الثلاثاء 20 أغسطس 2019
كتاب الرأي

سعيد جعفر: الرأسمال اللامادي  "مول الحانوت" قبل "بيم" (3)

سعيد جعفر: الرأسمال اللامادي  "مول الحانوت" قبل "بيم" (3) سعيد جعفر

ما المقصود بـ "مول الحانوت؟ وما المقصود ب"بيم"؟ وأين يكون مول الحانوت "رأسمالا لاماديا؟ ولماذا يجب تقديم مول الحانوت على بيم؟.

"مول الحانوت" الذي نقصده في هذا المقال هو بالضبط "أحماد" أو "محماد" أو "اعلي" أو "الحسين" أو "عيسى" أو "أكورام" أو "لحسن" أو غيره الذي يتخذ له "حانوتا" في وسط حي شعبي أو حي صناعي في المدن الكبرى والصغرى سيان.

"مول الحانوت" هذا غالبا رجل رحل عن دواره وعن "تمازيغت" وحل بمدينة كبيرة أو صغيرة هربا من الجفاف أو الفقر، يكتري دكانا سفليا في حي شعبي يبيع فيه المواد الغذائية وقنينات الغاز و قد يبيع حتى السجائر. أما "بيم" فهي شركة متعددة الجنسيات من أصل تركي بدأت الاستثمار في المغرب على إثر توقيع المملكة المغربية لاتفاقية تبادل حر مع دولة تركيا.

تقوم الفلسفة التجارية لهذه الشركة المتعددة الجنسية على إقامة فروعها ومنصاتها التجارية داخل الأحياء الشعبية والمتوسطة، وعلى تصريف المنتوجات التركية ذات الجودة المنخفضة والسعر المنخفض كمواد التنظيف والبسكويت والملابس وغيرها. إذن "مول الحانوت" يمثل الاقتصاد التضامني وأسواق "بيم" تمثل "الرأسمالية الليبرالية" العالمية. و"مول الحانوت" يمثل رأسمالا لاماديا مغربيا خالصا و"بيم" يمثل رأسمالا ماديا عولميا.

فكيف يكون "مول الحانوت" رأسمالا لاماديا وجب تثمينه و حمايته مقابل الرأسمال الأجنبي؟

نجازف دفعة واحدة إذ نقول أن "مول الحانوت" هو واحد من الدفاعات المباشرة عن الهوية المغربية وعن الاستقرار الاجتماعي وأنه واحدا من ضمانات التماسك الاجتماعي، في الوقت الذي تفكك الأسواق العصرية ومنها "بيم" الأواصر الاجتماعي وتهدد التماسك والاستقرار الاجتماعيين وتدفع إلى عالم فيزيائي أكثر نووية.

"مول الحانوت" بالنسبة لنا هو أكثر من مجرد بقال يبيع مواد غذائية لزبائنه/ جيرانه، فهو في الحقيقة "مؤسسة مالية قرضية دون فوائد ودون ضمانات"، وهو "الشخص الوحيد من خارج الأسرة الذي يساهم في توفير الغذاء والحاجيات المنزلية، وربما مبالغ مالية عندما تنفذ الأجرة الشهرية ويكون موعد تلقي الرواتب لا زال بعيدا".. و"مول الحانوت" هو "الشخص الوحيد خارج أفراد الأسرة الذي يمكن أن يثق فيه أفراد العائلة حيث يدعون لديه مفاتيح المنزل و الأموال والوثائق الشخصية".

بهذا المعنى فهو يمثل لنا مثالا تطبيقيا جيدا على ما سميناه "الرأسمال اللامادي" والذي قلنا أنه يجب تثمينه وسند إنتاج الثروات به. وهذا ما سنقوم بالتطبيق عليه من خلال مثالين حيين ل "مول الحانوت" من مدينتين مختلفتين.

ـ المثال الأول بمدينة وادي زم:

يتوسط "حانوت" السيد (ع.ب) حي المسيرة بوادي زم في منتصف الشارع الرئيسي للحي في اتجاه قبائل الحوازم التي تتشكل من فخدتي البراهمة والرمامين.

يوجد حانوت السيد (ع.ب) وسط عدد من الحوانيت الأخرى التي تبيع بدورها المواد الغذائية أو "خبز الدار" أو "الخضر والفواكه" أو تقدم خدمات الحلاقة وبيع المواد الإلكترونية أو قاعة ألعاب..

يزيد حانوت السيد (ع.ب) عن باقي الحوانيت بيع السجائر (صاكة).

يفتح الحانوت في الصباح الباكر ويبقى مفتوحا إلى ما بعد منتصف الليل، زبناؤه من كل الفئات شيوخا ونساء شبابا وشيبا.

حانوت السيد (ع.ب) لا يخضع لأي من عناصر الرأسمالية، كالإشهار وهندسة الديكور وضمانات القروض وإجراءات الاسترداد. حانوت "بو.." كما يسميه ساكنة الحي هو أقرب إلى "ملجأ" للجميع، قرويو الحوازم من البراهمة والرمامين وشباب الحي العاطلون، والآباء والأزواج الذين يضطرون للأقتراض لتوفير الزيت والسكر والشاي لأسرهم..

حانوت "بو.." لا يخضع لأي منطق جمالي إذ يحدث أن تجد المصبرات قرب الشمع، وتجد علب السجائر فوق الدفاتر المدرسية، وتجد السكر والزيت غير بعيد عن مواد أخرى ليست من طبيعتها.

وبقدر ما تستغرب لقدرة مول الحانوت "بو.." على التحرك داخل هذا اللاتنظيم ، بقدر ما ستستغرب أن هذا الرجل لا يوثق المبالغ والسلع التي يأخذها زبناؤه دون أن يؤدوا الثمن. وليس الأمر مرتبطا بملكة حفظ خارقة لديه أو قدرة رهيبة على التذكر. إنه باختصار شديد عنصر "الثقة" الذي يجمع "بو..." بزبائنه.

زبناء "بو.." مختلفون قرويون فلاحون غالبا يكسبون المواشي يبيعونها في سوق المدينة (الاثنين) أو أسواق ثلاثاء السماعلة أو بني خيران أو بني سمير أو خميس أبي الجعد، أو ميامون يشتغلون بالموقف أو "طالبي معاشو" أو بائعي مواد مختلفة بالتقسيط أو ميكانييكين وبنائين أو أجراء في مستودعات الغاز أو نادلي مقاهي او تجار صغار أيضا او عمال ضيعات أو منظفات مقاهي ومحلات تجارية...

عدد من هؤلاء يتلقى أجره "على السيمانة" أو "الكانزة" ومنهم من يتلقى بنسبة من الأرباح بعد البيع كالعاملات في معمل الزرابي بالحي.

هؤلاء كلهم تقريبا يضطرون إلى أخذ "الكريدي" من مول الحانوت، وكلهم يتدبرون عيشهم مدة من الشهر من مول الحانوت.

لا يلجأ "بو..." لفرض فوائد على القروض كما تفعل الأبناك في النظام الرأسمالي،

ولا يضطر إلى الاحتفاظ بالبطاقة الوطنية أو ورقة شيك كضمانة كما يفعل المرابون وشركات القروض الصغرى، ولا يلجأ إلى المحكمة لطلب الأداء والتعويض عندما يعسر المدين كما تفعل الأبناك والدائنون في حال العجز عن الأداء أو عدم كفاية الأصول عن السداد؛ وقبل ذلك لا يضع "بو.." قائمة بالبضائع التي تم قرضها.

قانون "بو.." هو "الثقة" التي يؤمن بها ويرسخها كقيمة نفسية وأخلاقية ويجعلها العنصر الحاسم مع زبنائه والتي يبني عليها نشاطه التجاري بشكل عام، فالربح والثروة المادية تتوقف عند مول الحانوت على عنصر الثقة، والأخوة، والتعاون، والاطمئنان على الأحوال، والتفهم، والابتسامة الصادقة.

"بو.." يعتبر الإنسانية والصداقة أسبق من البيع والشراء، ويعتبر "تنفيس كربة" جار أو زبون أو إفراح أبنائه بعد جوع صدقة جارية.

وفي حال مول الحانوت هذا فالرأسمال لا يتحدد بالأموال التي يستثمرها في شراء السلع والبضائع ليعيد بيعها مقابل أرباح، وإنما يوجد تحديدا في العلاقات الاجتماعية القائمة على الثقة والتفاعل وتبادل الأحاسيس والمشاعر وما تنتجه من منافع مشتركة.

ـ المثال الثاني بمدينة الدار البيضاء:

غير بعيد عن المركز التجاري "بيم" بحاضرة تيط مليل التابعة لولاية الدار البيضاء الكبرى وفي وسط مركز المدينة حيث القيسارية والمقاهي الشعبية ومحلات الوجبات السريعة والمحلات التجارية الكبرى لبيع مواد التنظيف والتزيين بالجملة التي يملكها سوريون وأتراك، وحيث عمارات "ليدك" التي يسكنها مواطنون فقراء ومتوسطو الحال، يوحد البقال (ع) مول الحانوت هو رجل أمازيغي سوسي قدم إلى البيضاء في منتصف الثمانينيات، يتعامل بالكريدي مع سكان العمارة ومع عدد من الزبائن أنا واحد منهم. مول الحانوت هذا بمثابة مؤسسة تدخل في الاوقات المستعجلة، فهو وإن كان يوفر لزبائنه المدينين المواد الغذائية، فهو يوفر أيضا بطاقات التعبئة وحتى الأموال في الوضعيات الصعبة كحالات المرض أو الموت أو غيرها من الحالات التي لا ترحم فيها الشروط الرأسمالية. مول الحانوت هذا الذي قد يصل ما يقرض به الناس إلى أرقام كبيرة لا يلجأ إلى القضاء، بل وحتى إلى التذكير بالدين عندما لا يتم الأداء فهو يبدو كرجل زاهد ويترك للثقة وللضمير وحدهما مهمة الأداء.