الخميس 12 ديسمبر 2019
كتاب الرأي

يوسف لهلالي: البلدان الصناعية والهجرة: بين الحاجة الملحة للهجرة وخطاب إعلامي سلبي حولها

يوسف لهلالي: البلدان الصناعية والهجرة: بين الحاجة الملحة للهجرة وخطاب إعلامي سلبي حولها يوسف لهلالي

أصبح تنقل الملايين من سكان الأرض ظاهرة كونية، لكن المفارقة أن هذه الظاهرة الإيجابية التي ترافق تطور البشرية يرافقها حكم قيمة سلبي حول هذه الظاهرة، والتي تستغل سياسيا من طرف تيارات اليمين المتطرف والشعبوي في العديد من البلدان، خاصة بلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، حيث يوجد خطاب سياسي وإعلامي يستغل بعض مشاكل الهجرة لتقديمها بمنظور سلبي، بل خطر على العديد من البلدان. وهو ما يتناقض مع التقارير الاقتصادية التي تمت حول الظاهرة تبين مساهمتها الإيجابية والكبيرة في عدد كبير من اقتصاديات العالم، دون الحديث عن الجانب الثقافي بالمعنى الأنثروبولوجي الواسع للكملة.

هذه الظاهرة وهذا الخطاب السلبي حول الهجرة في الإعلام، وفي العديد من البلدان، كان أحد المواضيع البارزة التي تناولها منتدى العالمي للهجرة بمراكش وفي ورشاته في ديسمبر الأخير؛ وهي اليوم موضوع لقاء بين ما تنظمه الحكومة المغربية وحكومة الإكوادور التي تأخذ مبادرة المنتدى العالمي بمدينة الصخيرات في 4 و5 من يونيو.

لقاء مراكش الذي تم في شهر ديسمبر 2018، والذي ترأسه المغرب وألمانيا، كان فرصة لتسليط الضوء على المقاربة التنموية في مجال الهجرة، والتي دافع عنها المغرب والدول الإفريقية، وكان فرصة للأقطار التابعة للأمم المتحدة لتنفيذ التوصيات الواردة في معاهدة المؤتمر الدولي للهجرة والتنمية ببرلين، وهو ميثاق أممي حول الهجرة الآمنة، المنظمة والمنتظمة، كما تقول الوثيقة. والتحديات المطروحة علينا مند لقاء برلين سنة 2017 حول الهجرة والتنمية، والتي أصبحت مطروحة اليوم بفعل توسع قوة الأحزاب الفاشية واليمينية المتطرفة.

اليوم لا بد من بدل  مجهود من طرف الجميع، من مجتمع مدني وسياسيين، من أجل إبراز الجانب الإيجابي للهجرة ومساعدة الذين يريدون البقاء في بلدانهم من تحقيق ذلك من خلال مقاربة تنموية شاملة تمكن من الاختيار، بدل الرحيل  نحو المجهول.

بلدان الغرب الصناعية اليوم تعيش مفارقة كبيرة، فهي تستقطب كفاءات بلدان الجنوب في جميع المجالات التي لها فيها خصاص كبير، مما يمكنها من المحافظة على ديناميتها الاقتصادية وريادتها في عدد من المجالات الصناعية، وفي نفس الوقت يعبر بعض صحفها وكتابها عن رأي معادي للهجرة والمهاجرين؛ وهو ما يؤلب جزء كبير من الرأي العام بهذه البلدان ضد هذه الهجرة. بل إن العديد من الأحزاب، اليوم، تستغل هذه الظاهرة من أجل استمالة الرأي العام، خاصة الفئات الهشة بهذه البلدان التي تضررت من العولمة والتحولات الكبيرة التي يعرفها سوق الشغل. وهذه الظاهرة وهي ازدياد الخطاب العدائي للهجرة، يروجها سياسيون من الصف الأول، ولا تخفى على أحد مواقف أحد رؤساء أكبر الدول في العالم والمستقبلة للهجرة في العالم، وهي الولايات المتحدة الامريكية، وهي بلد صنعه المهاجرون والمستوطنون مكان السكان الأصليين. رئيس هذا البلد دونالد ترامب يردد خطاب معاد للهجرة، بل يطالب بإقامة جدار مع جارته المكسيك، ويتهم  مهاجري هذا البلد بأقبح النعوت، ويحملهم مسؤولية كل الظواهر الاجتماعية التي يعرفها بلده، في خطاب مبني على العواطف واستغلال غضب الرأي العام من المستقبل وتجييشه ضد الهجرة.

نفس الظاهرة تشهدها أوروبا، حيث إن أحزاب اليمين المتطرف تتقدم بشكل مستمر، وتشارك في التحالفات الحكومية، بل إن هذه الأحزاب المتطرف وصلت إلى الحكم في أحد البلدان المهمة والمؤسسة للاتحاد الأوروبي وهي إيطاليا، الذي يتحدث وزير داخليتها  ماتيو سلفيني الذي لا يمر يوم واحد لا يتحدث فيه عن  مخاطر الهجرة، وعندما لا تتجاوب معه وسائل إعلام بلده أحيانا، فإنه يستعمل الشبكات الاجتماعية للحديث عن الموضوع.

والجميع يردد هذا الخطاب السلبي في الإعلام بهذه البلدان، ولا أحد يتحدث عن الكفاءات الكبيرة التي تستحوذ عليها هذه البلدان الصناعة كل سنة، حيث يتم استقطاب عشرات الآلاف من المهندسين في جميع المجالات بالإضافة إلى الكفاءات التقنية، لا أحد يتخذ عن دور الهجرة في حل المشكل الديموغرافي في عدد كبير من بلدان أوروبا مثل إسبانيا، إيطاليا، ألمانيا ودورها أيضا في إعادة التوازن إلى صناديق التضامن التي كانت مهددة بالشيخوخة في هذه البلدان.

لا حديث اليوم إلا عن ما هو سلبي حول الهجرة في الإعلام، أحيانا بحسن نية، وأحيانا بسوء نية بسوء نية، الصورة السلبية حول الهجرة هي ظاهرة أحيانا تمس بلدان الجنوب، حيث يوجد خطاب سلبي حول الهجرة، خاصة أن جزءا كبيرا من الهجرة الدولية لا يتم نحو البلدان الصناعية بين بلدان الجنوب. الهجرات التي تعرفها القارة الافريقية بين بلدانها خير دليل على ذلك،  حيث أن الجزء الكبير من الهجرة الخارجية تستقطبه بلدان إفريقية، حيث أن هذه الهجرة تتجه نحو المغرب، جنوب افريقية، والكوت ديفوار، وهي بلدان في حاجة إلى  هذه الهجرة، بل إن المغرب له تجربة متميزة ورائدة في هذا المجال، حيث يستقبل جزءا كبيرا من هذه الهجرة، بل إن سياسته في هذا المجال كانت متميزة، حيث قام بتسليم حوالي 60  ألف بطاقة إقامة لمهاجرين قادمين على الخصوص من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.

اليوم من أجل خطاب إيجابي حول الهجرة لا بد من تظافر جهود الحكومات مع المنظمات الدولية والمجتمع المدني، والعمل مع وسائل الإعلام سواء الكلاسيكية أو شبكات التواصل الاجتماعي من أجل العمل على إبراز المعطيات الحقيقية، ومنتدى مراكش العالمي للهجرة وضع توصية في هذا الباب تطالب، بوضع معطيات موضوعية حول الهجرة رهن إشارة الراي العام، وواضحة وتعتمد على إبراز مزايا الهجرة والصعوبات التي تتعرض لها، من أجل تفكيك الخطاب الإعلامي الذي يسعى على تقديم الهجرة بشكل سلبي.

النكتة المثيرة أن المنتدى العالمي للهجرة بمراكش كان بنفسه ضحية الشائعات الكاذبة التي أطلقت حوله، وروجها اليمين المتطرف، وزعيمته بفرنسا مارين لوبين صرحت لصحافة الفرنسية، أن لقاء مراكش العالمي حول الهجرة سوف يتضمن فتح الحدود الأوروبية بشكل مكثف نحو الهجرة القادمة من إفريقيا، وهي دعابة كانت بالقوة جعلت العديد من قادة العالم يتغيبون عن لقاء مراكش، منهم الرئيس الفرنسي إيمانييل ماكرون.

الأخبار الزائفة اليوم التي تروجها بعض وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي على الخصوص حول الهجرة، تجعل قضية الهجرة إحدى ضحايا الخطابات الكاذبة والسلبية حول الهجرة وصورتها في العالم.