الجمعة 19 إبريل 2019
سياسة

عبد الحميد جماهري: محمد بنسعيد قصته مع الصحافة وقصة الصحافة معه.. تاريخ متفرد! (3/1)

عبد الحميد جماهري: محمد بنسعيد قصته مع الصحافة وقصة الصحافة معه.. تاريخ متفرد! (3/1) عبد الحميد جماهري وفي الإطار محمد بنسعيد أيت إيدر

في ثلاثة أجزاء، تنشر جريدة "أنفاس بريس"، مساهمة الزميل عبد الحميد جماهري، خلال ندوة نظمت مؤخرا حول إصدار محمد بنسعيد أيت إيدر "هكذا تكلم محمد بنسعيد"..

أعترف بداية، أنني احترت في اختيار زاوية المقاربة:

قلت أولا، لماذا لا أختار أحداثا بعينها، عالجها كبار الوطنيين، والقادة التقدميون والمؤسسون أصحاب المذكرات من الديموقراطيين وأنصاع لما في المقارنة من اختبار ومن شاعرية.. خاصة واني عشت في ملتقى الكثير من المذكرات، هنا والآن وهناك ودوما مع ترجمة عبد الرحيم بوعبيد ومذكرات محمد الرايس ومذكرات مانديلا وغيرهم من صناع الذاكرة..

بدا التمرين مكلفا، من حيث الديمومة ومن حيث الوقت، فأجلته.

واعترف بداية ثانية، أنني كنت قد قلت لاثنين من رفاق القائد سي محمد أيت ايدر، أنني كنت أفضل الغلاف، بصورة المقاوم برشاش أو ببذلة عسكرية، ولم لا بدبابة صغيرة، تعيد المجد برمته إلى حاضرنا، لكن مصاحبة الكتاب، والقراءة المتكررة فرضت اعترافي بأن في هذا رسالة بليغة مفادها أننا كجيل حديث في مغرب الاستقلال والجيل الأكثر حداثة منا، نعود في الواقع إلى أسلافنا الطاهرين لنتعلم الغضب نفسه، والحلم نفسه، ونحتكم إلى مخزونهم الأخلاقي لمحاكمة قيم الحاضر، وننتصر لما فيهم من نزاهة وكرامة، وتمجيد للحرية، واقترحت عليَّ أن أتناول زاوية تلخص ما قلته: قيم التحرير في بناء التغيير..

ولأن الشاعر يحدس ما ينتاب الشاعر، اقترح علي ياسين عدنان، بدون قصد ولا شك، أن أدخل إلى حضرة السيد محمد بنسعيد ايت يدر من زاوية مهنية.. أي إعلامية، لماذا؟ هكذا قلت وأنا أعرف أنني سأقلِّم فضولي الكثير، وسأهدب بإرادة قوية رغبتي في أن أتحدث في كل شيء لأن في الكتاب متسع واسع لحرية الحديث، وقراءة المغرب السياسي.

وانزحت في النهاية إلى محمد بنسعيد الاعلامي، لكي أثبت نرجسيتنا بان نجعله أحد مراجعنا وأسلافنا:

قلت يجب ألا نتركه، نحن الإعلاميون لرجال السياسة وحدهم.. ولرجال المقاومة وحدهم.. وقادة اليسار وحدهم..

وانزحت في النهاية إلى محمد بنسعيد الإعلامي

هو أيضا أبونا الذي بصم الصحافة بنبله..

إلى محمد بنسعيد والإعلام كعلاقة هوية.

إلى محمد بنسعيد والإعلام كعلاقة بناء.

إلى محمد بنسعيد والإعلام كعلاقة فرز سياسي.

في البداية، علاقة هوية..

ينتمي محمد بن سعيد أيت يدر، إلى ثلة من كبار العمل الوطني، السياسي، النضالي المغربي، الذين شكلوا استثناء كبيرا في القرن الذي عبروه بمجد، حيث كانت الصحافة مختبر هويتهم النضالية، وأيضا إقامتهم الدائمة لمحاربة السياسة، أذكر محمد بن عبد الكريم الخطابي، مراسلا وصحفيا في يومية "تلغراف الريف" أذكر المهدي بن بركة، وجريدة "العلم"، أذكر لفقيه البصري، بوعبيد، اليوسفي، علي يعتة. وكلهم قادوا حركات سياسية تقدمية كانت الصحافة في صلب تكوينهم ورسالتهم..

من حسن حظنا كإعلاميين اليوم أن شهادة محمد بنسعيد ايت يدر، تكشف ترابط العلم والمعرفة والعمل الوطني، بميلاد صحافتنا، ثم بانشغاله به، ومن حسن حظنا أنه أحد آبائنا في الإعلام والسياسة الذين يكشفون الماضي الذهبي الذي ننتمي إليه في الهنا والآن.

من الوهلة الأولى كانت الصحافة طريق الوعي، ومن الصفحة "49" نلتقي بأثر الإعلام في سيرة المناضل والوطني الشاب، إذ يقول "على يد المختار السوسي حفظت قصائد الشعر الجاهلي، وإلى جانب التكوين الدراسي، أتاحت لي الإقامة في مراكش فرص التعرف على مظاهر الحياة الحديثة، إذ صرت أرتاد دور السينما وأشاهد أفلام ذلك الوقت، وأقتني المجلات والجرائد وفي طليعتها "العلم"، التي فتحت وعيي على النكبة الفلسطينية إبان وقوعها، وكانت سببا في دخولي معترك السياسة وانضمامي لحزب الاستقلال".

فنحن مدينون لمهنتنا أنها أغرت القائد بنسعيد بدخول المعترك كدليل ميلاد الوعي الوطني والقومي من الصحافة، من صلب المدرسة الجليلة أمنا "العلم".

ونحن ولا شك في حاجة إلى هذه الشهادة ليزداد اعتزازنا بمهنة دخلت دائرة الشبهة.

لم يكن الإعلام شيء طارئا من البداية، كان قبلة مختارة بعناية ووعي ولعله المجرى الطبيعي للمناضل الطالب الذي صارع الكلاوي وقوات الاستعمار، لهذا سعى في بداية الخمسينيات إلى "مأسسة" علاقاته كما نقول اليوم، وكتابة ذلك باللفظ البسيط والتداولي والصحفي للتعبير عن ذلك، "ارتأيت في دجنبر 1952 السفر إلى الرباط لبحث سبل الاتصال بجريدة "العلم" وتأمين وصول مراسلاتي التي تغطي ما يقع بالجنوب من أحداث، وفعلا سافرت إلى العاصمة للقاء أحمد زياد، وصلت يوم خامس دجنبر، ولم يكن يوما عاديا، فقد تصادف مع حدث كبير هو اغتيال النقابي فرحات حشاد". يد الصدفة ترتب الحكي جيدا وترتب عناوين سيرته.

ومرة أخرى يلتقي الالتزام الوطني والالتزام القومي، في شقه المغاربي، لتصقل علاقة بنسعيد بهويته الإعلامية كمكون حقيقي. وعندما يتحول الطالب المراسل والمناضل السياسي إلى العمل المسلح سيختفي الإعلامي ليحل محله المقاوم ويتحول، كما هو حال  "أحمد زياد" إلى فاعل في جيش التحرير.