الأربعاء 21 أغسطس 2019
كتاب الرأي

زاوي: المغرب ودول الخليج.. نمط جديد من العلاقات لتفادي الهزات

زاوي:  المغرب ودول الخليج.. نمط جديد من العلاقات لتفادي الهزات عبد القادر زاوي
لاشك أن سحابة سوء الفهم والتفاهم التي لبدت مؤخرا سماء العلاقات المغربية السعودية، ونسبيا سماء العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة ستزول كليا إن عاجلا أو آجلا، وسيعود ولو تدريجيا دفء التواصل مع هذين البلدين الشقيقين اللذين كانا عبر محطات تاريخية عديدة سندا قويا للمغرب في أحلك الظروف وأشدها وطأة سواء على مستوى الدفاع عن وحدته الترابية أو مواجهة تعثراته المالية والاقتصادية.
إن عودة الدفء هذه لا تعني أبدا استعادة الزخم المعهود في هذه العلاقات، سيما إذا ما جرى السعي وراءه بنفس الأساليب والوسائل السابقة، والتي مثلت الانتكاسة الجزئية مؤخرا جرس إنذار بضرورة تجاوزها والبحث عن وسائل وأساليب غيرها إذا ما كانت لدى من يهمهم الأمر الرغبة المتبادلة في تطوير تلك العلاقات الأخوية، التي ظلت دوما متميزة، وشكلت في العديد من الأوقات نموذجا يحتذى، وقاطرة قائدة للعمل العربي المشترك.
ومن المتابعة الدقيقة لكل ما جرى تداوله وتسريبه بدت واضحة مجموعة إرهاصات من العواصم الثلاث تفيد بأن الرغبة متبادلة في محاصرة حالات سوء التفاهم ومنعها من التوسع، لعل أبرزها إصرار وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربي على تكرار نفي أن يكون وجود سفيري المملكة في كل من الرياض وأبو ظبي بالرباط وفي وقت واحد شكلا من أشكال استدعائهما للتشاور كتعبير عن امتعاض أو تذمر مغربي من سلوك ما قد يكون بدر من العاصمتين الخليجيتين.
وقد ذهب السيد الوزير في معرض دحضه لتلك المعلومات الرائجة عن استدعاء السفيرين إلى حد اعتبار أن الغرض من وجودهما بالرباط هو لمحاولة معرفة ما يجري من تحولات داخل منطقة الخليج بغية التكيف مع ما يحدث من تغيرات داخل هذه الدول وبين بعضها البعض ثم الاستعداد لما قد تحمله من تأثيرات على المغرب. ولكن من الوهلة الأولى يتضح أن كلام السيد الوزير قد صدر بشكل عفوي، ولو أنه فكر فيه قليلا لما فاه به ؛ لأن تبريرا كهذا يتعلق بمجمل العلاقات المغربية الخليجية يتطلب استدعاء كل سفراء المملكة في المنطقة الخليج وليس اثنين فقط.
ومع ذلك، فإن التصريح العفوي للسيد الوزير يشكل لو تم التفكير في استثماره فرصة سانحة لإعادة النظر في نمط العلاقات المغربية الخليجية بصفة خاصة والعالم العربي بصفة عامة على ضوء كل التحولات والمتغيرات التي شهدها هذا العالم منذ اندلاع ثورات الربيع العربي واحتجاجاته، والتي ما تزال ارتداداتها قائمة هنا وهناك، وبعض ساحاتها ملتهبة في حروب أهلية ضروس لا أمل في الخروج منها في الأمد المنظور.
إن الإقدام على خطوة كهذه في سياق العلاقات المغربية العربية بصفة عامة والمغربية الخليجية بشكل خاص تستمد شرعيتها ومشروعيتها من مقتضيات دستور المملكة لسنة 2011، الذي منحتها ديباجته صدارة ملفات السياسة الخارجية للبلاد. فقد وضعت هذه الديباجة العمل على بناء الاتحاد المغاربي خيارا استراتيجيا، ونصت مباشرة بعد ذلك على ضرورة "تعميق أواصر الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية، وتوطيد وشائج الأخوة والتضامن مع شعوبها الشقيقية".
لقد أبرز جلالة الملك محمد السادس هذا التوجه الدستوري الاستراتيجي بشكل واضح وصريح في الكلمة التي ألقاها جلالته في قمة دول مجلس التعاون الخليجي التي حضرها يوم 20 أبريل 2016، وذلك حين أعرب عن الاعتزاز والتقدير للدعم المادي والمعنوي الذي تقدمه تلك الدول للمغرب في إنجاز مشاريعه التنموية والدفاع عن قضاياها العادلة، معتبرا أن ذلك اللقاء الذي احتضنته العاصمة السعودية الرياض هو تجسيد حي لعمق روابط الأخوة والتقدير، وقوة علاقات التعاون والتضامن بين الطرفين، مؤكدا أن الروابط القوية بين المغرب والخليج المستندة على التشبث بنفس القيم والمبادئ، وبنفس التوجهات تقلص المسافات الجغرافية القائمة بين غرب العالم العربي وشرقه.
ولهذا إذا كان المغرب قد أحدث وزارة منتدبة لمتابعة علاقاته الإفريقية رغم أنها جاءت دستوريا بعد العلاقات مع العالم العربي في إطار "تقوية علاقات التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الإفريقية، ولا سيما مع بلدان الساحل وجنوب الصحراء"، فإن المصلحة الوطنية تقتضي إحداث جهاز مختص بالعلاقات الثنائية مع دول العالم العربي، وخاصة مع دول الخليج.
إن تأكيد جلالة الملك في قمة الرياض المشار إليها أعلاه على أن الشراكة المغربية الخليجية، التي هي ليست وليدة مصالح ظرفية عابرة، وإنما تمليها مقتضيات وحدة المصير وتطابق وجهات النظر بخصوص القضايا المشتركة تدفع في اتجاه أن يكون الجهاز المطلوب إحداثه لمتابعة هذه العلاقات تحت الإشراف المباشر للقصر الملكي والرعاية الفعلية لجلالة الملك شخصيا لتجنب بعض الحساسيات الحكومية، ولترجمة ما شدد عليه جلالة الملك في كلمته التاريخية أمام القادة الخليجيين من أن الشراكة بين الطرفين قد "بلغت درجة من النضج أصبحت تفرض ..تطوير إطارها المؤسسي وآلياتها العملية..".
وفيما هو معروف عن معظم دول الخليج التي تحفظ للمغرب الكثير من الود بسبب تضحياته معها، وجهوده الدبلوماسية والأمنية لفائدتها من الوارد جدا أن خطوة مغربية كهذه ستقابل بخطوات خليجية مماثلة . يكفي أن نتذكر في هذا السياق ما جاء في كلمة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز في افتتاح القمة المغربية الخليجية المنوه عنها من قبل، وذلك بإعلانه رفض الدول الخليجية التام لأي مساس بالمصالح العليا للمغرب، وتأكيده على الإشادة والتقدير بمواقف المغرب المساندة دوما لقضايا هذه الدول.