الأربعاء 11 ديسمبر 2019
سياسة

المركز المغربي للديمقراطية يرصد سؤال "البيئة الأمنية وكيفية صناعة السياسات العمومية"

المركز المغربي للديمقراطية يرصد سؤال "البيئة الأمنية وكيفية صناعة السياسات العمومية" صورة جماعية للمشاركية في الورشة

نظم المركز المغربي للديمقراطية والأمن ورشة تقييمية واستشرافية حول البيئة الأمنية وكيفية صناعة السياسات العمومية في مجال الأمن بالمغرب، بمشاركة اكاديميين وسوسيولوجيين وحقوقيين مختصين في المجال.. وتوصلنا كبداية حجة على أنه يصعب التسليم بأن هناك سياسة عمومية بالمعنى الأكاديمي، بالنظر إلى أن الأجهزة الأمنية تشتغل بشكل قطاعي، يبدو مستقلا عن إرادة الحكومة، تستمد استقلالها الذاتي من تبعيتها المباشرة للملك كرئيس للمجالس العليا ذات الصلة، وكأمير للمؤمنين.

 

من هنا نكون أمام مجرد مخططات قطاعية، تجتهد خارج نفوذ الجهاز الحكومة، حتى لا نقول السلطة التنفيذية.. وبذلك يمكن الاستنتاج، بصفة أولية، بأن الحزبيين لا يهتمون بالسياسة الأمنية استراتيجيا ولا يراقبون أداء الاجهزة، ويحترفون فقط إصدار بيانات التضامن.

 

مفارقة تحتاج تشخيصا نقديا؛ فبغض النظر عن ترسبات وتداعيات الماضي التي تكاد تحسم في طبيعة النظام السياسي، الذي في نظر الأغلبية، راكم تجربة  كبيرة في القمع والالتفاف، وكادت سنوات الرصاص  أن تشكل لدى بعضهم عنوانا للدولة الأمنية المخيفة، بدل الدولة القوية الآمنة، على شكل تمثلات تطوقها فوبيا تكرار الانتهاكات الجسيمة، مما أسس لمفارقة خطيرة، لأن الوضع يقتضي البحث عن خطط من أجل إرساء ضمانات عدم التكرار، بدل الاستمرار في تكريس الرعب ونشره بين المواطنين، بعلة أن طبيعة النظام قمعية ولا ديمقراطية، إلى درجة التضخيم في هذه "الطبيعة" بإقرانها بأن الدولة تسخر تجربتها الاجتماعية وذكائها الأمني، تمتح من الخبرات الأجنبية، وهو اعتقاد رسخ لدى الحزبيين أن الأمن مجال محفوظ للملك، مما يوحي أن الاستقرار أفضل من الديموقراطية، وأقل كلفة وعناء، ويدفعهم إلى تبني سياسة التكيف عوض التحول، عبر تسويات تفضي إلى تأجيل اللحظة الدمقراطية  لفائدة  اللحظة الوطنية، بمبررات تقوية الجبهة الداخلية لأجل قضية الوحدة الترابية أو مواجهة الأخطار الخارجية أو مناهضة الإرهاب. 

 

وفي هذا الصدد تثار مسؤولية النخبة التي لم تجدد نفسها المعرفي، وانخرطت في هندسة السلم الاجتماعي دون  تأطير المقاربات بالحكامة الأمنية، والتي لن تتشكل معالمها دون دمقرطة صناعة القرار  الأمني وترشيد استعمال القوة العمومية. فلا يعقل تصور تدبير سلمي وعقلاني للصراع الاجتماعي والسياسي، دون العمل على ترسيخ الأمن كحق مضمون للمواطنين والوطن قبل الدولة والنظام، حيث إن الأمن عملية متواصلة لأجل التوفيق بين حفظ النظام العام وبين الحريات والحقوق، كنتيجة لضمان الحق في الأمن ضد الخوف وضد الحاجة.

 

وعندما نحاول تفكيك ألغاز هذه المفارقات، علينا استحضار أن المسألة الأمنية جزء من إشكالية المشروعية، كتجسيد لسؤال السيادة والسلطة، لأن القوة العمومية، من مؤسسات وقانون، ينبغي أن تخضع للرقابة من قبل السلطات الدستورية المختصة.. فكيف يتأتى ذلك والحال أن سؤال ومطلب حكامة التشريع يطرح نفسه بإلحاح شديد، بنفس قدر سؤال الأمن القضائي كمظهر من مظاهر إقرار مبدأ فصل السلطات واستقلال بعضها عن بعض، والذي يصعب تصوره في ظل تماهي المسؤوليات وتضخم صلاحيات وتحكم السلطة  التنفيذية.

 

ويبدو أن مجهودات كبيرة تنتظر المركز المغربي للدمقراطية والأمن، من أجل مزيد من التعبئة والحوار مع الفاعلين السياسيين، على الخصوص، في ظل الوعي باستنفاذ العملية السياسية، التي انطلقت مع العهد الجديد ، لمقتضياتها "الموعودة" في علاقتها بالمفهوم الجديد للسلطة، مما يستدعي إطلاق نقاش عمومي من أجل بلورة جيل جديد من الإصلاحات، قوامه ربط  المطلب الأمني بالبناء الدمقراطي.