الجمعة 23 أغسطس 2019
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: أنسنة اللغة الحقوقية ضرورة إنسانية

مصطفى المنوزي: أنسنة اللغة الحقوقية ضرورة  إنسانية مصطفى المنوزي
لست أدري لماذا يصر بعضنا على تضليل الذات أن الدولة وحكومتها محايدة وغيرمتحيزة وفوق الصراع ؟ ولست ادري لماذا يتم تكريس هذا الإعتقاد الواهم، والحال أن الدولة أنشات لحماية مصالح التحالف الطبقي المهيمن إقتصاديا والمسيطر سياسيا وايديولوجيا؟ 
صحيح أن الدولة تتحصن وراء المقاربة الحقوقية بإفتعال معارك لإمتصاص النقمة والإلتفاف على جدول الاعمال الوطني المفترض، إلا وهو إستكمال ورش الإصلاحات السياسية والدستورية والتشريعية والمؤسساتية في أفق القطع مع الماضي، وصحيح أن الحركة الحقوقية لا تنساق مع التيار كما يحصل مع الأحزاب والنقابات، عبر ديناميات الصفقات والتسويات. ولكن يظل سؤال تاهيل الفعل الحقوقي مطروحا بإلحاح، فليس المهم التباهي (غرورا أو استيلابا ) بأننا حقوقيون من الدرجة الأولى أو من الدرجة الثانية، وليس مهما أيضا التباهي بالتاريخ والعودة إلى المنشأ أوأسباب النزول وانما يكفي تثمين لحظات التأسيس وتقييم المنجزات وكلفة التضحيات وتحصين المكتسبات، إن كان لها محل.
نعم عدد الأنشطة مهم، غير أن المفيد والمنتج هو كيف يمكن تأهيل هذا التنشيط  ومقارنته مع نسبة الوقع الاجتماعي والثقافي، وليس درجة الآثار الإعلامية المغرضة والعابرة أوالمنتجة للمظلومية والتأزيم المجاني، بل إن الأجدر من هذا وذاك هو أن يشعرالمرتفقون لمجال حقوق الإنسان أنهم تحولوا بفعل النضال الحقوقي، إلى مواطنين يتمثلون الحقوق والواجبات تجاه أنفسهم وتجاه الوطن الذي يحضنهم، مع اعتبار أن الفضل لايعود للأشخاص وحدهم فقط، وإن كانوا روادا أو أبطالا، وإنما يعود للحركة الحقوقية عامة والمجددة للمقاربات، باعتبار تكامل الأدواروتنوع التضحيات وتفاعل الكفاءات، مع حفظ الحق في التمتع بواجب الإعتراف الإجتماعي.
إنه فعلا عصرحقوق الإنسان بامتياز، ولكنه طويل من حيث الزمن وممتد من حيث المكان والمجالات، وعصي عن الفهم في اللحظة ذاتها، وهذا يتطلب منا الجواب عن سؤال الوقع الإنساني المستدام، بما يعنيه  تقييم اتجاه البوصلة الحقوقية، ليس فقط تجاه تحقيق المقاربة الحقوقية وفق المعايير الكونية، بل رصد كل امكانيات  تقويم المنحى الإنساني  للنضال الحقوقي ذي البعد الاجتماعي والثقافي قبل البعد المدني والسياسي، لأن هذا الأخير لن يكون محل سجال في العلاقة  مع الكلفة، السياسية والمالية، في حين تتطلب الحقوق الإقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية  إنفاقا عموميا كبيرا، في ظل تخلي الدولة عن « إجتماعيتها » المفترضة والملزمة معا، حسب السياقات، وفي ظلال إكراهات الوصاية المالية للخارج / الاستغلالي، لذلك  لابد من أن نفرع عن السؤال السابق أسئلة مدعمة، منها  سؤال مدى نجاحنا في بلورة  لغة إنسانية مشتركة، لغة وليس خطابا، نشدد مرة أخرى لغة إنسانية وليس خطابا، تفاديا للسقوط في فخ أدلجة المقاربة الحقوقية، فالحقوق يشرعنها  القانون وليس الأخلاق أوالدين أوالسياسة، فلنجرب  تحليل  السلطة والقوة  للتوصل إلى الغاية الحقوقية والتي تتنافرمع هذه المعطيات، أي الدين والأخلاق والسياسة وأحيانا الإقتصاد، لأن استدعاء شرعنة القوة والسلطة  يفيد في الحالات التي قد يبدو فيها أن مطلب التحريروالمقاومة إرهابا، يعفي من إعمال المقاربة الحقوقية، والذي قد يسقطنا في تبرير محاربة الانتهاك بانتهاك آخر، فليس الخطأ يصلحه الخطأ، وليس يكفي فضح الانتهاك دون العملعلى معالجة أسبابه، فالصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي له ثمنه، ومهمة الحقوقيين ليس التفكير في تجذيرنضالهم، بصفتهم تلك، من أجل تغيير منظومة الحكم  والحلول محل الحاكمين، وانما قد يسمح بهامش المعارضة من باب الإصلاح والحد من تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، دون الانشغال بطبيعة النظام أو التفكيرفي نيل السلطة وامتلاك القوة العمومية، التي هي حكر للدولة وحدها، لأن القانون يشرعن لها الحق في استعمال العنف المشروع، طبعا دون التعسف في استعماله.
فاللغة الانسانية المشتركة هي الخضوع طوعا لمقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، الضامنين لكل تدبيرسلمي، في أفق دمقرطة، الصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والبيئي حتى، أما الصراع الديني فيصعب تدبيره سلميا لتعطش أصحابه وغلو مضامينه  بالعنف المحقق للحق  في خلافة الله على الأرض. 
لقد تم استهلاك كل التراكم الحقوقي المنتوج، ودون إبداع  مستمر مقرون باستشراف، فسوف تنتصر المقاربة الأخلاقية  المغلفة للنفحات الايديولوجية والعقائدية.
تهيمن في توجيه بوصلة استكمال حلقات مسلسل عولمة اللغة الإنسانية المشتركة، لأنه لكل جيل خصوصياته القيمية الكونية، وليس المحلية، والتعددية والتنوع عوامل ستسعف لابتكارالممكنات مادامت الحقوق ستظل مكتسبة ومقاومة  لكل حقوق احتمالية، وربما  سنظل سجناء توجسنا من عقدة صراع الأجيال، مخافة تكريس قانون النفي المطلق، اللهم إذا أحسنا تطويرمسارومساطر أنسنة اللغة الإنسانية المشتركة بتخليص سلوكاتنا اليومية من التباهي والمزايدات التي قد تؤدي في حالة النكوص وعدم القدرة على الإقناع بالحقيقة السوسيولوجية أوالإعلامية، إلى تسييس المقاربة أوالاستنجاد بالتاريخ والاقتصاد أوالسلطة حتى، بما في سلطة المعلومة أوسلطة الأخلاق والسياسي الموجه لكل ماهو ثقافي.
نعم الأخلاق مفيدة  ولكن إذا تمثلناها جميعا كسلاح لقتل ثقافة التحقير والوصم الماسة بالحق في الكرامة والحق في التعايش السلمي في بيئة سليمة من النرجسيات، الفردية أوالجماعية .