الاثنين 25 مايو 2020
كتاب الرأي

رشيد لبكر: سياسة السدود أبانت عن نجاعتها، لكن المشكل كان في الإسراف والهدر

رشيد لبكر: سياسة السدود أبانت عن نجاعتها، لكن المشكل كان في الإسراف والهدر رشيد لبكر

1- طبعا الوضع مقلق، لأن الماء كما هو معلوم مادة استراتيجية وحيوية ويستحيل العيش بدونها، وغير خاف أنها كانت السبب الرئيسي قديما في قيام الحروب ونسف دول وإشعال فتيل النعرات العصبية بين الشعوب، بل لا نكاد نبالغ إذا قلنا إن الصراع حول الماء كان السبب وراء قيام كل الحضارات الكونية التي عرفتها البشرية منذ بدء الخليقة وإلى اليوم، وكم يلزمنا من الوقت لتعداد الحضارات التي تعاقبت مثلا حول ضفتي دجلة والفرات ونهر الأردن والنيل، بل إن التراث الديني الإسلامي بكل شموخه وعراقته، بني على أساس فكرة الماء. فبوجوده اجتمع الناس حول هاجر وبنيت الكعبة التي أضحت قبلة لله الأولى. إذن فالنقاش حول الماء ليس فكرة مخملية كما يتوهم البعض، بل هو عصب أي تفكير يروم خدمة الناس وتحقيق التنمية وضمان الأمن والاستقرار. المغرب صنف دائما ضمن دائرة الدول الجافة ذات الموارد المائية غير المتجددة باستمرار. طبعا نحن مازلنا بعيدين عن تصنيفنا ضمن الدول  التي تعاني من العطش، وهذا من منة لله على بلدنا، لكننا قد نصل إلى هذا المستوى إذا لم نحسن التعامل مع موجوداتنا المائية، وهذا معناه أن مشكل المغرب ليس في وجود الماء من عدمه، بل في كيفية تدبيره وفي حكامة تصريفه، هذا هو المشكل، نحن نتخبط في مشاكل لا حصر لها، من الهدر والتبذير وسوء الاستعمال والتلوث وغياب الإحساس الحقيقي لدى الغالبية العظمى من الشعب بقيمة هذه المادة وقدرها. وبكل موضوعية أقول، إن ملك البلاد، يمتلك وعيا بهذه الإشكالية، أكثر من جميع الأحزاب، الحاكمة أو التي في المعارضة، حيث خصص خطبا بأكملها لهذه المعضلة وفي كيفية استلهام طرق ناجعة للتعامل معها، إلى أن أعلن عن المخطط الجديد لتدبير هذه المادة والدعوة إلى بناء سدود جديدة، أنا حقيقة، لا ألتمس  لدى المدبرين العموميين نفس الوعي  الذي لدى الملك بهذه القضية، ولو كان هناك وعي حقيقي، لتركت الأحزاب كل صراعاتها السياسوية واللاشعبوية، وركزت صراعها حول استلهام حلول جذرية لما نواجهه من مشاكل قد تهدد تماسكنا الاجتماعي. فعدم حل إشكالية الماء يهدد مجتمعنا بترييف محتمل للمدن وإخلاء شامل لعدد من القرى، وما يستتبع ذلك، من ضرب لمنتوجنا الفلاحي وأمننا الغذائي، لذا أرجو أن تكون سنة 2019 بداية جديدة في تعاملنا مع هذه القضية، بل ومع كل القضايا المصيرية التي تهدد بلادنا، ومنها التلوث والتصحر وغيره، والإقلاع عن التطاحنات السياسوية الفارغة من المضمون والمعنى. لحد الساعة، وحسب الخبراء، الوضع مازال يمكن التحكم فيه، وهذا ما يفسر التحرك الملكي، أرجو أن يعي الجميع ذلك، وينخرط في هذه الدينامية التي تبتغي النجاعة وحسن التدبير وأرجو أن تكون نتائجها إيجابية.

 

2- سياسة السدود أبانت عن نجاعتها ودورها الكبير في حماية عدد من المناطق من الجفاف، ولكن المشكل كما قلت سابقا، كان دائما في الإسراف والهدر وعدم التعامل الناجع مع هذه المادة، وغياب تدابير صارمة تدفع في اتجاه تثمينه وحسن استعماله، سواء على مستوى السياسات العمومية المتخذة أو على مستوى المراقبة، فقد سبق لنا مثلا، أن أشرنا عبر «الوطن الآن»، في مناسبات فارطة، أن مشكلتنا ليست في القوانين والتنظيرات ولكن في كيفية أجرأة وتنفيذ هذه القوانين على أرض الواقع. فسياسة حفر الآبار مثلا، ورغم كل التدابير العمومية التي وضعت، فإن العالم القروي تفنن في «ابتكار» اساليب للتملص من كل هذه التدابير، سواء عن طريق الرشوة أو عن طريق التحايل، ولحد الساعة، مازالت الآبار تحفر بنفس الوتيرة مهددة كل الاحتياطات الجوفية، فضلا عن أن العديد من الزراعات انتشرت دون دراسات حقيقية حول كم استغلالها للماء وهل مردوديتها توازي من حيث القيمة المادية  قيمة ما تستنزفه من مياه، وأقصد بذلك الطماطم والشمام «الدلاح» بالخصوص، الذي أضحى هو الآخر يغطي مساحات شاسعة من الأراضي بأراضي دكالة وشيشاوة، فهل السماح بزراعته بكل هذا القدر جاء بعد الدراسة أم فقط تطبيقا فكرة «دعه يعمل دعه يسير» و«الرزاق لله»، مع أن لدينا تجربة أليمة حددت لنا منذ زمن قريب، ومازلنا نتذكر أثرها، وهي زراعة الموز بأراضي «اشتوكة والولجة» بجهة الدار البيضاء، وكيف دمرت مخزون المياه وحولت أراضي خصبة إلى بور. طبعا أتكلم عن العالم القروي، لأن الفلاحة ببلادنا، تعد المستنزف الأول والرئيسي للموجود المائي، والتي يجب أن يتركز حولها النقاش. وعليه، أنا أطالب، من هذا المنبر، بتدشين حملة افتحاص حقيقية لعمليات السقي الرائجة في العالم القروي، ومن يستفيد منها، وكيف، وبأي ثمن، وما مدى تأثيرها على الفرشاة الباطنية. وأطرح السؤال: ما هي القيمة المضافة لما يسمى بالمخطط الأخضر، وما الذي استفاد منه الفلاح البسيط ولو على مستوى التوعية بمشكل الماء وترشيد نفقاته ومساعدته مثلا على القيام بالزراعات البديلة، لا أعلم حقيقة، وكل ما أعلمه، أن الصبار مثلا «الكرموس» الذي كان يلعب دورا مفصليا في تحقيق التوازن المالي والاجتماعي لعدد من القرى، فضلا عن تحمله للجفاف، أبيد بالكامل على يد حشرة كان من الممكن محاربتها. موت الصبار ضرب في الحقيقة مداخيل أسر وعائلات كانت تعول عليه في تأمين المصروف الدراسي لأبنائها، ولم تبد السلطات العمومية أدنى تحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فالدمار قضى على الأخضر واليابس، ولا أدري ما الذي تنتظره الأجهزة المسؤولة للتدخل ومساعدة الفلاح البسيط على مواجهة الكارثة؟ طبيعي جدا أن يبحث لنفسه عن حلول زراعية بديلة، ويفكر في حفر بئر بأي وسيلة، وهكذا يتكرر مسلسل الهدر في حركة لولبية لا تنتهي.

 

3- كما بدأنا الكلام في أول النقاش، المغرب له مشاكل في تدبير رصيده المائي، لكن الحديث عن أزمة  عطش  مازال سابق لأوانه، وقد لا نصل إلى هذا المستوى بإذن لله، لو تم الوعي بهذا المشكل وأضحى الترشيد ثقافة مجتمعية عامة، وفردية، حيث يحس كل فرد بأن له مسؤولية اتجاه هذه المادة، والحقيقة أن هناك  حلول، منها السياسة الجديدة التي أعلن عنه جلالة الملك السنة الماضية وأرجو أن تعطي أكلها، لو تعامل معها المسؤولون مركزيا ومحليا وقطاعيا بالأهمية  التي تستحق، ثم هناك فكرة، سبق لي أن عبرت عنه وأعيد تكرارها، وهو نداء موجه للجنة المكلفة بصياغة مشروع النموذج التنموي، الذين نتطلع منهم الإتيان بحلول ثورية، تغير من طبيعة ثقافة البؤس الفكري السائدة، يجب أن نعي بأن بعض من اختياراتنا التنموية كانت خاطئة منذ البدء، راهنا على القطاع الفلاحي والحال أننا بلد فقير من الناحية المائية وحتى من ناحية جودة التربة، فكيف يمكن المراهنة عليها لتحقيق النهضة الاقتصادية، هذا توجه يجب تصحيحه، ونموذجنا القادم، يجب أن يقدم حلول للتعامل الواقعي والموضوعي مع القضية المائية، فلا يسمح بالفلاحة إلا في الحدود الذي يسمح بها المخزون المتوفر، حسب المناطق والمزروعات المناسبة، وبالمقابل يجب المراهنة على الإنسان بالدرجة الأولى، من خلال إصلاح التعليم والاعتناء بالبحث العلمي والصناعي هذا في نظري أول هام، وثان هام، يجب التفكير في طرق أخرى لمراقبة كيفية إنزال القوانين، لأن الواقع، يخبرنا بأن التسيب في التعامل مع مصادر هذه المادة مازال سائدا، ويجب بالتالي محاربته بقطع دابر الفساد والحد من منطق الريع وإقرار عدالة فلاحية حقيقية، تراعي مصالح الأرض والساكنة على حد السواء.

 

- رشيد لبكر، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بسلا، جامعة محمد الخامس بالرباط