الاثنين 14 أكتوبر 2019
سياسة

سعيد خمري: ما جدوى أداء الضرائب في ظل تردي الخدمات العمومية؟

سعيد خمري: ما جدوى أداء الضرائب في ظل تردي الخدمات العمومية؟ سعيد خمري

يرى سعيد خمري، رئيس شعبة القانون العام والعلوم السياسية بكلية الحقوق المحمدية، أن تجاوز الفشل في تدبير المرافق العمومية، لا يعني هدم البيت على ساكنيه كما يقال، لا يعني ذلك أيضا الاستغناء عن الآلية الديمقراطية لأنه كيفما كانت الأمور، تبقى الديمقراطية هي الحل الذي اهتدت إليه الإنسانية من أجل تدبير أمور وشؤون المواطنين.. محذرا من التفكير بأن الحل في فشل المرافق العمومية يكون بالخوصصة والتفويت والتفويض، خصوصا بالنسبة للقطاعات الاجتماعية الأساسية للمواطنين.

 

 

+ يعرف المرفق العمومي في مختلف قطاعاته نوعا من إفراغ لخدماته، بلغت حد وصف البعض بأن هناك استهداف له، هل تتفق مع هذا الحكم؟

- لا ينكر أحد أن المرفق العمومي، محليا ووطنيا، يعرف ترديا حقيقيا في مختلف القطاعات، ومرد ذلك لأسباب مترابطة وليست منفصلة، أولها، هناك أزمة النخب المسيرة، وهذا المعطى لا يرتبط فقط بالمعطى الثقافي أو التعليمي، لأنه لما نتحدث عن النخب المنتخبة، يطرح مشكل الكفاءة والتخصص ومشكل العلاقة مع التكنوقراط. السبب الثاني في نظري يرجع بالأساس إلى عدم فعالية مؤسسات الحكامة، وعلى الرغم من عددها الذي أتى به دستور 2011، فهي مؤسسات على أهميتها ودسترتها تبقى غير ذات فعالية، بسبب عدم ربط ما تفضي إليه هذه المؤسسات من رقابة وتفتيش وتقييم بالجزاء. ولا ترتبط هذه المراقبة بالإحالة المباشرة على القضاء للبت في الاختلالات الإدارية، فهناك العديد من التقارير المهمة التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات وطنيا وجهويا، تظل رهينة الرفوف ولا تجد عددا من الملفات طريقها للمعالجة. فمؤسسات الحكامة تضع أصبعها على مكامن الخلل. لكن ما يجب أن يتخذ من محاسبة أو مساءلة أو إحالة على القضاء لا يتم بالشكل المطلوب أو يتم بشكل نسبي أو بشكل انتقائي.

السبب الثالث، هو عدم تفعيل المبدأ الأساس من دستور 2011 هو ربط المسؤولية بالمحاسبة. ففي غياب تفعيل هذا المبدأ من الطبيعي أن نكون أمام هذه الاختلالات التي نراها في المرفق العمومي، وبالتالي عدم استفادة المرتفقين من خدمات المرافق العمومية على المستوى الترابي أو الوطني، وهو ما يعني التضييق على الحقوق الاجتماعية للمواطنين، التعليم والصحة والنقل.. وضعف إحقاقها.

 

+ أمام ضعف هذه النخب المسيرة، ما جدوى إهدار الزمن وتضييع كل هذه الملايير من وراء العمليات الانتخابية؟

- تجاوز الفشل في تدبير المرافق العمومية، لا يعني هدم البيت على ساكنيه كما يقال، لا يعني ذلك أيضا الاستغناء عن الآلية الديمقراطية لأنه كيفما كانت الأمور، تبقى الديمقراطية هي الحل الذي اهتدت إليه الإنسانية من أجل تدبير أمور وشؤون المواطنين منذ العهد اللاتيني، والخلل في التسيير والتدبير مرتبط بالبشر، وتجاوزه يقتضي تصحيح المسار ومعالجة ما يمكن معالجته، يقتضي تصليح الأعطاب، لا أقول إنه لم يتحقق شيء بالمغرب، والجميع يعرف أننا نعيش أزمة مؤسسات الوساطة، ليس في المغرب فقط بل في العالم، فهناك تراجع أدوار النقابات والأحزاب والجمعيات أمام تقدم وسائط افتراضية أخرى، ممثلة في منصات التواصل الاجتماعي بعد أن تغيرت فضاءات التأطير التقليدي إلى الافتراضي. وعليه فالتمرين الديمقراطي بالمغرب طال أمده في تصحيح ما يجب تصحيحه، طبعا، وضعية مرافقنا العمومية الحالية ليست مصيرنا المحتوم، لكننا أمام تمرين، أعتبره كما قلت طال شيء ما، إذ يجب تصحيح مسار الديمقراطية بالمغرب بما يجعلها مكيفة مع خصوصيتنا، وليس التراجع عن المكتسبات الديمقراطية الكونية، لأن المجتمعات لا يمكن إصلاحها فقط بالقوانين والتشريعات، مادامت هذه النصوص تكتسب روحها وقوتها من قوة المجتمع ونخبه ومجتمعه المدني وبفاعليه السياسيين والاقتصاديين. وهنا الأكيد أن المسار سيكون ديمقراطيا، وتكون التنمية من أجل ولصالح المواطن بما يجعل التوازن محققا. فحذار من التفكير بأن الحل في فشل المرافق العمومية يكون بالخوصصة والتفويت والتفويض، خصوصا بالنسبة للقطاعات الاجتماعية الأساسية للمواطنين، مثلا التعليم والصحة.. طبعا للمبادرة الخاصة دورها داخل النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلد، ويمكن أن تساهم في تقديم الخدمات العمومية للمواطنين مقابل ما تجنيه من علاقاتها التعاقدية مع الدولة ولكن لا يمكن أن يسري ذلك على كل القطاعات الحيوية.

 

+ تحدثت عن التوازن في الحقوق والالتزامات بين المواطن والمرفق العمومي، لكن كيف يمكن تصور نجاعة المرفق العمومي في فرض الضرائب على الملزمين بها، وهو لا يقدم خدماته العمومية على أحسن وجه، غياب النظافة تراجع الفضاءات الخضراء، اهتراء الطرق؟

- للأسف هذه حقيقة مرة، لأنه في الوقت الذي يؤدي الملزمون ضرائبهم، وتثقل كاهلهم، وخصوصا بالنسبة للأجراء والموظفين الذين تقتطع ضرائبهم من المنبع عكس الشركات التي تعتمد نظام التصريح البعدي، وما يرافقه أحيانا من تهرب وتملص، لا نجد بالمقابل من الخدمات العمومية الأساسية. وللأسف لم نصل إلى الحد الذي يؤدي فيه المواطنون ضرائبهم وهم راضون أو يعتبرون أنهم أدوا حقا للدولة، وهذا ما يفسر ارتفاع منسوب السخط من المرفق العمومي الذي لم يؤد ما عليه من حقوق لصالح المواطنين، وهو ما يطرح سؤال ما جدوى أداء الضرائب في ظل تردي الخدمات العمومية؟ الخلل يجب تجاوزه في تصور استراتيجي للشكل الذي تقدم به المرافق خدماتها العمومية الأساسية وفي كيفية تدبيرها ومراجعة السياسات المرفقية وكيفية تقييمها وتتبعها وربط المسؤولية عنها بالمحاسبة، ولو تم تنزيل فعلي لهذا المبدأ الدستوري فإنه لن يتجرأ أحد على استهداف المرفق العمومي ولو من باب التفكير، سواء تعلق الأمر بالمنتخبين أو بالأطر.