السبت 28 مارس 2020
اقتصاد

قراقي : المغرب في حاجة إلى نموذج تنموي يسمح له بمواجهة التحديات المستقبلية الكبرى

قراقي : المغرب في حاجة إلى نموذج تنموي يسمح له بمواجهة التحديات المستقبلية الكبرى عبد العزيز قراقي
في حوار خص به يومية "الأحداث المغربية" قال عبد العزيز قراقي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أنه بدلا من استعمال لفظة  "فشل النموذج التنموي"، يفضل استعمال صيغة أخرى وهي أن النموذج المعتمد بالمغرب قد استنفذ غاياته ومقاصده، وبات من الضروري اعتماد نموذج يسمح للمغرب بمواجهة التحديات المستقبلية الكبرى.
لماذا الدعوة الآن إلى نموذج تنموي جديد؟
عندما حصل المغرب على الاستقلال لم يكن بإمكانه الاعتماد على موارده البشرية وحدها لتسيير أي قطاع، لقد كانت نسبة الأمية ومستوى الفقر تعيق كل المبادرات، نحن نعلم أن الجامعة الأولى لم تحدث إلا في سنة 1957 والمدرسة المحمدية للمهندسين سنة 1959وتطلب الأمر انتظار ثلاث أو أربع سنوات، أي إلى سنوات الستينيات من أجل تخرج أطر مغربية توفر للدولة حاجياتها الحقيقية من الأطر العليا، ونعلم أن الأمر كان يسري أيضا على القطاعات الاقتصادية المنتجة بما فيها القطاع الفلاحي، و نعرف أيضا أن البنية الديمغرافية للمغرب كانت مختلفة تماما عما هي عليه اليوم، واستقرار السكان كان في أغلبه يتمركز بالعالم القروي، ناهيك عن التوسع العمراني، إذ تحولت بعض القرى إلى مدن صغيرة، وتمدد المجال الحضري أمام الإقبال المتزايد على السكن، ليحول الكثير من البوادي المحيطة بالمدن إلى مناطق عمرانية، ولا ننسى التجربة المغربية في مجال اللامركزية، التي أحدثت بالرغم مما قد يقال عنها تراكما و دينامية سياسية على المستوى المحلي، وعلى المستوى السياسي كم كان عدد الأحزاب السياسية؟ وكيف كانت طبيعة المجتمع المدني؟ وعلى المستوى الدولي لم تعد هناك حرب باردة، و ما عاد بإمكان الدول أن تحتمي بالثنائية القطبية، وفي الحدود شمال المغرب لم تعد هناك دولة إسبانيا التي تحكم بشكل ديكتاتوري، بل أصبحت دولة ديمقراطية وفي نفس الوقت هي الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، ومن الناحية الجغرافية فمغرب الأمس ليس هو مغرب اليوم، يبدو لي أن هذه بعض الأمور التي أصبحت تفرض تحديدا جديدا لمنطق ترتيب الأولويات، وبالتالي مقاربة جديدة للتنمية بالمغرب.
ما هي أسباب فشل النموذج التنموي الحالي؟
تأمل معي، عندما ترى أن المغرب اليوم لم يعد يعتمد على الفوسفاط لوحده كثروة طبيعية موجهة نحو التصدير، وأن بنية الصادرات برمتها تغيرت، وترى ارتباط المغرب باتفاقيات تبادل حر مع عدد من الدول بالرغم مما قد يعاب على ذلك من حيث الإعمال، وتقارب عدد الخريجين في كل المجالات، وتطلع على البنيات التحتية التي يتوفر عليها المغرب اليوم في مجالات متعددة، وقدرته على التنافس في مجال استقطاب الاستثمارات في بعض الصناعات الدقيقة، وتقارب مناخ الحياة الآمن بالبلاد، وتطلع على المجهودات التي بدلت على مستوى العلاقات الدولية وارتباط عدد من الاتفاقيات الدولية بالمغرب، وورود تجربته في مجال المصالحة ضمن التجارب المعتمدة في الأمم المتحدة تدرك أن مجهودا كبيرا بدل، في المقابل عندما تلاحظ بطالة الخريجين المتزايدة، والنقص الموجود في المجال الصحي، وطريقة إعادة توزيع الموارد، والتمييز الذي لازال موجودا على مستويات متعددة وصعوبة إعمال المقاربة الحقوقية، والتفاوت الموجود بين القرى والمدن تدرك أن هناك عجزا موجودا في مجال التنمية، ولكن لا يسمح بالقول بالفشل ذلك أن صفة الفشل في حالة تبنيها تفيد أنه لا شيء قد تحقق، ولهذا لا أتبنى الطرح الذي يقول بأن النموذج التنموي المغربي قد فشل، وأفضل استعمال صيغة أخرى وهي أن النموذج المعتمد قد استنفذ غاياته ومقاصده، وبات من الضروري اعتماد نموذج يسمح للمغرب بمواجهة التحديات المستقبلية الكبرى.
كيف تقيمون تشكيلة لجنة النموذج التنموي المعينة؟
عندما تكون مدربا في كرة القدم أو إحدى الرياضات الجماعية يكون هاجسك هو الفوز، وبالتالي فأنت الذي تختار من يلعب ومن يجلس في كرسي الاحتياط، وأكيد لن تجد إلا القليل من بين المتفرجين أو المدربين من يناصر اختياراتك، ولهذا لو سألت المغاربة جميعا لما أجمعوا لك على لجنة واحدة، ولا اختار كل منهم انطلاقا من قناعته من يراه مؤهلا للتواجد ضمنها، وأستعير في هذا المجال مقولة من أستاذ علم السياسة الفرنسي جان ماري دانكان ورد فيها أن " السياسة هي إمكانية الاختيار دونما إقناع الجميع بنجاعة الحل" ما يهمني شخصيا في هذه التشكيلة هي أمور ثلاثة أولها أنها تتكون من مغاربة، ثانيها أن الكثير منهم من خريجي الجامعة المغربية، وثالثها أنها انفتحت على المغاربة المقيمين بالخارج، وما يهمني أكثر هو ما ستنتجه من وثائق قد تحدد الاختيارات الكبرى والأساسية في مجال التنمية بالمغرب، فالأمور بخواتمها كما يقال.
كيف تقرؤون مقترحات الأحزاب؟
قدمت الأحزاب مجموعة من الأفكار المؤطرة انطلاقا من مرجعية كل حزب على حدة، والتي يبدو لها أنها تصلح كمرتكزات ينطلق منها أو يستند عليها النموذج التنموي المرتقب، وبالتالي فلا يمكن أن تقدم الأحزاب نموذجا يحظى بالإجماع، ثم إن إمكانياتها في هذا المجال تبقى جد محدودة، نحن نعرف أن الأحزاب السياسية بناء على المادة الثانية من القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية تشتغل في مجالات محددة، وهي التأطير والتكوين وتعزيز الانخراط في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام والتعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة، ثم إن الكل يعرف أن الأحزاب السياسية المغربية تفتقر إلى مراكز للتفكير الاستراتيجي قادرة على تمكين الحزب من استراتيجيات ومخططات وبرامج، ولعل هذا هو ما دفع الدولة مؤخرا إلى الزيادة في الدعم المالي للأحزاب السياسية، من أجل الرفع من قدراتها على هذا المستوى. من من الأحزاب انتدب وفدا من أنتلجنسيا الحزب لمرافقة المسؤول عن الحزب والتفاعل مع أعضاء اللجنة؟ هل كان من بين أعضاء الأحزاب التي قابلت اللجنة متخصصون في علم الاجتماع أو الاقتصاد أو التكنولوجيات الحديثة أو مهندسون، لا أظن ذلك. ولكن على العموم الاستماع للأحزاب السياسية يبقى أفضل من تجاهلها على الأقل سيخفف هذا من حدة النقد فيما بعد.
يلاحظ انه يغلب عليها العمومية وأحيانا الصيغ الإنشائية؟
دعني أطرح سؤالا يبدو لي ضروريا وهو كالتالي: هل فكرت اللجنة منذ البداية في الاستماع إلى الأحزاب السياسية، أم أن المسألة تم التنبيه إليها بعدما شرعت بعض الأحزاب في انتقاد اللجنة، فإذا كان الأمر قد تم من أجل إرضاء الأحزاب وإسكاتها فيبدو لي أنه فقط مضيعة للوقت، وإذا كانت الغاية منه هي الاستئناس بآرائها وأفكارها فأظن أن الطريقة لم تكن موفقة. ذلك أن كل الأحزاب السياسية المغربية تتوفر على وثائق وبرامج انتخابية وتقارير إيديولوجية قراءتها كانت تكفي وتغني عن لقاءات الغاية منها تواصلية أكثر من أي شيء آخر، وإلا فإن اللجنة يجب أن تستقبل أيضا كل فعاليات المجتمع المدني، ومختلف الفاعلين، وهذا إذا حدث فإنها ستصبح في حاجة إلى سنوات وليس لشهور من أجل تقديم تصورها، وأظن أن الاعتماد على وثائق الميزانية منذ الاستقلال إلى الآن وتقارير بنك المغرب، وما تصدره المندوبية السامية للتخطيط، والمخططات التي تبناها المغرب بما في ذلك المخطط الأول أو ما يسمى بمخطط حكومة عبد الله إبراهيم الذي سرعان ما تم استبعاده قد تفيد في عملية التشخيص أكثر من أي شيء آخر.
هناك انتقاد يقول انها لم تجب عن السؤال الجوهري في النموذج وهو كيف يمكن خلق الثروة؟
يذكرني هذا السؤال ــ إن طرح بالفعل ـــ بممارسة كنا نعيشها في الصغر مع فقيه الكتاب، إذ كان كلما أراد أن يعاقب قدامى التلاميذ، يطلب منهم البقاء بعدما ينصرف الجميع، ويطلب منهم استظهار بعض السور التي يتعلمها التلاميذ عند ولوجهم لأول مرة الكتاب، وبسبب النسيان ووقع المفاجأة، فقلما كنا نوفق، والنتيجة بطبيعة الحال كانت معروفة، ولهذا أتصور أن يأتي زعيم حزب فيطرح عليه سؤال، كيف يمكن خلق الثروة؟ فلا شك أن الكلام الذي يقول لن يكون مقنعا لأحد. إن سؤالا مثل هذا يتطلب التفكير الملي وفحص الكثير من الوثائق والاطلاع على التجارب المقارنة... ولهذا فإن طرحه لن يأتي بما يفيد ماعدا إذا أخبر الحزب قبل اللقاء بالمحاور التي ستتم مناقشتها.
يلاحظ أيضا تضخيم في المدخل السياسي وإقحام نقاش القيم؟
هذا أمر طبيعي بالنسبة للأحزاب السياسية، اللجنة طلبت أن تستمع إلى آرائها وأفكارها أي بتعبير آخر إلى خطابها السياسي، الذي هو بصفة عامة تمجيد للذات، وينتقد الآخر ويسقط عليه كل الأوصاف السلبية، ويوظف منظومة القيم التي يتقاسمها مع المجتمع لأنها هي التي تعزز مشروعية الوجود، ولهذا فإن هذا الأمر لا يثير أي استغراب. بل بالعكس كان سيبدو من الغريب أن لا يتحدث مثلا حزب الاستقلال عن التعادلية وأن لا تتحدث أحزاب الكتلة الاشتراكية عن الاشتراكية وأن لا تشير الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية للإسلام وأن لا يشير الاتحاد الدستوري إلى الليبرالية.