الأحد 20 أكتوبر 2019
مجتمع

حكم فريد.. عندما يُفسَّرُ الشك لصالح المتهم في قضايا المخدرات

حكم فريد.. عندما يُفسَّرُ الشك لصالح المتهم في قضايا المخدرات المحكمة الابتدائية بالخميسات

أصدر القاضي ياسين عينيبة القاضي بالمحكمة الابتدائية بالخميسات، مؤخرا، حكما فريدا في إحدى قضايا الاتجار في المخدرات، حيث استبعد اعتراف أحد المتهمين في محضر الشرطة بتعاطيه للاتجار في المخدرات، واستجاب لطلب إجراء خبرة على المواد المحجوزة.

الحكم الفريد الذي نشره موقع "المفكرة"، يعيد إلى الواجهة طرح الإشكال المتعلق بحجية محاضر الشرطة.

 

تفاصيل القضية

تعود فصول القضية إلى بداية صيف سنة 2018، حينما أوقفت شرطة مدينة الخميسات، شخصا وبحوزته 25 قرصا صيدليا مخدرا أخضر اللون، من نوع "ايكستازي".

وعندما استمعت إليه في محضر قانوني، دونت اعترافه بكونه يتعاطى الإتجار في هذه الأقراص المخدرة، نظرا لظروفه الاجتماعية المزرية.

وأثناء مثوله أمام النيابة العامة، أكد حيازته للأقراص المحجوزة، موضحا بأنه يستعملها لإطعام طائر الحمام أثناء القيام بالسباقات ولا يتاجر فيها، نافيا أن تكون موادّ مخدرة، متراجعا بذلك عن تصريحاته المدونة بمحضر الشرطة.

وقد قررت النيابة العامة متابعته في حالة اعتقال من أجل حيازة المخدرات والاتجار فيها.

أثناء المحاكمة جدد المتهم إنكاره لاتجاره في المخدرات، مؤكدا أن المواد المحجوزة هي عبارة عن "مقويات" يستعملها لتربية طائر الحمام، ملتمسا إجراء خبرة قضائية عليها.

ورغم الاعتراف المدون في محضر الشرطة بضلوع المتهم في الاتجار في المخدرات والذي جاء مجملا، ولا يطعن فيه إلا بالزور حسب ما جاء في الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية، أمرت المحكمة بإجراء خبرة تقنية عهدت بها إلى معهد علوم الأدلة الجنائية للدرك الملكي بالرباط، قصد تحديد طبيعة الأقراص المحجوزة ومكوناتها وما إذا كانت تدخل ضمن قائمة المواد المخدرة.

وكانت المفاجأة أن تقرير الخبرة خلص إلى أن "التحليلات التي تم انجازها على العينة السابقة أظهرت بأن الأمر يتعلق بدواء يستخدم لعلاج الالتهابات البكتيرية ولا علاقة له بأي مواد مخدرة أو مهلوسة".

تعقيبا على نتائج هذه الخبرة، أدلت النيابة العامة بمحاضر إضافية وهي عبارة عن أبحاث أمنية قامت بها الشرطة تؤكد أن المتهم معروف بتعاطيه للاتجار في المخدرات، وأنه من ذوي السوابق، متشبثة بما جاء في صك المتابعة خاصة وأن اعترافه بتعاطيه للاتجار في المخدرات جاء مجملا، ولا يقتصر على الاتجار في المواد المحجوزة.

 

قرار المحكمة

اعتبرت المحكمة أنه "ولئن كانت المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات يوثق بمضمونها، فإنه يمكن إثبات العكس طبقا لمقتضيات الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية".

وأضافت "إن الاعترافات الصادرة عن المتهم والمدونة في محضر الشرطة القضائية لا تعكس ما وصلت إليه نتيجة الخبرة المنجزة على الأقراص المحجوزة، بل جاءت متناقضة معها، (خاصة) عندما تضمن محضر الشرطة اعتراف المتهم بأنه تزود بكمية 100 قرص مهلوس من نوع إيكستازي من أحد الأشخاص، من أجل ترويجها خلال شهر رمضان. وقد اقتناها بثمن 20 درهم للقرص على أساس بيعها بثمن يتراوح ما بين 50 و70 درهم، وقد تمكن من ترويج جزء منها، وأن الكمية التي ضبطت بحوزته والتي تقدر ب 25 قرصا، هي ما تبقى من الكمية الإجمالية التي سبق اقتناؤها".

وأمام تسرب الشك إلى المحكمة مما هو مضمن بمحضر الشرطة القضائية من اعتراف لما حمله من تناقض واضح مع تصريحات المتهم أمام النيابة العامة ومع نتيجة الخبرة التي أثبتت أن الأقراص المحجوزة ليست إلا دواء لعلاج الالتهابات البكتيرية، ولا علاقة لها بالأقراص المخدرة المهلوسة، فإنها وإعمالا لمقتضيات الفصل 293 من قانون المسطرة الجنائية، الذي ينص على أن الاعتراف يخضع كغيره من وسائل الإثبات للسلطة التقديرية للقضاة، قررت استبعاده.

وبخصوص ما أدلى به وكيل الملك من محاضر تكميلية تتعلق بسلوك المتهم وسوابقه القضائية، فقد اعتبرت المحكمة أن هذه المعطيات ولئن كانت "تساعد في تكوين قناعة القاضي فإنها لا يمكن أن ترقى إلى أن تكون وسيلة إثبات تبنى عليها الإدانة الجنائية التي تقتضي الاقتناع والاطمئنان".

وعليه، وأمام استبعاد الاعتراف المدوّن في محضر الشرطة، قررت المحكمة الاكتفاء بتصريحات المتهم أمامها، والتي أنكر فيها جميع التهم المنسوبة إليه، لتحكم ببراءته، معللة حكما كالآتي: "في غياب أي وسيلة إثبات أخرى يمكن للمحكمة الركون إليها في تكوين قناعتها الصميمة فإنه يتعين الحكم ببراءة المتهم من التهم المنسوبة إليه، باعتبار أن الأصل هو البراءة وأن الأحكام بالإدانة لا تبنى إلا على اليقين والجزم، والشك يفسر لصالح المتهم".