الأحد 22 سبتمبر 2019
مجتمع

مصطفى حمزة : الأسر القروية وكتابة تاريخ المغرب (2)

مصطفى حمزة : الأسر القروية وكتابة تاريخ المغرب (2) صورة للمغفور له محمد الخامس أثناء زيارته للقائد العربي بلكوش بزاوية الخنوفة بإقليم اليوسفية

ينتمي القائد محمد بلكوش إلى أسرة حمرية عريقة (أسرة آل بلكوش)، عرفت بتقديم خدماتها للمخزن المغربي. فجده محمد كان مساعدا للقائد حمو بن الهنا، ووالده العربي كان قائدا على قبيلة الزرة، وأولاد يوسف. وإذا كان القائد العربي، قد عرف بالاستقامة، والتمسك بالتعاليم الدينية، والوطنية الصادقة، مما جعله في خلاف دائم مع المراقبين المدنيين، فإن ابنه القائد محمد، شكل امتدادا له في الوطنية والتشبث بثوابت الأمة، رغم كونه تولى القيادة في فترة حرجة من تاريخ المغرب الراهن ، ومع ذلك فهو يقدم نموذج القائد المغربي الوطني، فمن هو القائد محمد بلكوش؟ وما هي أهم الأحداث التي جعلت منه نموذجا للقائد الوطني؟.

ولد القائد محمد سنة بلكوش سنة 1905م، وكانت دراسته في البداية ببلاد أحمر ثم انتقل إلى مراكش ثم إلى فاس. وأولى المهام السياسية التي شغلها، منصب خليفة القائد لوالده ب " كشكاط "، " لوي جانتي" ( اليوسفية ) حاليا، وعند وفاة والده سنة 1945، خلفه في منصب القيادة، وذلك رغم معارضة الفرنسيين بما فيهم المراقب المدني بالشماعية، وبونيفاص وخليفته مالبيرتوي، وبعض المتعاونين من أعيان القبيلة.
فتبعا للتقاليد المغربية، جرت العادة عند وفاة أحد خدام المخزن، أن يقدم أبناؤه العزاء للسلطان، ورغبة من سلطات الحماية في الحد من نفوذ هذه الأسرة داخل بلاد أحمر، فقد مارست عدة ضغوط لعرقلة زيارة أبناء القائد للسلطان محمد الخامس، وتقديم العزاء له في وفاة والدهم، ورغم ذلك، فقد تمت الزيارة وقدم الخليفة وأخوه عبد الله، العزاء للسلطان في وفاة والدهما.

ويمكن اعتبار الموقف الفرنسي، خطوة أولى في وضع العراقيل أمام قائد غير مرغوب فيه، وإذا أضفنا إلى الموقف الفرنسي، اتصال المتعاونين من أعيان القبيلة بالسلطان، وتعبيرهم له عن رغبتهم في تولي نفس المنصب، نفهم الترابط القائم بين الطرفين (الفرنسيين والمتعاونين)، والخدمات التي كان يقدمها بعض الأعيان للفرنسيين، ويؤكد ذلك ورود أسماء بعض هؤلاء الأعيان، ضمن قائمة الممنوعين من التصرف في ممتلكاتهم بمقتضى ظهير 1956 . ومع ذلك، فبالنظر للعلاقة الوطيدة، التي كانت تربط ما بين أسرة بلكوش والمخزن المغربي، والحظوة التي كانت للقائد العربي عند السلطان، فقد تم تعيين ابنه محمد قائدا على بلاد أحمر، وتسلم ظهير تعيينه سنة 1945.

وقد عرف القائد محمد بلكوش، بالاستقامة والنضج والمعاملة الطيبة، إضافة إلى تفانيه في خدمة السلطان، وما يترجم صدق وطنية الرجل، هو عدم مشاركته في مناورة 1951 الفاشلة، ضد السلطان محمد بن يوسف، التي وظف فيها، باشوات وقياد وشيوخ زوايا بزعامة الڭلاوي، وباعتبارهم " ممثلين عن السكان المغاربة"، اتهموا العاهل ب " الكفر وطالبوا بخلعه ".

الإيمان القوي للقائد محمد بالثوابت الوطنية، توج فترة قيادته بالزيارة التاريخية التي قام بها السلطان محمد الخامس لمقر إقامته ب "لوي جانتي" سنة 1952م، وذلك رغم العراقيل التي وضعها الفرنسيون والعملاء لإفشالها. وتؤكد الزيارة، الحظوة التي كانت للقائد وأسرته عند السلطان، كما تؤكد تحدي السلطان للحكومة اليمينية الفرنسية، التي كانت تعتقد بأن الوقت قد حان لتصفية الحركات الوطنية بالمستعمرات، وفي نفس الوقت فهي تحد للمسيرة الشهيرة التي قام بها فرسان بربر نحو فاس، وآخرون نحو القصر الملكي بالرباط .

ويتبين من سير الأحداث، أن الزيارة التي حضرها إلى جانب السلطان، جميع باشوات وقواد الجنوب بما فيهم الباشا الڭلاوي والعيادي، و رئيس ناحية الجنوب الجنرال " دوتفيل " ومرافقيه، قد أبهرت الفرنسيين، سيما وأنهم كانوا يتأهبون لإعلان مؤامرة غشت 53، كما أرعبتهم وأرعبت العملاء، بما رفع خلالها من أعلام المغربية وأناشيد وطنية من طرف الوفود المدعوة، من أسفي ،ومراكش.
ويبدو من سياق الأحداث، أن الزيارة كانت نقطة الانطلاق لمرحلة ثانية من الصراع ما بين المغاربة والفرنسيين، وهو ما أكدته ردود الفعل التي ترتبت عنها، والمتمثلة في إلقاء القبض الفقيه المستاري والسيد محمد ولد الطبيب من وفد أسفي، والحكم عيهما بالسجن بمدينة الشماعية ثلاثة أشهر، وإلقاء القبض على السيد محمد الحبيب بن موح من وفد مراكش، والحكم عليه بالسجن لمدة سنتين، أما القائد وخليفته فأرجئ اعتقالهما إلى وقت لاحق.

فقد كان للقائد محمد وأخيه عبد الله، موقف معارض لحركة الباشا الڭلاوي ، وهو ما يؤكده الكتاب الذي بعثاه إلى الصدر الأعظم محمد المقري بتاريخ 10/06/ 1953 «... نحتج مستنكرين الأقوال التهجمية التي صدرت من بعض العصاة، ودافعهم لهذه الأقوال، ليتشبثوا بمواقفهم الإقطاعية... ونحن مؤمنون بطاعة أمير المؤمنين وطاعة العلماء... ».

والمقصود بالأقوال التهجمية، ما تضمنه ملتمس 1953، الذي يؤاخذ على السلطان سيدي محمد " عدم أهليته الدينية " ويطالب ب "خلعه " و " تسليم السلطة لمن هو أحق بها " ، وقد وقع الملتمس من قبل 250 باشا أو قائدا، و6 فقهاء، و31 من الأعيان، وسلم إلى المقيم العام يوم 21 ماي .

وموقف الموقعين عن الملتمس، سنجد له مثيلا في البيان الاستنكاري الذي أصدره بعض أعيان الدار البيضاء، إثر انفجار قنبلة بالسوق المركزي في 24 دجنبر 1953، والذي أدانوا فيه المقاومة المغربية.

وطنية القائد تعدت موقفه من موقعي الملتمس، إلى رفض حضور التجمعات التي كان يدعو لها الباشا الڭلاوي، فكان رد فعل هذا الأخير، العبث بمحتويات منزل القائد بمراكش، واعتقال خليفته، الذي أطلق سراحه بعد تدخل القائد لدى المسؤولين الفرنسيين بأسفي.

ردود فعل الباشا الڭلاوي لم تقف عند هذا الحد، بل تعدت ذلك إلى المطالبة بعزل القائد وأخيه، واعتقالهما ونفيهما إلى زاكورة. وهكذا تم في السابع من غشت 1953، إلقاء القبض على خليفة القائد ب " لوي جانتي "، من طرف المراقب المدني بالشماعية وخليفته، وتم نقله إلى أسفى حيث سجن، وفي الساعة الواحدة ليلا ألحقوا به القايد محمد وبقايا هناك مدة عشرين يوما، وقد باءت كل محاولات الاتصال بهما، من أجل ثنيهما عن موقفهما الرافض للتآمر ضد السلطان والوطن، سواء من طرف جمعية مراكش، أو رسلها القواد الخمسة: القايد الزرهوني، والقايد عبد السلام الوزاني، والقايد عبد الرحمان الوزاني، والقايد الحاج عبد الله الوزاني، والقايد الطيمومي، ونفس الموقف اتخذاه من اللجنة المكونة من: القاضي محمد بن قدور العبادي، والترجمان السيد السنوسي، وخليفة رئيس مقاطعة أسفي.

وأمام فشل هذه المحاولات، تم نفي القائد وأخيه إلى مدينة الجديدة، وبقيا في المنفى إلى أن رجع الملك وعائلته، وبتاريخ 9 فبراير 1956 أصدر أمره السامي وظهيره الشريف بإرجاع المبعدين والمنفيين لوظائفهم التي كانوا يزاولونها في عهده.

وبعد الرجوع من المنفى اكتفى الحاج محمد بلكوش ب رتبة (قائد شرفي) بإقليم أسفي ، كما أنعم عليه المرحوم الملك الحسن الثاني، بوسام الرضا من الدرجة الأولى في 13 نونبر 1970م، وكانت الفلاحة من ضمن الأنشطة الأساسية التي تعاطى لها إلى أن وافته المنية سنة 1395ھ / 1975م بالزاوية الخنوفة، بعد أن سجل اسمه في لائحة المتطوعين للمسيرة الخضراء.

نستنتج من المسار التاريخي للرجل، أنه كان متشبعا بقيم إنسانية نبيلة، قيم الصدق والوفاء والتشبث بالثوابت الوطنية، فلم تغريه وعود جمعية مراكش بزعامة الباشا الڭلاوي، ولم يرهبه عنف المستعمر ومعتقلاته، لأن المواقف الوطنية الصادقة والثابتة هي نياشين الوطنيين، والرجل كان وطنيا.

القائد محمد بلكوش، نموذج القائد الوطني

 

الأستاذ مصطفى حمزة/ باحث متخصص في التاريخ الجهوي