الاثنين 27 مايو 2019
فن وثقافة

العربي رياض: محمد سوسدي يحكي عن " الشمس الطالعة "

العربي رياض: محمد سوسدي يحكي عن " الشمس الطالعة " محمد باطما (يمينا)ومحمد سوسدي

معلوم لدى المهتمين بالفن الغنائي المغربي خلال فترته الذهبية، أن المجموعة الغنائية التي تعرضت للتعسف والتهديد والوعيد وحتى الاستنطاق بشكل أو بآخر، هي الفرقة الرائدة مجموعة لمشاهب. ففي السياق الزمني اعتبرت لمشاهب في الأوساط السياسية وغيرها الابن الشرعي لليسار المغربي، بل لسان حاله في المجال الفني، هذا الأمر كان يزعج السلطات كثيرا، ولعل سفر محمد باطما ومحمد سوسدي رفقة الشبيبة الاتحادية إلى جانب أحزاب اليسار المغربي إلى روسيا، في الثمانينات للمشاركة في مهرجان كبير يضم كل ألوان الأدب والفنون، زاد من شكوك السلطات إزاء لمشاهب خاصة وأن نجميها لهما علاقات صداقة مع أعضاء في اليسار وحتى إن كان الأمر عاديا بالنسبة للمشاهب واليساريين، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للسلطة التي تعرف دورها جيدا وتعلم أن الفنانين خاصة النجوم منهم يجب أن تكون دوائرهم محدودة جدا وليس عليهم تجاوز بعض الخطوط في العلاقات  لذلك وفي فترات طويلة من زمن الفن المغربي، كانت المؤسسات المسؤولة عن الثقافة والفنون، تقدم معظم الفنانين حتى مسرحيين منهم في المنتديات الفنية المقدمة خارج أرض الوطن، على أساس أنهم مجرد فولكلور وبالمعنى السلبي للفولكلور. جل المجموعات الغنائية كانت ترفض هذا المنطق وهذا التعامل، لذلك نجد أن الغيوان ـ جيلالة ـ لمشاهب ..اعتمدت على إمكاناتها الذاتية للسير في مشوارها ولم تكن تنتظر سواء من هذه المؤسسات أومن التلفزيون أي شيء ..

لمشاهب عانت كثيرا من التضييق لكنها كانت تحرج أصحاب فكرة التضييق، ففي الوقت الذي عملت فيه السلطات في أحايين كثيرة على عرقلة المجموعة وأصدرت تقارير سوداء في حقها، ومنعت الترخيص لها لإحياء العروض على غرار باقي الفنانين ، يأتيك سوسدي من هناك من بلاد بعيدة فائزا بجائزة عالمية كأحسن صوت في مهرجان موسكو للموسيقى العالمية ، عندما غنى أغنية حمودة لوحده حاملا معه فقط البندير للمسابقة التي شارك فيها فنانو محترفون من كل أقطار العالم .. سوسدي الذي كان ضمن وفد من الفنانين دعتهم الشبيبة الاتحادية إليه كي يمثلوا المغرب من جهة وللتعريف بفنوننا من جهة أخرى ، كان ضمن الوفد الفني محمد باطما وأحمد السنوسي بزيز والحاج يونس وسعيد هبال وآخرون ..المبعد هنا بمعية رفاقه يحصل لبلده على جائزة كبيرة ومشرفة ومن أين من بلد يقود المعسكر الشرقي ألا وهو الاتحاد السوفياتي . لم يكن سوسدي ينوي المشاركة في المسابقة لولا تشجيع أصدقائه الفنانين على ذلك في اللحظات الأخيرة قبل انطلاق المسابقة .. يقول سوسدي في الفصلين التاسع والعاشر من سيرته الذاتية التي أصدرتها بجريدة الاتحاد الاشتراكي :

"لقد عانينا كثيرا، ففي كل مرة حرمان من تنظيم حفل خاص بالمجموعة وتارة يواجهك مسؤول بتهديد وتارة المنع من السفر، وهنا أستحضر طرفة أتذكرها دائما، كنا سنسافر إلى الديار الهولندية للمشاركة في حفل هنا، وكان سيشركنا في الحفل الحاج الدمسيري والحاجة الدمسيرية لنفاجأ في المطار برجال الأمن يأخذون منا جوازات سفرنا ، بمن فينا الحاج الدمسيري، اقتادونا بعدها إلى الحديقة المجاورة للمطار وطلبوا من المكوث هناك وعدم المغادرة إلى حين إشعارنا، فات موعد رحلتنا مكثنا هناك إلى أن أخد منا الضجر مأخذه، في لحظة من لحظات تمددنا تحت الشمس وسط الحديقة، التي احتجزنا فيها همس الدمسيري في أدني قائلا " وصلنا للمطار وما طرناش "، أضحكني الدمسيري رغم ذلك الظرف ، لقد نطق العبارة انطلاقا من امتعاض ممزوج بالسخرية ..مكثنا بتلك الحديقة من العاشرة صباحا إلى غاية التاسعة مساء، ونحن نترقب ونتساءل فيما بيننا عن الجرم الذي نكون قد اقترفناه ولم نع ذلك ، إلى أن جاء أحدهم وخاطبنا بلغة آمرة : "يالاه سيروا لديوركم" ... لم يشرح لنا أحد لماذا منعنا من السفر أو لماذا احتجزنا كل تلك المدة في تلك الحديقة ؟ فقط اكتفى محدثنا بالعبارة التي أسلفت ...عشنا على هذه الحال مدة ليست يسيرة، إلى أن دعانا الملك الحسن الثاني إلى القصر لنغني أمامه وقد استمتعنا فعلا برفقته فالرجل تعامل معنا معاملة الأب للأبناء وتجاذب معنا النقاش حول الأغاني وقدمنا أمامه من بين ما قدمناه مقطوعة أمانة ومجمع العرب وبغيت بلادي التي طلب منا إعادتها أكثر من مرة، قبل أن يطلب من التقنيين تسجيلها كاملة، لكن المفاجأة هي حين طلب منا غناء أغنية من التراث الصحراوي؟ لقد فاجأنا طلبه وأحرجنا، إلا أنه ولحسن الحظ كنا نحفظ أغنية أهدتها لنا إحدى الفرق الموريتانية بعنوان " كبايلي الدحميس " وسألنا عن أحوالنا فحكينا له ما نتعرض له من تضييق، فاستغرب  قبل أن يقول " بلادكم هادى تحركوا وتساراو فيها كيف ما بغيتو ما كاينش للي يمنعكم " فهمنا بعدها أن اجتهادات فارغة لبعض المسؤولين كانت وراء ما تعرضنا له ..بعد اللقاء بالملك عدنا إلى نشاطنا السابق دون عراقيل نظمنا جولة في المغرب وأحيينا بعض الحفلات وما إلى ذلك سافرنا إلى بعض الدول للمشاركة في حفلات...أذكر أننا سافرنا إلى ليبيا وتلك قصة أخرى، وبعد عودتنا منها كان علينا السفر رفقة ناس الغيوان إلى مدينة غرونوبل الفرنسية للمشاركة في مهرجان دولي ضد العنصرية، وهو المهرجان الذي أقيم في معرض كبير، وقد شارك فيه مشاهير الفنانين من مختلف قارات العالم، دام المهرجان مدة ثلاثة أيام، بدون أدنى توقف ليل نهار وبحضورجماهيري يقدر بالآلاف، لقد كانت لمشاهب متألقة جدا وندا لكل الفرق العالمية وهذا بشهادة الصحافة الدولية التي غطت فقرات المهرجان. وهنا لن أتحدث عما فعلته الغيوان بالجمهور الحاضر ومدى التألق الذي كانت عليه، سأحدث عن العربي باطما، "فقد صادف أن دور ناس الغيوان حان في بعد الفجر بقليل أي مع بداية طلوع الشمس، كان الصمت يخيم على أركان المعرض وبدأت الشمس تكشف عن ضوئها ووحده صوت العربي يتجاوب مع هذا الضوء الذي أخذ يسطع باحتشام... ويؤنس صوت العربي في تكسير الصمت المخيم على غرونوبل برمتها، وهو يصيح: واه ياديك الشمس الطالعة ..وايلا شفتي ماما حنا ... واكوليها وليدك دموعو ضارعة ...... الجمهور تجاوب مع موال العربي بتفاعل مع الجو الطبيعي للحظة شمس بدأت في الإعلان عن نفسها وصوت دافئ يفرض الاسترخاء والتتبع لأنه يشد الانتباه جحظت كل معظم العيون في المغني تتبع جمال إلقائه، أنا قابلت منظر سطوع الشمس متمعنا الكلام الذي يلقيه با عروب واشرحه في السياق الذي أنا فيه ورفاقي في تلك المرحلة ، فنحن قد خرجنا للتو من معاناة التضييق وما يرافقها من ترسبات،  وكأني ب باعروب كان يغني لأجلنا في تلك الليلة وكأني به يحتفي بنا وأراد أن يزرع الأمل فينا، وأن أجزم أنه غنى هذه الأغنية لأجلنا، فهو الذي كان يعرف ما تكبدناه وما عانيناه فالعربي كان يتألم لأجلنا كثيرا.

كلام سوسدي كان صائبا، فالعربي صرح مرة للإعلام قائلا: " لمشاهب قصة عميقة عاشوا مراحل متعددة أنا عندما أسمع للمشاهب أبكي، قد لا يبكي شخص آخر عندما ينصت لأغانيهم لكني أنا أبكي لأني أعرف معاناتهم ومشاكلهم ......"