الأربعاء 21 إبريل 2021
كتاب الرأي

حسن بن جميعة: مطالب غير دستورية للمطالبين بدسترة مهنتهم في مؤتمر جمعية هيئات المحامين

حسن بن جميعة: مطالب غير دستورية للمطالبين بدسترة مهنتهم في مؤتمر جمعية هيئات المحامين حسن بن جميعة
أسدل المحامون الستارعلى مؤتمر جمعية هيئاتهم الذي احتضنته مدينة فاس أيام 18-19-20 أبريل 2019، أسدل الستار على رفع توصيات المؤتمرات والمؤتمرين، ومن بين المطالب التي دفع بها أصحاب البذلة السوداء، مطلب إلزامية تنصيب محام في كل القضايا دون استثناء تحت طائلة جزاء عدم القبول، وبهذا المطلب يكون معشر المحامين الذين يطالبون بدسترة مهنتهم، يضربون الدستور في صميمه، وذلك بالدفع بحرمان المواطن من الحق في الولوج إلى العدالة، عن طريق وضع دعوى أو شكاية دون الرجوع إلى المحامي.
وإذا ما تأملنا في هذا المطلب، نكون قد وقفنا عند مجزرة الحقوق، وليس الدفاع عنها، مما يجعل شعار المؤتمر بعيدا كل البعد عن مخرجات هذا العرس الحقوقي، سيسأل سائل كيف ذلك؟
الجواب ببساطة أن التقاضي حق من حقوق المواطن، ولا أحد له الحق في ضربه، وبالتالي، إذا دفعنا بمطلب الإلزامية، فكيف لمواطن لا حول و لا قوة له، هضم حقه، أو احتل ملكه، أو تعرض لاعتداء، أو النصب، و ما إلى ذلك من الجرائم، و أراد أن يطرق باب العدالة بحثا عن الإنصاف، فإذا به يصطدم بإلزامية تنصيب محام، و ظروفه المادية لا تسمح بذلك، فهل يتنازل تلقائيا عن البحث عن الإنصاف؟ أم يطرق باب أحد المحامين طالبا المؤازرة، و لكن دون مقابل، حيث أنه لا يمكنه توفير أتعاب هذا المحام؟
من هنا سأعود إلى مسألة غاية في الأهمية، ألا و هي المساعدة القضائية:
كيف للمحامين، و إن لم نقل كلهم فجلهم له موقف من المساعدة القضائية، نظرا لما يروه شح في التعويضات، أن يؤازروا مواطنا فقيرا دون مقابل، و هم يطالبون بإلزامية تنصيب محام في كل القضايا بدون استثناء؟
سيدفع البعض إلى القول إن المحامين طالبوا بذلك لنشر الثقافة القانونية، هنا سأرد و أقول، أين تكمن الثقافة القانونية إذا ما استحضرنا مثلا جدية المحام مع الملفات، فهل يتعامل المحام مع كل الملفات بنفس الجدية؟ هل يتعامل مع الملفات المحددة في إطار المساعدة القضائية بنفس الجدية و الحماس، كما هو الحال بالنسبة للملفات المدفوعة الأتعاب؟
إن مطلب إلزامية تنصيب محام في كل القضايا بدون استثناء تحت طائلة جزاء عدم القبول، يدخل في باب استعباد المواطن، فكيف لنا أن نحرم المواطن من حقه في التقاضي، إذا ما رأى أنه لا حاجة له في تنصيب محام، و أنه يريد وضع شكايته لدى النيابة العامة، أو قضاء التحقيق، من منطلق أن ممثل النيابة العامة و قاضي التحقيق ملزمان بالتعامل الجدي مع الشكاية المقدمة لهما، و أنه في حالة تقديم الشكاية مباشرة من طرف المواطن، يصبح فيها دور ممثل النيابة العامة أو قاضي التحقيق دورا مزدوجا، البث في الشكاية، و الوقوف إلى جانب المتظلم لإنصافه، و بالتالي يبقى تنصيب المحام اختياري بالنسبة لصاحب الشكاية، ما دامت الجهة المشتكى لها ملزمة بإنصافه، طبقا للدستور وكذلك القانون، كما ينخرط في هذا الدور أي دور الوقوف إلى جانب المظلوم قضاة الأحكام، من خلال إعمال القانون، و الحكم بما يروه مناسبا طبقا للقانون، و التزاما بالدستور، الذي يبقى الكفيل بحماية الحقوق، و منها الحق في التقاضي، من منطلق أن القضاء سلطة أسمى لمناصرة المتقاضي المتظلم إذا ثبت فعلا أنه صاحب حق، و التصدي للمتقاضي الذي يريد تضليل العدالة، و معاقبة المطلوب للقضاء الذي يثبت أنه ظالم أو معتد.
إن مطلب إلزامية تنصيب محام يتعارض و الشعار الذي رفعه أصحاب البذلة السوداء في مؤتمرهم، فإذا كانوا قد رفعوا شعار"من أجل تشريع يحقق الولوج المستنير إلى العدالة"، فسنجد أن مطلبهم سيلعب أكبر دور في عرقلة هذا الولوج بالنسبة للمواطنين الذين لا قوة لهم على ذلك؟ و بالتالي يكون مطلبهم مطلبا أنانيا بامتياز، الغاية منه إنعاش مكاتبهم، و لو على حساب المواطن.
إن أهم المطالب التي تلزم الجميع هو توفير المناخ الملائم لتحقيق العدالة، و الذي لا يمكن استنشاقه إلا بعدالة حقة، تصان من طرف كل أفراد أسرة العدالة، والكل فيها يتصدى لمن يريد تحقيرها، من خلال اللجوء إلى المحاكم بشكايات كيدية، و شهود زور، و وثائق مزورة، ونية خبيثة، و هنا سنقف على مسألة تخليق المرافق، من خلال التصدي لكل من يسيء للعدالة من الداخل، سواء كان قاضيا غلبت عليه الأنانية، و نسي القسم الذي أداه للسهر على تطبيق القانون، أو محام انزوى إلى كفة النصابين والمجرمين...، وبدأ يدافع باستماتة عليهم للزج ببريء في السجن، أو للاستحواذ على حقوق بريء....إلخ، أو كاتب ضبط أؤتمن على ملفات المتقاضين، فعاث في بعضها فسادا، وأخفى منها وثائق ومستندات، أو قام بإخفاء الملف كاملا ليصعب الوصول إليه خدمة لجهة أو جهات معينة، أو مفوضا قضائيا يتحايل على القانون، و يصنع أحداثا غير صحيحة، كما هو الحال بالنسبة للمعاينات و التبليغات....، و ما إلى ذلك من الإجراءات التي لو تمت على الوجه الصحيح ستنير العدالة، و ستضع حدا للمجرمين كيفما علا شأنهم، ولا ننسى الضابطة القضائية التي تعد عصب العدالة، و التي سنعود لمناقشتها في موضوع آخر.
إن ما كتب ليس من باب التهجم على أسرة العدالة، و خصوصا المحامون، بل هي غيرة على العدالة الحقيقية، ومساهمة في نقاش طالما أثار الكثير من اللغط.
ناشط حقوقي وإعلامي