الجمعة 21 فبراير 2020
مجتمع

الدكتور المدرعي: وزراء البيجيدي ومنتخبيه فاشلون استلذوا الريع وجعلوا المدن تكتوي بالنار

الدكتور المدرعي: وزراء البيجيدي ومنتخبيه فاشلون استلذوا الريع وجعلوا المدن تكتوي بالنار العثماني رئيس الحكومة(يمينا) والدكتورعلي المدرعي

في حوار لجريدة "أنفاس بريس" مع الفاعل الجمعوي الدكتور علي المدرعي حول أسباب فشل وزراء البيجيدي في تدبير الشأن الوطني، وانعكاس ذلك على مسؤولياتهم في تدبير الشأن المحلي بالمدن الكبرى، كشف المدرعي على عدة عوامل مرتبطة بهذا الفشل الفظيع، وشخص بجرأة المتتبع أسباب ذلك مستندا على نماذج وأمثلة تصرخ في وجه الفاعل السياسي الذي يخلط بين المسؤوليات المؤسساتية و السياسية والدينية لمراكمة الريع.

 
++ بصفتك متتبعا للشأن الوطني هل الشواهد والديبلومات تصنع شخصية الوزير ؟
من المعلوم أنه في كل التجارب الديمقراطية في العالم أن الشواهد الجامعية لا تعني القدرة على التسيير والتدبير. أن تكون أستاذا جامعيا لا يعني أنك تستطيع تدبير وزارة التعليم العالي، كذلك لا يعني أن تكون طبيبا فإنك قادر على تدبير قطاع الصحة، أو أن تكون مهندسا فلاحيا فأنت قادر على تدبير وزارة الفلاحة، أو يكفي أن تكون حاصلا على دكتوراه في الفيزياء النووية وتسند لك مهمة تدبير محطة نووية. فالجامعات تمنح الشواهد ولا تمنح العقول كما يقال، وهذا اتضح جليا في جميع القطاعات التي يسيرها حزب العدالة والتنمية.
++ في اعتقادك أين يكمن المشكل على مستوى أزمة تدبير الشأن الوطني والمحلي؟
الحقيقة هي، أن هناك أزمة كفاءات داخل جميع الأحزاب السياسية وهو ما كشفه سوء تدبير جل القطاعات بالمدن الكبرى، ويمكن أن نستشهد هنا بمشاريع الحسيمة كنموذج، وكذلك يمكن الاستشهاد بتجربة الجهوية المتقدمة، لقد تكرر نفس المشكل، حيث لاحظنا أن هناك بطئ وتخبط في المشاريع التي يسهر عليها رؤساء الجهات بالمملكة والتي دشنها الملك. فالمشكل لا يرتبط بالقانون التنظيمي للمؤسسات المنتخبة، ولكن المشكل مرتبط بالكفاءات بجميع القطاعات الحكومية. 
++ كيف يمكن لك تشخيص الوضع المتردي لجل القطاعات الحكومية أفقيا وعموديا؟
بالنسبة للحزب الأغلبي الذي ترأس الحكومة مدة عشر سنوات أعتقد أن الأمر لا يتجاوز المشكل الإداري وليس السياسي من خلال البرامج والتدابير الاقتصادية والاجتماعية التي تستجيب لنبض الشارع وتحاول أن تدبر الأزمة الخانقة والتذمر الشعبي الذي يتفاقم يوما بعد يوم. والجواب السياسي على هذا الوضع المتردي جاء من المؤسسة الملكية، و هو قرار خلق لجنة النموذج التنموي الجديد المكونة من التكنوقراط وهي إجابة واضحة وصريحة على كل الذين يحتاجون إلى دليل على ما قلناه سابقا.
 ++ ماذا يعني لك خلق لجنة لإعداد نموذج تنموي جديد ؟
هذا يعني عجز الحكومة على القيام بمهامها، فعدد التكنوقراط المتواجدين ضمن تشكيلة الحكومة، هو دليل على قصور الحكومة الفظيع . ويمكن أن نسوق هنا مثال صارخ تجلى مؤخرا في سلطة وزير المالية داخل الحكومة حيث أضحت الحكومة برأسين لرئاستها.. سعد الدين العثماني كرئيس حكومة معين باسم الدستور، ليدبر ما هو إداري فقط. و انكشف فيها نفوذ وزير المالية  الذي تابعنا كيف مارس سلطته على رئيس الحكومة بعد إسقاطه لقانون إعفاء الدخل من الضريبة بالمؤسسة التشريعية، وإجهازه على مكاسب اجتماعية ترتبط بالمتقاعدين.
++ كيف تقيم فشل تجربة تسيير المدن الكبرى بالمغرب؟
بالنسبة لتجربة تسيير المدن الكبرى فقد سجل المتتبعون لتدبير الشأن المحلي تفشي جميع الظواهر السلبية وتجميد الملفات والمشاريع..والأمثلة مختلفة سواء تعلق الأمر بقطاع النقل أو تدبير قطاع النظافة والنفايات والبيئة ، أو حتى في خلق مرافق ثقافية ومساحات خضراء إلى غير ذلك من البنيات الاستقبالية (سجل المتتبعون) أن هناك إشكالات عديدة وعجز وقصور في تسيير هذه المدن وإيجاد حلول لمشاكل ملفاتها.
إن مدينة أكادير التي كانت رمزا للنظافة والتألق كمدينة سياحية كبيرة لاحظنا خلال زيارتنا المتكررة لها، أن هناك ترييفا متعمدا للمدينة، لأول مرة يقتحم الباعة الجائلين فضاءات الاصطياف والمشردين والمتسكعين وسيطرتهم على كورنيش مدينة أكادير أمام السياح الأجانب والمغاربة وأصبح الوضع مزريا ومقلقا، مما خلق استياء وسخطا عارما في أوساط المواطنين وسائقي طاكسيات الأجرة الصغيرة الذين عبروا عن تدمرهم مما تعرض له المدينة من تراجعات خطيرة على جميع المستويات. دون الحديث عن تفشي ظاهرة المرشدين السياحيين المزورين الذين ينتحلون صفة مرشد ويضايقون السياح الأجانب، هذه الظواهر السلبية لم تكن تعرفها مدينة أكادير نهائيا قبل حكم البيجيدي وأصبح المواطن المغربي يتألم بفعلها .
++ هل هذا الفشل راجع إلى ضعف الكفاءات أم أن هناك أشياء أخرى تسحق المعالجة؟
 من المؤكد أن ضعف الكفاءات داخل الأحزاب السياسية وخصوصا داخل حزب العدالة والتنمية عامل أساسي في هذا الفشل، لكن هناك عامل أخر يتعلق بازدواجية المهام وتراكمها. وهنا نتساءل كيف لمسئول مثلا في مدينة القنيطرة (يقصد الوزير الرباح) عجز عن حل مشكل واحد وهو مشكل النقل الحضري، أن يسير كذلك بالتوازي قطاع حكومي مهم وهو قطاع الطاقة والمعادن؟ 
اعتقد أنه من بين الأمور التي يجب أن تعكف عليها لجنة النموذج التنموي الجديد وهي حالة التنافي، فالرجل الذي سيسير مدينة كبيرة مثل الرباط أو الدار البيضاء أو طنجة أو مراكش أو أكادير... من المفروض عليه أن يتفرغ للمدينة، لا يمكن له أن يكون برلمانيا ورئيس مجلس مدينة ورئيس أو عضو جهة ،وعمدة وقيادي حزبي، على اعتبار أن ازدواجية المهام والمسؤوليات ليست إلا من أجل مراكمة التعويضات المتعددة على المهام، والامتيازات الكثيرة بالملايين حيث تجعل المسؤول في غنى عن تتبع ملفات تلك المسؤوليات والمهام..
++  ما هو الحل لتجاوز هذه العوامل؟    
 أعتقد أن مسألة ازدواجية المهام يجب أن تضع لها لجنة النموذج التنموي حدا بواسطة القانون والتشريع من خلال إصدار توصية تؤكد على حالات التنافي، حتى تضح المسؤوليات ومحاسبة كل مسئول عليها، يجب على من يمارس مهمة برلماني أن يظل برلمانيا ومن يمارس مهمة وزير أن يبقى وزيرا والعمدة ورئيس الجهة يكتفي بمهمته وهكذا دواليك.. لأن هذا يعتبر إشكالا جوهريا ومن بين الأسباب الرئيسية التي تربك عمل المسئول، على الأقل نقلص العبء من المسؤوليات حتى يتفرغ المسئول لمهمته النيابة والوزارية والمؤسساتية .
++ يقول المغاربة "من الخمية خرج مايل" هل تخضع مساطر اختيار الوزراء والمسئولين للمناصب المؤسساتية للديمقراطية الداخلية ومنطق الكفاءات ؟
في الديمقراطيات العريقة عند اختيار وزراء الحكومة تخضع الإطارات لمساطر التنافس حول الأفكار و المشاريع و الإبداع بالنسبة لكل القطاعات ذات الأولوية الحكومية وغيرها، بحيث تجد المنافسة تشتد بين المرشحين على مناصبها من خلال إقناع الرأي العام بأفكارهم ومشاريعهم داخل هيئاتهم السياسية.. في حين أن الأحزاب المغربية تحتكم لاختيار العقل المدبر للحقيبة الوزارية للصراعات والزبونية والمحسوبية بحيث أن المناصب في القطاعات تخضع للولاءات و تتطلب قوة و نفوذا والتحكم في لوبيات للضغط داخل الهيئات التقريرية في الحزب السياسي. لذلك يتم تغييب قيمة الكفاءة والفكر والمشاريع والبرامج والقدرة على الإقناع... الأخطر من ذلك يمكن لمعالي الوزير أن يفاجئ في آخر لحظة بإسناد قطاع دون علمه ولم يحلم حتى في النوم أنه سيتقلد منصبا وزاريا بهذا القطاع أو ذاك حيث يتم ذلك بمنطق "لوزيعة" التي كانت تخضع لبعض القوانين والعرف حسب التقاليد في الثقافة الشعبية المغربية. الخلاصة أن إسناد المسؤوليات والمناصب في المغرب لا يستحضر الكفاءة نهائيا وهذا هو عمق الإشكال في المغرب.