الاثنين 11 نوفمبر 2019
كتاب الرأي

جمال المحافظ: قانون الصحافة " المبني للمجهول"

جمال المحافظ: قانون الصحافة " المبني للمجهول" جمال المحافظ، باحث في الاعلام والاتصال
إن الدساتير المغربية التي جاءت بعد ظهير الحريات العامة سنة 1958 قد كرست فلسفته بوضوح وقوة، ولم تزد عنه شيئا . كما أن النصوص القانونية التي عدلته " فعلت في أجنحة حرية الصحافة فعل المقص في ريش الطائر الجميل، حيث لم يترك له إلا حرية المشي على الأرض، ومنعته من التحليق في الأجواء، فربما كان ذلك لربطها بالواقع المعاش من أجل التمتع بامكانية تتبع حركاتها، حسب ما يسمح به بعد النظر البشري الذى لم تمتعه به الطبيعة، بالقدرة على اختراق الأجواء البعيدة، بهذه العبارات يصف الأستاذ الجامعي محمد الادريسي العلمي المشيشي واقع حرية الصحافة في مؤلفه " المبني للمجهول " (ص 239)، في اشارة الى قانون الصحافة، ويكون من المفيد جدا استحضار ذلك على بعد أيام قليلة من الاحتفال باليوم الوطني للاعلام والاتصال ( 15نونبر ) الذى يشكل مناسبة للوقوف على وضعية الصحافة والصحافيين والتحديات التي تواجهها السلطة الرابعة.
واعتبار للعلاقة الجدلية القائمة بين حرية الصحافة من جهة والقوانين المنظمة لهذه الحرية من جهة أخرى، يمكن تقسيم مسارات هذه النصوص المؤطرة الى مرحلتين رئيستين: مرحلة الحماية ومرحلة ما بعد الاستقلال، فالأولى اتسمت بكثير من التشدد والصرامة، في ميدان حرية التعبير عن الرأي سواء في ما يتعلق بحرية التنظيم أو التجمع أوالمظاهرات آو الطباعة، حيث أن هده الحريات الأساسية لم تكن متاحة، إلا لأقلية من الأوروبيين خاصة الفرنسيين، إذ باشرت السلطات المحتلة بعد مرور سنتين من فرض الحماية، على تقنين الصحافة بإصدار ظهائر في هذا الشأن سنوات 1914، 1920، 1936، 1937.
فهدف السلطات الاستعمارية من سن هذه التشريعات الوجرية، كان يرمى الى منع تأسيس صحافة ذات نزعة وطنية، وامتدت هذه المضايقات إلى صحافة الأحزاب الإشتراكية الفرنسية نفسها، لكن رغم ذلك تعاطى عدد من المغاربة في خضم الصراع مع السلطات الاستعمارية مهنة الصحافة، بدون التوفر على تكوين أو حتى سابق تجربة في هذا الميدان
لقد أضفى هؤلاء المغاربة على نشاطهم الصحفي، لونا سياسيا بربطه بالعمل الوطني في توجه يعارض الصحافة المساندة للإحتلال الفرنسي، والمؤيدة لسياسة التمييز الاستعماري. إلا أن هذا الوضع وكذا الضعف التقني لصحف الحركة الوطنية، حال على ما يبدو دون ظهور صحافة وطنية بالمعنى الحقيقي للكلمة، ونمت مع ذلك التجربة الصحافية المغربية في ظل بيئة تنعدم فيها شروط الحق في ممارسة حرية التعبير والصحافة.
وهكذا كان التشريع الإعلامي في عهد الحماية، تشريعا سمته الرئيسة خدمة الإستعمار ومحاربة نشوء حركة صحفية وطنية، وبالمقابل التشجيع على احداث صحافة " تكون مسايرة ومكملة للدور الذى يقوم به العسكري والراهب والطبيب والإداري. أما على المستوى المهني فقد تميز خلال هذه الحقبة بصراع حاد بين صحافة استعمارية "محترفة" وأخرى وطنية ناشئة.
وبعد الاستقلال، يلاحظ أن المغرب خطا خلال سنتي 1957 و1958، خطوتين هامتين في محاولة لترسيخ الديمقراطية وتعزيز حرية التعبير، كانت أولهما تأسيس المجلس الاستشاري في حين تتمثل الثانية في صدور ظهير الحريات العامة في 15 نونبر 1958، الذي عكس إرادة في توفير إطار يضمن التعددية.
وفي هذا الصدد كرس ظهير 1958 حرية الصحافة والنشر، في مدونة للحريات العامة، من خلال التصيص ضمان حرية الصحافة ومغربتها واستقلاليتها، الا أن التعديلات التي أدخلت على قانون الصحافة فيما بعد، كانت تسيير في طريق تقييد حرية الصحافة". إلا أن دستور 1962، أقر مبدأ حرية التعبير بشكل لارجعة فيه، وتجسد ذلك في ما نصت عليه ديباجة أول قانون أسمى، التى نصت على التزام المملكة بالمبادئ والإلتزامات المترتبة عن مواثيق الهيئات الدولية، خاصة منها حرية الرأي والتعبير.
غير أنه قبل اقرار أول دستور، أدخلت عدة تعديلات سلبية على ظهير الحريات العامة، كان من نتائجها المباشرة توقيف جريدة "التحرير" من دجنبر 1959 الى نونبر 1960. فهذه التعديلات جرت في ظل أجواء طبعها الإحتقان السياسي حيث ستتقوى إجراءات الزجر الوقائية المتعلقة بجرائم الصحافة، باصدار ظهير 28 ماي 1960 الذى شرع لأول مرة للتوقيف الإداري للصحف الذى شكل خطورة كبيرة على حرية الصحافة، ومساسا بأسس دولة الحق والقانون، ووضع حرية التعبير تحت الحجز وتحت رحمة السلطة الإدارية وبعدها أدخلت على نفس القانون تعديلات 10 أبريل 1973 التي مست قانون الحريات العامة مما اعتبر جنوحا نحو تشديد العقوبات الحبسية في اتجاه التقييد والزجر، بدل تنظيم العمل الصحفي.
ولئن انخرط المغرب منذ الاستقلال في محاولة بلورة اطار قانوني للإعلام، ومنها القوانين الأولى للصحافة التي صدرت بتوجهات ليبرالية، فإنه على الرغم من المتغيرات المتعددة التي طالت الترسانة القانونية في مجال حرية الرأي والتعبير الى المرحلة الراهنة، فإن الصحافة والاعلام ظلا مع ذلك - وإن بدرجات متفاوتة – وسيلتان أساسيتان في الصراع السياسي، والموقف من الصحافة، تأرجح ما بين تقييد وتوسيع حرية التعبير.