الأحد 18 أغسطس 2019
كتاب الرأي

جمال المحافظ: حينما تحقق الرياضة ما عجزت عنه السياسة بالفضاء المغاربي 

جمال المحافظ: حينما تحقق الرياضة ما عجزت عنه السياسة بالفضاء المغاربي  د. جمال المحافظ، مدير المركز المغاربي للدراسات والأبحاث في الاعلام والاتصال
أفرزت منافسات كأس افريقيا لكرة القدم التي تحتضنها مصر المحروسة ما بين 13 يونيو و15 يوليوز 2019 حقائق ودروس عديدة بالغة الأهمية، عنوانها الرئيس تجديد الجماهير المغاربية، تأكيد ارادتها وتوقها إلى الوحدة والديمقراطية، وهو ما ترجمته الشعارات التي يطلقها المغاربة ونظرائهم بكل من الجزائر وتونس وموريتانيا خلال المباريات التي يكون أحد أطرافها المنتخبات الأربع المشاركة في " الكان".
لا تنتهي المساندة المغاربية، بمدرجات ملاعب مصر المحروسة، إلا لتبدأ فصولها من جديد من خلال الشعارات المرفوعة من لدن الجماهير الكروية، تحيي "بسالة" المنتخبات المغاربية خاصة منها المنتخبين المغربي والجزائري اللذين تمكنا من تحقيق "العلامة الكاملة"، في إشارة إلى تحقيق الفريقين على التوالي لثلاث انتصارات في دور المجموعات.
لا يظهر العلم الوطني المغربي إلا وكان إلى جانبه العلم الجزائري في غالبية المباريات التي يجريها "أسود الأطلس" المغاربة و"ثعالب الصحراء" الجزائريين التي يحتضنها ملعب السلام بقاهرة المعز في ملحمة بطولية يمكن تسميتها بالوحدة المغاربية المفقودة في عوالم السياسة ومنعرجاتها الخطرة، والمتواجدة دوما في حضرة الرياضة خاصة منها كرة القدم، وأم الألعاب ألعاب القوى وذكرياتها على عهد الأبطال من المغرب على سبيل الذكر لا الحصر، كلا من سعيد عويطة وهشام الكروج ونزهة بيدوان ومن الجزائر نور الدين مرسلي وحسيبة بلمرقة.
ويبدو من خلال التحليل هذه المعطيات واستنتاجاتها، أنه كلما تأزمت العلاقات السياسية المغاربية، الا وارتفع منسوب توق الشعوب الى تحقيق الوحدة والتضامن. فمباريات الفريقين مع المنتخبات الافريقية المنافسة لا تنتهى، الا لتتواصل تجلياتها على منصات التواصل الاجتماعي.
وهكذا تنتشر بقوة صور علمي البلدين الشقيقين معززة بالدعوة الي فتح الحدود بينهما المغلقة منذ سنة 1994 في ظل الخلافات السياسية القائمة بين سياسيي البلدين، في مقدمتها قضية الصحراء. كما يطالب جمهور المغرب والجزائر رفع كل الحواجز التي تعيق اقامة علاقات عادية بين البلدين الذين يجمعهما التاريخ المشترك ووحدة المصير مع الوقف الفوري للحملات الاعلامية المتبادلة الهادفة إلى النيل من البلدين.
ويلاحظ أن ما يتداول بالعالم الافتراضي، فضلا عن أمور الرياضة ونتائج الكان، فهناك حضور لافت لعدة قضايا منها بالخصوص الدعوة الى التكامل والتعاون بين الاقطار المغاربية، والعمل على دمقرطة الدول والمجتمع. كما تناشد تدوينات أخرى أصحاب القرار وذوى الأمر إلى الاستجابة لطموحات الشعوب المغاربية من أجل الوحدة ونبذ التهميش والاقصاء والانغلاق والانعزال.
وبدورها تولى وسائل الاعلام المغاربية، اهتماما متزايدا لمختلف التعبيرات التي ترافق مباريات المنتخبين المغربي والجزائري، اللذين يجريان مبارياتهما بنفس الملعب "ملعب السلام" بالقاهرة متجاوزة "الجمود الرسمي" للعلاقات الثنائية، وهو تناولته منابر رقمية منها من أشار في مراسلات من أرض الكنانة مصر إلى أنه على امتداد جولتي دور المجموعات الماضيتين، تنقلت أعداد كثيفة من كلا الجنسيتين لمساندة النخبتين الوطنيتين، حاملة أعلام وقمصان الفريقين مع شعار "خاوة خاوة"، متمنية أن يتأهل المنتخبين الى نهائي البطولة الغالية، وأن تكون المواجهة بينهما- بطبيعة الحال لا نعنى ذلك مواجهة دبلوماسية وسياسية- كروية صرفة والفائز فيها طبعا هي الوحدة المغاربية.
وكان المنتخبان المغربي والجزائري قد تصدرا مجموعتيهما، بعد حصول كل واحد منهما على 9 نقاط من ثلاث انتصارات متتالية، بالنسبة للمغرب على منتخبات كل من ناميبيا وكوت ديفوار وجنوب افريقيا،. أما الجزائر فقد هزمت منتخبات كينيا والسينغال وتانزانيا، وهي النتائج المبهرة التي جعلت العديد من النقاد والمحللين الرياضين في تعليقاتهم خاصة بالقنوات التلفزية الناقلة لمنافسات كأس افريقيا للأمم بمصر، يرشحهما للفوز بالكأس الذهبية التي غابت عن خزائن المنتخبين معا لسنوات، بعدما اكتفيا برفعها مرة واحدة لكل بلد، المغرب سنة 1976 والجزائر في سنة 1990.
ومن المقرر أن يجرى المنتخب الوطني المغربي اليوم الجمعة خامس يوليوز مباراته برسم الدور الثاني (دور الستة عشر) لبطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم (كان 2019)، ضد منتخب بينين، في حين تصطدم النخبة الجزائرية مع جارتها الافريقية مالي يوم غد السبت 7 يوليوز.
فهل تتمكن الرياضة من أن تفتح أفقا جديدا في العلاقات المغربية الجزائرية، باعتبار أن ذلك سيعيد القطار المغاربي إلى سكته الحقيقية، وبالتالي ستذيب الجليد بينهما الذى ظلت السياسة عاجزة عن تحقيقه، وذلك بعدما قامت وسائط الاتصال والاعلام بأدوارهما في هذه المحطة، وذلك عبر نقل ما يعتمل في مدرجات الملاعب. الا ان جانبا من المسؤولية، تقع اليوم على الخبراء ومراكز البحث والدراسات بالبلدان المغاربية الخمسة (المغرب والجزائر وتونس وموريتاني) للقيام بدرهما في تحليل واستخلاص دروس العلاقات المتينة بين الشعوب المغاربية والتي أفصحت عن جانب منها منافسات "الكان".