الأربعاء 11 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

بوشعيب دوالكيفل: ما يقع في العراق الآن بين أكاذيب جورج بوش وحكمة جاك شيراك

بوشعيب دوالكيفل: ما يقع في العراق الآن بين أكاذيب جورج بوش وحكمة جاك شيراك بوشعيب دوالكيفل
حصيلة قتلى مظاهرات العراق ترتفع بوثيرة مقلقة كما تزداد الاحتجاجات اشتعالا وتتمدد موازاة مع تجدد الاشتباكات بين قوات الأمن ومحتجين في العاصمة بغداد وعدد من المدن الأخرى، حيث لا تتورع قوى الأمن عن إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين العُزل، مما يجعل أعداد الجرحى والقتلى تتزايد ( 44 قتيلا عند ظهيرة يوم الجمعة 4 أكتوبر)، مع ما يتلو ذلك من مآسٍ لأسر الضحايا.
وقد طالبت الأمم المتحدة السلطات بتوخي "ضبط النفس" في التعامل مع الاحتجاجات. كما أعربت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت( وهي عضو سابق في البرلمان الهولندي) يوم الأربعاء 2 أكتوبر 2019، عن قلقها البالغ إزاء العنف الذي رافق بعض المظاهرات في بغداد ومحافظات أُخرى، ودعت ، في بيان صحفي، إلى "التهدئة" معربة عن بالغ الأسف لوقوع ضحايا بين المتظاهرين والقوات الأمنية.
وحسب مصادر متطابقة تعرف العراق انتشارا غير مسبوق للفساد على كافة الأصعدة والمجالات واتساع البطالة في أوساط الشباب وتردي الخدمات العمومية (تشير تقارير رسمية إلى أنه منذ سقوط نظام صدام حسين سنة 2003، اختفى نحو 450 مليار دولار من الأموال العامة العراقية، أى أربعة أضعاف ميزانية الدولة، وأكثر من ضعف الناتج المحلى الإجمالى للعراق).
ويعد العراق واحدا من بين أكثر دول العالم فسادا، بموجب مؤشر منظمة الشفافية الدولية على مدى السنوات الماضية.
يحدث كل هذا في العراق اليوم، بعد مرور 16 سنة ونصف ( 202 شهرا) على الغزو الأمريكي للعراق على يد الرئيس جورج بوش الإبن، حيث تم طبخ الغزو على نار مستعرة ضدا على معارضة العديد من بلدان العالم التي انتبهت للمؤامرة الأمريكية التي دعمتها بعض بلدان العالم ومن ضمنها إسرائيل وبلدان عربية محيطة بالعراق، سبق لها توريط عراق صدام حسين في حرب طاحنة على إيران دامت ثمان سنوات قتل فيها مئات الآلاف من العسكريين والمدنيين الإيرانيين والعراقيين ودمر البلدان من حيث البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية والخدمات الاجتماعية... وكان من أبرز معارضي الغزو الأمريكي للعراق الرئيس الفرنسي جاك شيراك المتوفي قبل أيام، حيث تذكر العالم أجمع بتقدير وعرفان وقوف جاك شيراك المبدئي والمتميز والمستقل ضد الغزو الأمريكي للعراق ولما تم فبركته من ادعاءات كاذبة لغزو بلد مستقل.
قبل الغزو الأمريكي وبعده ادعى جورج بوش الإبن كذبا أن أمريكا ستبني الديمقراطية في العراق وتكرسها وترسخها. لكن بقية الحكايةِ معروفة فلا العراق أصبح ديمقراطية، ولا الشعب العراقي حافظ على وحدته، ولا الخدمات الأساسية استمرت، بل عادت الأمية لتكتسح العراق ( بعد أن كانت على عهد صدام حسين قد نزلت إلى 2 % )، واتسعت رقعة الفقر والهشاشة في بلد غني بالنفط، وأراضيه الفلاحية خصبة ومياه الري متوفرة، ( ودجلة والفرات تروي أراضي عراقية شاسعة)، كما انتشر العمل الإرهابي وتعددت تسميات الفصائل الإرهابية ( من القاعدة والزرقاوي إلى داعش) وارتفعت أرقام الضحايا بوثيرة سريعة، قتلى ومعطوبين ومهجرين وأيتام وأرامل، وتفشت الطائفية، واتسعت مع كل ذلك أسباب التذمر والغضب، وها هو الغضب يتفجر... لأن الديمقراطية الموعودة انكشفت أكاذيبها، والوعود تبخرت بعد طول صبر ومعاناة. لذا ليس مستغربا أن تتسع اليوم مساحة السخط والغضب، وهو ما تعكسه الشعارات المرفوعة واللافتات التي يلوح بها جموع المحتجين منذ خروج أول تظاهرة غاضبة بشكل سلمي قبل أن تستعمل القوات العمومية الرصاص الحي.
وهكذا تنفضح أمام العالم، من جديد، مشاهد التدخل الأمني العنيف ضد متظاهرين مسالمين، أكاذيب جورج بوش الإبن عن إرساء الديمقراطية في العراق، وتتضح سلامة الموقف المشرف الذي وقفه الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك عندما رفض التدخل الأمريكي في العراق سنة 2003. أما رئيس وزراء العراق الذي لم يعترض على إطلاق قوات الأمن الرصاص الحي على المتظاهرين المسالمين والعزل، فقد كذب مرة أخرى عندما ادعى قائلا: "خضنا تجارب كبيرة إلى أن وصلنا إلى مسيرة ديمقراطية.. ونريد أن نخدم ونعمل بإخلاص".
إن حكام المنطقة الذين يراهنون اليوم على دونالد ترامب هم ورثة من راهنوا بالأمس على جورج بوش الإبن، فهل يتفكرون ويستخلصون العِبر قبل فوات الأوان أم أنهم لا يملكون قرارهم المستقل؟؟