السبت 7 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

يوسف لهلالي: النقاش حول كراهية الإسلام يمزق الفرنسيين

يوسف لهلالي: النقاش حول كراهية الإسلام يمزق الفرنسيين يوسف لهلالي

الاحتجاج ضد كراهية الإسلام يفرق الفرنسيين بين مؤيد ومعرض للمشاركة في التظاهرة التي نظمت بباريس يوم الأحد 10 نوفمبر 2019، للاحتجاج ضد كراهية الإسلام "الإسلاموفوبيا"، قسمت المجتمع السياسي الفرنسي بين مؤيد ومعارض لهذه التظاهرة ولأهدافها. لكن ما يثير المتتبع هو تنوع واختلاف المقاطعين أو المناهضين لهذه التظاهرة، والتي ناهضها اليمين المتطرف وزعيمته مارين لوبين، التي اعتبرت أن "كل من يشارك في هذه التظاهرة هم شركاء للإسلاميين"، وتضيف أنهم "يدفعون في بلدنا إلى أيديولوجية استبدادية تهدف إلى محاربة قوانين الجمهورية الفرنسية". لكن ما يثير الدهشة هو بعض أحزاب اليسار التي كانت على نفس الخط السياسي في مقاطعة هذه التظاهرة، خاصة القيادة الحالية للحزب الاشتراكي باسم الدفاع عن اللائكية. وهو تحالف غريب بين أطراف متناقضة أيديولوجيا، لكن يجمعها الخوف من الإسلام بفرنسا أو كل عملية تضامن مع مسلمي فرنسا والخلط بين اللائكية التي تعني حياد الدولة والكراهية الموجهة ضد ديانة معينة.

 

والتظاهرة حتى بعد تنظيمها مازالت مثيرة للجدل، خاصة أن بعض الأطفال كانوا يحملون نجمة خماسية وصفراء، وهو إيحاء للاضطهاد الذي تعرض له اليهود من طرف النازية والتي كانت تجبرهم على حمل النجمة السداسية؛ شعارات مثل "عنصرية الدولة الفرنسية" التي تحفظ عليها زعيم الخضر بانيك جادو.

 

كيف بدأت هذه التظاهرة؟ وكيف بدأت الدعوة إليها وذلك من طرف شخصيات ومنظمات متعددة في الفاتح من نوفمبر بيومية ليبيراسيون، ودعا اليها الحزب "الجديد المناهض لرأسمالية" ورابطة مكافحة الإسلاموفوبيا في فرنسا، والتي دعت الى تظاهرة بباريس وأخرى بمدينة تولوز. وجاءت هذه التظاهرة على إثر  الاعتداء على مسجد ببايونا (جنوب غرب فرنسا) والذي تبناه يميني متطرف والذي أسفر عن إصابة شخصين بجروح خطيرة. وكان هدف التظاهرة هو "الكف عن الخوف من الإسلام" والكف عن المزايدة على المسلمين الذين أصبحوا ضحايا تمييز واعتداءات، وكان أخطرها الاعتداء على مسجد بايون؛ والهجوم اللفظي الجارح الذي قام به ممثل لليمين المتطرف بأحد المجالس الجهوي بورغون فرانش كونتي لسيدة كانت تصاحب التلاميذ وترتدي حجابا على رأسها. وهو ما يعني الدعوة إلى الحقد التي يقوم بها عدد من الإعلاميين مثل إيرك زمور. وهده الاعتداءات وهذا الميز عكسته تقارير صادرة بفرنسا آخرها استطلاع  لمعهد ايفوب.

 

والجدل حول الحجاب والعلمانية قسم الفرنسيين حول الموقف من المشاركة في هذه التظاهرة لإدانة الاسلاموفوبيا بفرنسا، ومن اعتبر أن هذه التظاهرة طائفية أو تريد منع انتقاد الديانة الإسلامية.

 

فرنسا اليوم تنظم أكبر عدد من المسلمين بأوروبا الغربية والذين يشكل عددهم حسب بعض الإحصاءات الرسمية بنسبة 7.5 بالمائة من عدد السكان، والتي تضم أيضا أحد أكبر الأحزاب اليمينية المتطرفة، وهو حزب الرابطة التي تتزعمه مارين لوبين، بالإضافة إلى أن فرنسا تضم أيضا عدد من الإعلاميين والمفكرين المختصين في معاداة الإسلام، الذين يدعو بعضهم الفرنسيين إلى الاستعداد للحرب ويدعون إلى الكراهية، وفي نفس الوقت يتم استقبالهم في أكبر وسائل الإعلام الفرنسية مثل أريك زمور، فينكيل كروت ورونو كامي، وغيرهم من الذين تمت إدانة أغلبهم من طرف القضاء بالتحريض على الكراهية، بل إن نظرياتهم العنصرية، والتي تدعو الى الكراهية تم تبنيها من طرف أكبر المجرمين المنتمين إلى المجموعات النازية الجديدة، بل إن مرتكب مذبحة نيوزيلاندا لم يتردد في الكتابة عن تأثره بنظرية الاستبدال الكبير للفرنسي رونو كامي، دون أن يحدث له أي شيء ولو مجرد استدعاء بسيط من طرف القضاء. بل إنه  بعد مجزرة كرايتس تشيرتش النيوزيلندية، صرح منظر العنصرية بفرنسا رونو كامي أن من قام بهذا العمل هو مختل ولا علاقة له بأفكاره، رغم ان منفذ العملية ترك رسالة يتحدث فيها عن نظريته وتأثره بها.

 

فرنسا اليوم بسبب فتح اعلامها لمنظري اليمين العنصري والذين يدعو بعضهم إلى العنف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ضد الأقلية المسلمة بهذا البلد، هي جد مسالمة مع هذه التيارات العنصرية، التي بدأت فيها الكلمات التي تروج في الإعلام تؤذي إلى العنف، كما حدث بمسجد بايون بالجنوب الغربي بفرنسا، بالإضافة الى الاعتقالات التي قامت بها الشرطة والتي مست مجموعة إرهابية من الفرنسيين كانت تخطط للهجوم على مسلمي فرنسا.

 

فرنسا وطبقتها السياسية وذاكرتها الجماعية لها مشكل تاريخي مع الإسلام والسكان المنحدرين من هذه البلدان والمهاجرين الذين أصبح جزء كبير منهم فرنسيا. ولفهم ما يحدث اليوم بفرنسا في تعاملها مع الإسلام بصفة عامة، يجب العودة إلى كتابة العديد من المؤرخين الفرنسيين، مثل بسكال بلانشار، لفهم هذه الإشكالية، التي يقول إنه "لا بد من العودة بالفرنسيين إلى مرحلة الحرب الصليبية، وتكون مخيالهم الجمعي، وكذلك إلى الحرب الكولونيالية بالبلدان ذات الثقافة أو الديانة الإسلامية خاصة حرب الجزائر."

 

ماجد مسعودين، وهو عضو لحزب يساري منتخب بضاحية باريس سان دوني، صرح لوكالة الأنباء الفرنسية أنه اليوم "تم تحالف ضد التظاهرة بين الحزب الاشتراكي والتجمع الوطني وحتى الحكومة، الذين وقفوا جميعا ضد المسيرة المناهضة  للعنصرية".. هذا التحالف المثير ضد هذه المسيرة التي دعت إلى الكف عن معاداة الإسلام، لا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى تاريخ فرنسا، كما يقول بسكال بلانشار، والتي لا يزعج المسؤولين عن إعلامها رغم احتجاج بعض الصحفيين استضافة إعلاميين ومفكرين يقومون بالدعوة للعداء للإسلام والمسلمين بفرنسا باسم تأويل خاطئ لمبدأ العلمانية. هذه الدعوات التي بدأت بالكلمات، وبدأت تنجم عنها هجومات عنيفة ضد الأقليات المسلمة بأوروبا.