الأربعاء 21 أغسطس 2019
كتاب الرأي

جماهري: في العفو عن معتقلي الحراك: 2 – خطوتان جبارتان في طريق الريف الصحيح..

جماهري: في العفو عن معتقلي الحراك: 2 – خطوتان جبارتان في طريق الريف الصحيح.. عبد الحميد جماهري
لثاني مرة، يأتي العفو الملكي، في ملف الحراك الريفي تقديرا رفيعا من جلالته واستجابة لمطلب عام في البلاد حول الإفراج عن المعتقلين، وهي الخطوة الثانية في نفس السير السليم للتعامل الملكي النبيل مع قضية حارقة ساءلت المجتمع برمته، كما أنها ألهبت مشاعر كثير من المغاربة.
فقد سبق لجلالة الملك أن أصدر عفوا أوليا، في غشت 2018 عن 11 معتقلا، كان ذلك إيذانا بالتخفيف من حدة التوتر الذي أعقب الأحكام القاسية على المعتقلين.
وجاءت الخطوة الحالية، والتي شملت نصف المتبقين تقريبا من المعتقلين في الحراك، كي تؤكد التوجه الإيجابي في التعامل مع الملف.
لقد ربحنا مسافة واسعة باتجاه الحل النهائي، كما أننا قطعنا مسافة لا يستهان بها للابتعاد عن الانتظار القاتل، والترقب، المشفوع بالرهبة السياسية والشرط العائلي، والانقباض الاجتماعي..
كنا أمام مسيرات واسعة، وتعاطف شاسع، وتفهم مقرون بالذكاء من طرف الدولة، لمطالبَ أضحت تفرض نفسها كأجندة وطنية ملحاحة.
وبالرغم من غياب أي توصيف إيديولوجي أوسياسي للمعتقلين، فقد كانوا في قلب الحياة السياسية الوطنية، كما أن الملف لم يغادر البند القانوني والحقوقي، لدى المجتمع المدني كما لدى الهيئات الحقوقية العاملة في الشوط المجتمعي..
لقد كان الملف مطروحا كمطلب سياسي، انضاف إلى تعقد الملف الاجتماعي الذي كان وراءه، ملف يتعلق بالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والتشغيل. وإذا كان القضاء قد «حسم» مؤقتا الملف، بإصدار الأحكام، فإنه في الوقت نفسه فتحه على بوابة السياسة الواسعة، وصار مطروحا من جديد أن نقول ما قلناه في قضية جرادة»: هل قامت السياسة بواجبها حتى تطوي الملف الاجتماعي وكل البؤر المتوترة فيه، حتى لا يعود شباب آخرون إلى الزنازن التي غادروها أو غادرها أبناء منطقتهم؟
هو ذا السؤال، الذي تتراكب فيه النجاعة في التدبير مع الذكاء السياسي والتأمين الحقوقي لحل المعضلات في منطقة لها تاريخها الذي لا يمكن أن يختزل في مرافعة أو آثِنتين، كما أن الملف، في عمقه، لا يمكن أن ننزعه من الإطار العام، والمتعلق بالمصالحات الوطنية الكبرى، وإحداها تمس الريف، مجالا وإنسانا وتاريخا.
لقد حل العفو الملكي النبيل والصائب والمطلوب، عن سؤال طرحناه منذ 13 يونيو 2017: «كيف يكون الاعتقال مشروعا، إذا كانت المطالب التي كانت وراءه مشروعة؟ وبعبارة أخرى: كيف تكون للمعتقلين الشرعية في المطالبة بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، ويصبحون غير ذوي مشروعية عند اعتقالهم، أي إذا كان الاعتقال مشروعا، فالمطالب غير مشروعة والعكس بالعكس؟..
وهو ما يفرض الانتقال إلى مرحلة ثالثة الآن، كيف نطوي الصفحة كليا، ونسير باتجاه ما يريده ملك البلاد للبلاد من تنمية وتطور ينزعان قنابل المجتمع التي تفتح الباب للخطورة؟
لقد قال القضاء كلمته
وقال العفو كلمته
ويبقى للسياسة أن تقول الكلمة الدائمة في المعضلات التي كانت وراء الملف، وهي معضلات تستعصي على أي استدراك سياسي أو استغلال مهما كانت براعة أصحابه في تحوير طبيعة الملفات الحارقة التي تشغل بال أهالينا الشرفاء في الريف وباقي الوطن..
وهي فرصة أيضا لنقول إن المجهود الحقوقي، الشعبي والرسمي معا، وجد في العفو الملكي تتويجا مؤسساتيا وأمنيا وأخلاقيا كريما، يجعل الطريق الناضجة تمر عبر المقاربة الناضجة، ويكرس المجتمع الحقوقي كمخاطب فعلي في الملفات الحارقة… وهي نقطة أيضا من رزنامة المصالحة الكبرى التي دسترها المغاربة بدسترة توصيات الإنصاف والمصالحة…