الأربعاء 28 يوليو 2021
مجتمع

نقيب سابق يقدم الجواب الشافي لسؤال مادة الجنائي في مباراة المحاماة بخصوص التقادم

نقيب سابق يقدم الجواب الشافي لسؤال مادة الجنائي في مباراة المحاماة بخصوص التقادم
 

تجاذبت الآراء حول النازلة المطروحة في امتحان الاهلية بخصوص أمد تقادم عقوبة الحبس المحكوم بها في قضية جنائية بين قائل بخضوعها لمدة 15 سنة وبين من يقول بخضوعها لأمد التقادم الرباعي.
وفي هذا السياق توصلت جريدة
"أنفاس بريس"، بوجهة نظر لنقيب سابق:

 

تجاذبت الآراء حول النازلة المطروحة في امتحان الاهلية بخصوص أمد تقادم عقوبة الحبس المحكوم بها في قضية جنائية بين قائل بخضوعها لمدة 15 سنة وبين من يقول بخضوعها لأمد التقادم الرباعي .
وقبل طرح وجهة نظرنا، فإني اود ان اذكر ان الدورية الصادرة عن السيد رئيس النيابة في هذا الخصوص والتي تسير على نحو اعتبار تقادم العقوبة الحبسية المحكوم بها في قضية جنائية هو بالحد المحكوم به في مثل هذه القضايا، فهي تبقى مجرد رأي وليس بمثابة التفسير السليم للقانون، ولا يخفى على احد ان التفسير هو من مهمة القضاء الجالس وليس القضاء الواقف ولكن للأسف الشديد نرى الكثير من رجالات المهنة يقدسون ما جاء على لسان رئيس النيابة العامة وكأنه قرآنا منزلا .
على كل حال؛ فالمواد القانونية المنظمة لهذا الموضوع تتجلى في المواد 16, 111 ,112 , 113 , 146 و147 من القانون الجنائي ثم المواد من 648 الى 651 و المادة 688 من قانون المسطرة الجنائية، وعلى ما يبدو من الآراء المتجاذبة في هذا الخصوص، يتبين ان الفريق المناصر لفكرة تقادم عقوبة حبسية محكوم بها في قضية جنائية ؛انما يخضع للتقادم الرباعي فمناصري هذا الطرح انما يفصلون العقوبة عن نوع الجريمة ويتمسكون باللفظ الحرفي للنصوص المنظمة للتقادم، وحسب اعتقادهم فالعبرة بتحديد نوع العقوبة هو مدة العقوبة المحكوم بها قضائيا، وليس مدة العقوبة المحددة سلفا في النص القانون المعاقب على كل جريمة على حدى.
ولكن السؤال المطروح في هذا الصدد هو :
ما هو المعيار الذي وضعه المشرع لتحديد طبيعة العقوبة بين جنائية و جنحية ومخالفة ؟
وهل طبيعة الأفعال الجرمية هي المعيار الذي على ضوئه يتحدد طبيعة العقوبة ؟ أم أن هذه الأخيرة هي التي تعتبر معيارا لتحديد طبيعة الفعل الجرمي وبالتالي وصفه بكونه فعلا جنائيا أم جنحيا أم يشكل مجرد مخالفة؟ وهل أن تحديد طبيعة العقوبة هو رهين بصدور مقرر قضائي اي انه لكي نحدد طبيعة العقوبة يتوجب علينا الإنتظار حتى صدرو حكم قضائي الذي يحدد مدة العقوبة .فإذا كانت اقل من 4 سنوات نصفها بالعقوبة الجنحية حتى لو تعلق الأمر بفعل جنائي واذا تعدت 4 سنوات نصفها بالعقوبة الجنحية ؟
وبالنسبة الى رأينا المتواضع ،فالعقوبة الحبسية المحكوم بها في قضية جنائية بعد اعمال ظروف التخفيف تبقى محكومة باحكام التقادم الذي مدته 15 سنة وذلك للأسباب التالية :
أولا : ن تحديد طبيعة العقوبة هم مسألة قانونية :
بالرجوع الى مقتضيات المادة 111 من القانون الجنائي نجدها تنص على ما يلي :
" الجرائم اما جنايات أوجنح تأديبية أو جنح ضبطية أومخالفات على التفصيل الاتي:
الجريمة التي تــدخل عقوبتهـــا ضمن العقوبــأت المنصوص عليها في الفصل 16 تعد جناية الجريمة التي يعـاقب عليها القانـــون بالحبس الذي يزيد حده الأقصى عن سنتين تعد جنحة تأديبية .
الجريمة التي يعــاقب عليها القانون بحبس حده الأقصى سنتان أو أقل او بغرامة تزيد عن مائتي درهم تعد جنحة ضبطية .
فحسب المادة 111 أعلاه فالأساس الذي اعتبره المشرع كمعيار لتحديد طبيعة الفعل الجرمي ووصفه بالجنائي أوالجنحي، إنما يكمن في العقوبة ذاتها المنصوص عليها مسبقا من خلال النصوص القانونية المعاقبة على كل جريمة على حدا، أي أن العقوبة تم وصفها قانونا من خلال النص القانوني المعاقب على الجريمة، وبالتالي فلتحديد طبيعة العقوبة يتوجب علينا اولا ان نكيف الافعال الجرمية ثم نضعها في اطارها القانوني لنعرف نوع العقوبة المطبقة؛ فتكون اما جنائية او جنحية حسب الأحوال، وليس من شأن منطوق الحكم أن يغير من وصفها الجنائي بسبب ظروف التخفيف، فظروف التخفيف لا يغير من طبيعة ونوع العقوبة الجنائية وإنما يغير من مدة العقوبة التي تبقى خاضعة لإطارها القانوني حتى ولو تم الحكم على الأفعال المشكلة لها بالحبس.
وتنص المادة 112 من القانون الجنائي على ما يلي :
"لا يتغير نوع الجريمة إذا حكم بعقوبة متعلقة بنوع آخر من انواع الجرائم لسبب تخفيف أو حالة العود "
فالملاحظ من خلال نص المادة 112 أعلاه، أن المشرع يتحدث عن تطبيق عقوبة وهي تتعلق بنوع آخر من الجرائم ولا شك ان نوع الجريمة انما يتحدد بمدة العقوبة طبقا للمادة 111 من القانون الجنائي أي أن الأساس في التكييف بين جناية وجنحة ومخالفة يبقى دائما هوالعقوبة ذاتها ؛فإذا وقع فعل جرمي فلمعرفة طبيعته هل هو جنائي أم جنحي نرجع الى قدر العقوبة المقررة له قانونا؛ فإذا كانت هذه العقوبة والمنصوص عليها قانونا تندرج ضمن العقوبات المنصوص عليها في المادة 16 من القانون الجنائي فهي اما عقوبة جنائية او جنحية او مجرد مخالفة.
أي أن وصف العقوبة بالجنائية أو الجنحية إنما يستمد أساسه من العقوبة المحددة سلفا في النص القانوني المعاقب على الجريمة، فتوصف بكونها عقوبة جنائية حتى ولو تم الحكم فيها بالحبس، وليس من شأن منطوق الحكم أن يغير في وصفها القانوني خاصة أن ظروف التخفيف لا يغير من طبيعة العقوبة، وإنما فقط ينزل بها الى حد ما ولعل الدليل لى ذلك هو ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 146 من القانون الجنائي بخصوص الآثار المترتبة عن ظروف التخفيف والتي تنص على ما يلي:
ومنح الظروف المخففة ينتج عنه تخفيف العقوبات المطبقة …
فالاثر الذي ينتج عن التخفيف هو مجرد تخفيف العقوبات المطبقة وليس تغيير وصفها، ولو كان المشرع يريد بذلك تغيير وصفها لما كان قد اورد الفقرة الأخيرة من المادة 146 أعلاه.
بل والأكثر من ذلك فالمشرع من خلال الفقرة الأخيرة من المادة 146 المشار اليها أعلاه فقد نص هكذا : "العقوبات المطبقة " أي العقوبة على المتهم قبل النظر الى ظروف التخفيف .
كما انه بتمحيص مقتضيات المادة 147 من القانون الجنائي نجدها تنص على ما يلي :
إذا كانت العقوبة المقررة في القانون …
أي أن اساس العقوبة يبقى هو العقوبة المقررة من خلال النص القانوني والتي قد يتم تخفيفها الى حد العقوبة الحبسية وليس تغيير وصفها من جنائية الى جنحية، والسؤال المطروح هو لماذا نص المشرع في المادة 112 على أنه :"لا يتغير نوع الجريمة إذا حكم بعقوبة متعلقة بنوع آخر من انواع الجرائم لسبب تخفيف أو حالة العود "
فما الفائدة مة هذا النص القانوني لو لم يكن المشرع يقصد به الابقاء على الوصف الجنائي للعقوبة حتى في حالة تمتيع المكوم به بالظروف القضائية المخففة والحكم عليه بعقوبة حبسية ؟؟؟
فبمطالعة المادة 688 بخصوص آجالات رد الاعتبار فستلاحظون انها ميزت بين 5 حالات وفق ما يلي :
3 :فيما يخص العقوبة الوحيدة بالحبس لمدة لا تتجاوز مدة سنتين أو فيما يخص عدة عقوبات لا يتجاوز مجموعها سنة واحدة، بعد انتهاء أجل عشر سنوات تبتدئ حسبما هو منصوص عليه في الفقرة الثانية أعلاه.
4 : فيما يخص العقوبة الوحيدة بالحبـــس لمدة تتجاوز سنتين من أجل جنحــــة أو فيما يخص عقوبات متعددة يتجاوز مجموعها سنة واحدة من أجل جنحة بعد انصرام أجل خمس عشرة سنة تحتسب بنفس الطريقة ”
5 : "فيما يخص العقوبة الجنائية او العقوبات الجنائية المتعددة بعد انصرام اجل عشرين سنة ابتداء من يوم انقضاء آخر عقوبة أو انصرام امد تقادمها" 
والملاحظ أن السطر 3 من المادة 688 أعلاه تحدثت عن عقوبة الحبس لمدة لا تتجاوز السنتين ودون تقيدها مما اذا كانت هذه العقوبة من أجل جنحة وجعلت أجال رد الاعتبار القانوني في 10سنة من تاريخ يوم انهاء العقوبة او انصرام اجل التقادم ؛بينما في السطر رقم 4 من نفس المادة 688 نجد المشرع يتحدث عن عقوبة الحبس لمدة تتجـــاوز مدة سنتين ومن أجل جنحــة وجعل أجال رد الاعتبار القانوني هو 15 سنة تحسب بنفس الطريقة .
إذن, فلو اعتبرنا أن عقوبة الحبس المطبقة على الجنايات تأخد حكم العقوبة الجنحية؛ وتتصف بها وتخضع للتقادم الرباعي بحكم أن الأمر يتعلق بعقوبة جنحية فهذا سيؤدي الى نتيجة غير مقبولة اذا ما قارنا السطرين رقم 3و4 من المادة 688 اذ السطر 3 لم يحدد نوع الجريمة المحكوم من أجلها بالحبس انما اقتصر فقط على كلمة الحبس أي انه في هذه الحالة اذا تم الحكم بعقوبة حبسية من أجل جناية بعد اعمال ظروف التخفيف فإن رد الاعتبار القانوني سيكون أجله هو 10 سنوات فقط بالرغم من أن الأمر يتعلق بجناية بينما في السطر رقم 4 من المادة 688 ذاتها يتحدث المشرع عن الحبس لمدة تتجاوز سنتين ومن أجل جنـحة فقط وجعل اجال رد الاعتبار القانوني هو 15 سنة .
فكيف يعقل جعل  آجال رد الإعتبار القانوني في مدة 10 سنوات فقط بالنسبة لعقوبة حبسية لا تتجاوز سنتين من أجل جناية روعي فيها ظروف التخفيف بينما أن  آجال رد الاعتبار القانوني بالنسبة لعقوبة حبسية من أجل جنحة هو 15 سنة وهي مجرد جنحة وشتان بين الجنحة والجناية؟؟؟.

فلو صدرت عقوبة حبسية من أجل جناية بعد اعمال ظروف التخفيف اليس النص الواجب التطبيق في الرد الإعتبار القانوني هو السطر رقم 5 من المادة 688 المتعلق بالعقوبــات الجنائية وذلك بمفهوم المخالفة للسطر رقم 4 من نفس المادة الذي يتحدث عن العقوبة الحبسية من أجل جنحة ؟
اذن لو كان المشرع يريد اضفاء خصائص العقوبة الحبسية على جريمة جنائية حوكم فيها بالحبس نظرا لظروف التخفيف ؛ويعتبرها بمثابة عقوبة جنحية وليس عقوبة جنائية ما كان ليسقط في التناقض الملاحظ في مضمون الأسطر 3 و 4 و 5 من المادة 688 كما تم تفصيله أعلاه .
فالسطر رقم 3 يتحدث عن عقوبة حبسية لمدة لا تتجاوز سنتين وهي عقوبة يمكن للمحكمة أن تقررها في قضية جنائية بعد تمتيع المتهم بظروف التخفيف طبقا للفقرة الرابعة من المادة 147 من القانون الجنائي التي تنص على ما يلي :
" واذا كان الحد الادنى للعقوبة المقررة هو خمس سنوات سجنا فإنها تطبق الحبس من سنة الى خمس سنوات "
اذن حسب هذه الفقرة؛ فإنه يمكن للمحكمة الجنائية ان تقضي بعقوبة حبسية تصل الى سنة ؛وأنه اذا اعتبرنا ان هذه العقوبة المحكوم بها هي عقوبة جنحية نظرا لمدتها كما ذهب البعض في ذلك ؛فلا شك ان رد الاعتبار القانوني في هذه الحالة سيخضع لمقتضيات السطر 3 من المادة 688 من القانون الجنائي والتي جعلت أجاله محددة فقط في عشر سنولت بالرغم من أن الأمر يتعلق بجناية والحال ان السطر 4 من نفس المادة جعلت اجال رد الإعتبار القانوني بالنسبة للعقوبة الحبسية من جنحة في 15 سنة كاملة، وهي نتيجة لا يقبلها العقل على الاطلاق.
اذن وخلاصة القول فإن وصف العقوبة بين الجنائية والجنحية لإعمال التقادم ليس مستندا الى طبيعة الإعتقال بين الحبس والسجن، ولكن وصف العقوبة يستند الى الوصف القانوني المؤطر للعقوبة المقررة قانونا لمعاقبة الجريمة وليس من شأن ظروف التخفيف تغيير طبيعة العقوبة بدليل نص المادة 112 من القانون الجنائي، وبذلك فإن تقادم العقوبة الجنائية يخضع لمدة 15 سنة حتى ولو حوكم بعقوبة حبسية بسبب ظروف التخفيف.
نقيب سابق