الأحد 15 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

عمر أربيب: هناك من يعتبر دعم الدولة للأحزاب السياسية رشوة لشراء صمتها وضمان ولائها للسلطة

عمر أربيب: هناك من يعتبر دعم الدولة للأحزاب السياسية رشوة لشراء صمتها وضمان ولائها للسلطة عمر أربيب

دعم الدولة للأحزاب السياسية بالمغرب لا علاقة له بفرز الكفاءات، إنه مجرد تمويل تفرضه عملية التأطير في صفوف المواطنين والمواطنات ودمجهم في الحياة الحزبية، وكأن الدعم غير قانوني إلى درجة أن هناك من اعتبره رشوة لشراء الأحزاب وضمان ولائها للسلطة. ورغم أن الدعم أصبح مؤسساتيا، حيث تستفيد الأحزاب من تمويل لفائدة إعلامها، وآخر للحملات الانتخابية، وعدة امتيازات أخرى كتمويل ملتقياتها ومؤتمراتها. كل هذا يدخل في نظري في مجال التأطير والتكوين الحزبي.

 

أما الكفاءات فهي نتاج لعوامل متعددة ومتداخلة مرتبطة بالممارسة السياسية، وتوسع دائرة الاهتمامات بالشأن العام واكتساب الخبرة في مجالات محددة. الكفاءة في مجال التسيير والتدبير السياسي، ووضع الخطط والاستراتيجيات في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لا تلقن إنها عملية تراكمية واستيعاب للواقع وقراءة موضوعية للمحيط الداخلي والخارجي، والقدرة على استنباط الحلول الممكنة. إن الكفاءة التي أصبحت موضوع الحديث اليوم تهم تحمل المسؤولية في الحكومة، وتظهر لذا الكثيرين أكثر التصاقا بالتكنوقراط، والواقع أن هذا ما يفرغ العملية والسياسية من مضامينها، كما أنه مؤشر على تبخيس دور الأحزاب والمؤسسات المنبثقة عنها، كالبرلمان والحكومة.

 

في مجال السياسية وممارسة الشأن العام، فالكل يبنى على البرامج ويجب أن يخضع للمحاسبة، إضافة إلى التداول حول ممارسة السلطة، وهذه هي الأدوار الحقيقية للأحزاب. فالاقتصار على التكنوقراط معناه استبعاد المحاسبة السياسية عبر الانتخابات، وتجريد المواطن من حقه في مراقبة العملية السياسية ومحاسبة المنتخبين، إنه بكل اختصار إضعاف للعمل الحزبي وقتل السياسة، أو على الأقل تحويلها إلى فعل بدون مضمون ديمقراطي أو تشاركي.

 

إن فرز الكفاءات ممكن، بل هناك أطر سياسية متمكنة ومتمرسة، ونخب قادرة على الفعل والإنتاج، لكن الغائب هو التدبير الديمقراطي وتحكم السلطة في دواليب العملية السياسية وتدخلها بشكل مباشر في تأسيس أحزاب سياسية موالية وإضعاف أخرى. ويبقى الدعم المالي سواء العلني أو المضمر، أحد أوجه تدخل السلطة في تنميط الأحزاب وكسب ولائها. كما أن خطاب السلطة يتجه إلى إضعاف الأحزاب مقابل خلق ما يسمى المجتمع المدني ومحاولة إشراكه في مجالات التنمية وخلق ما يسمى النخب المحلية أو نخب القرب، إلا أنه في الواقع تم خلق شبكات انتهازية تعيش على الريع وتستفيد من المال العام دون أن تقدم أية خدمات للمجتمع.

 

وأخيرا فإن الكفاءات لا تقاس بالشواهد، ولكن بالخبرة والتمرس والمعرفة الحقيقية وبإتقان فن السياسة والتشبع بخدمة المرفق العام والنزاهة والشفافية. فالتدبير السياسي يكون منتجا وأكثر مردودية إذا كان مقرونا بالبرنامج وبالمراقبة والمحاسبة، فتدبير وتسيير شؤون الدولة ليس هو تدبير المقاولات. وعبر التاريخ السياسي، فالأحزاب والصراع السياسي المبني على تعدد المقاربات والاختلافات والتداول على السلطة، كان هو محرك إنتاج الكفاءات السياسية. أما باقي الكفاءات في المجالات العلمية والتقنية، فهذا مجال أخر وموضوعة مرتبطة بالسياسات التعليمية والبحث العلمي وتشجيع الابتكار، وهذا بدوره نفتقده اليوم.

 

- عمر أربيب، عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان