في حالة الضرر، بينما عقود الشراكة قطاع عام / خاص، تعطي إمكانية للمتعاقد من خلال العقد في حالة وجود مخاطر اقتسام المخاطر، ولكن لا ننسى أن هذه التجربة خاصة في تدبير المرافق العمومية الإجتماعية تعاني من مشاكل في دول أمريكا اللاتينية، فالإحتجاجات التي نعاينها في دول أمريكا اللاتينية والمرتبطة أساسا بالخدمات الإجتماعية، وأتذكر أن تدبير توزيع الماء بإحدى بلدان أمريكيا اللاتينية أدى إلى احتجاجات اجتماعية، وهو الأمر الذي يسائل منطق إعداد هذه الشراكات، لأن الشراكات أحيانا اذا لم تكن هناك مراقبة وتتبع قد تؤدي إلى تغليب مصلحة الشريك الخاص، على حساب جودة الخدمات العمومية المقدمة من قبل هذا الشريك، وبالتالي فالدولة مطالبة بالحضور والسهر أثناء عملية تنفيذ العقد، وهي نفس الملاحظة التي سبق للمجلس الأعلى للحسابات، والمجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي في ما يتعلق بعقود التدبير المفوض، بمعنى أن المشكل لم يكن مرتبطا أساسا بمضمون العقد وبالشروط القانونية للعقد، ولكن أيضا يرتبط بمسؤولية الشريك العام في تتبع التنفيذ وفي التنبيه للمخاطر التي من الممكن أن تؤدي إلى عدم تحقيق الأهداف المرجوة من العقد، وكذلك السلطات التي يتمتع بها الشريك العام في حالة عدم احترام الإلتزامات الواردة في العقد، بفسخ العقد.
في هذا الإطار، نستحضر الإحتجاجات التي اندلعات بطنجة وبمدن الشمال ضد شركة " أمانديس " بسبب ارتفاع فواتير خدمة توزيع الماء والكهرباء، فماهي الإحتياطات التي ينبغي اتخاذها من طرف الدولة للحيلولة دون وقوع تجاوزات أو انزلاقات في هذا النوع من عقود الشراكة ؟
طبعا المسؤولية الأساسية تتحملها الدولة أو القطاع الحكومي المتعاقد، علما أن المصادقة على عقود الشراكة قطاع عام / خاص، تتم المصادقة عليها بمرسوم، واذا كانت من قبل المؤسسات العمومية فهي تعرض بطبيعة الحال في المجلس الإداري للمؤسسات العمومية وتصادق عليها سلطة الوصاية، بمعنى أنه كلما استطاع الشريك العام السهر على تتبع تنفيذ العقد في ما يتعلق بتنفيذ الأشغال، واحترام دفتر التحملات، في ما يتعلق باحترام الآجال، احترام المعايير المنصوص عليها في العقد إلا ونكون أمام ضمانة أكثر ونجاعة أكثر في تنفيذ العقد وفق الأهداف التي تم رسمها، كذلك القانون يستشرف آليات أخرى التي تجعل الشريك العام يعرف إلى أي حد حقق الأهداف من العقد، وقانون الشراكة قطاع عام / خاص، يعطي الإمكانية للشريك العام إمكانية الإستعانة بالتدقيق ) ( audit، وهي آلية من الآليات التي من خلالها يمكنه الوقوف عند المشاكل، وبلورة الإختيارات التي من شأنها مراجعة تدخل الشريك الخاص من أجل ضمان تحقق الأهداف، وأعتقد أنه اذا تم ضمان المراقبة واعتماد آليات الحكامة والتدقيق، فأنا أتصور أن الأهداف المنصوص عليها في العقد يمكن تحقيقها، ولكن كلما تخلى الشريك العام عن اختصاصاته وسلطاته في مراقبة العقد إلا ونكون أمام هذا النوع من المشاكل، أي عدم تنفيذ العقد بطبيعة الحال في نهاية المطاف.
ولماذا في نظرك تفضل الدول الأنجلوسكسونية الإعتماد على عقود الشراكة قطاع عام / خاص خلافا للبلدان الفرنكفونية التي تفضل الإبقاء على الحضور القوي للدولة في مختلف العقود المتعلقة بتسيير المرافق العمومية ؟
السبب يكمن أساسا في المنظومة القانونية، فالمنظومة الفرنسية تركز على جانب الدولة في العقود الإدارية، حيث تمنح لها حقوق وامتيازات لا تعطى للشريك الخاص، بمعنى أن القانون نفسه يمييز بين متعاقدين، الدولة وتتوفر على امتيازات السلطة العامة كما تسمى في اللغة القانونية، والشريك الخاص الذي يفترض فيه الإلتزام بما حددته الدولة في إطار دفاتر التحملات المرتبطة بالعقود الإدارية، بينما النموذج الألجلوسكسوني لا يعترف بهذه التمايزات بين الفاعل العمومي وبين الفاعل الخاص، وهو ما يجعلنا نقترب من القاعدة المعتمدة في القانون الخاص أي العقد شريعة المتعاقدين، اذا هذه القاعدة القانونية تمنح للقطاع الخاص إمكانية الحكامة، إمكانية التتبع، التقييم، مراقبة التسيير، كما تمنحه مرونة أكبر أكثر من حالة القطاع العام، في حين أن القانون العام الفرنسي فالدولة مفروض عليها حتى في عملية التتبع والمراقبة لابد لها أن تتبع مساطر وإجراءات، وأعطي مثال مساطير إبرام الصفقات العمومية، والتي نجدها حاضرة بشكل أو بآخر على مستوى عقود الشراكة، بمعنى أن الدولة هي المفروض فيها الإعلان عن طلب العروض، في حين أنه في عقود الشراكة قطاع عام / خاص يمكن أن يتم الإعلان عن طلب العروض من طرف القطاع الخاص، حيث يمكن الحديث عن صفقات تفاوضية بمعنى أن الدولة يمكن أن تتفاوض بشكل مباشر مع الشركة التي بإمكانها إنجاز المشروع وتحقيق الفعالية الإقتصادية، وهذا كله غير موجود في النظرية التقليدية للتعاقد في القانون الفرنسي، أما في النموذج الأنجلوسكسوني فتدبير الصفقات يخضع لمنطق المقاولة الخاصة من خلال المحاسب، التتبع، التقييم، ومن خلال مختلف آليات الحكامة، بحيث تخضع لقواعد مرنة كما هو الحال في القطاع الخاص، وبالتالي تمكن من تجاوز الإختلالات، بالمقابل فمنظومة القانون العام الفرنسي وأيضا المغربي هي منظومة مقيدة بمساطر وإجراءات، وهذا يعقد أحيانا عملية تتبع  تنفيذ هذا النوع من المشاريع، وأعتقد أن التحولات التي تعيشها الدولة جعلتها تستلهم النماذج الفضلى بغض النظر عن المرجعية القانونية التي تحكمها، وما يحدث هو أنه لما يتم تبني منظومة قانونية قوية ينجم عنها نوع من المقاومة وهو الأمر الذي نعاينه في المشاكل التي تطرح أثناء تنفيذ هذا النوع من التعاقدات.
من المعلوم أن المغرب يعاني من تردي الأوضاع الإجتماعية لمعظم الفئات الشعبية، والدليل على ذلك هو الخطب الرسمية التي دعت إلى إعطاء الأولوية للمسألة الإجتماعية، فهل اتخذت الدولة الإحتياطات الكافية في هذا الجانب، قبل اتخاذ قرار توقيع عقود الشراكة قطاع عام / خاص ؟
ما ينبغي أن نفهمه أنه حتى التجربة الأنجلوسكسونية لا تعول فقط على الدولة كفاعل أساسي، بمعنى أن هناك الدولة، وهناك القطاع الخاص الذي يعد مسؤولا أيضا، واليوم اذلا لاحظتم فأدبيات الأمم المتحدة في ما يعرف ب bussines human rights يركز على كون التنمية في العالم لا يمكن أن تتحقق عبر مسؤولية الدولة فقط أو الفاعل العمومي، بمعنى أنه لابد من وجود مقاولة خاصة مواطنة، قادرة على تحمل مسؤوليتها في التنمية، وقادرة على الإستجابة لحقوق المتعاملين معها، سواء الذين يستفيدون من الخدمة أو الذين يعملون لفائدتها، أي الطبقة العاملة، وبالتالي فهذه المنظومة تضم فاعلين يقومان بنفس الأدوار، بينما نموذج بلدان العالم الثالث مثل المغرب يعتبر التنمية مسؤولية الدولة لوحدها، وبالتالي فالدولة هي المسؤولة عن إقامة المشاريع، وعن توفير الخدمات الإجتماعية، وتحقيق التنمية، وهذا التحول الذي نعيشه اليوم أي محاولة إدخال القطاع الخاص كفاعل أساسي في تحقيق التنمية لم يكتمل بعد، لأن القطاع الخاص في المغرب ظل يعول لفترة تاريخية طويلة على الدولة أو ما كان يسمى بالقطاع الخاص الريعي الذي يستند على دعم الدولة، كما أن البعد الإجتماعي وبعد المواطنة لم يترسخ لديه بشكل كبير، وهو ما يجعلنا في نهاية المطاف أمام فاعل وحيد وهو الدولة، والدولة اليوم بالنظر لإمكانياتها المتوفرة غير قادرة على تحقيق التنمية، اذا التجربة الأنجلوسكسونية تعطينا هذا " الخليط " أي الشراكة قطاع عام / خاص، والذي بإمكانه تحقيق نتائج أفضل.