الأحد 20 يناير 2019
سياسة

الدكتور سفيان الحتاش: بعد سقوط المشروع الإخواني في الشرق حان الوقت لإسقاط وصاية الحركة الأصولية على الحقل الديني

الدكتور سفيان الحتاش: بعد سقوط المشروع الإخواني في الشرق حان الوقت لإسقاط وصاية الحركة الأصولية على الحقل الديني الدكتور سفيان الحتاش، باحث في الشأن السياسي والديني
في هذا الحوار مع الدكتور  سفيان الحتاش، الباحث في الشأن السياسي والديني، يحلل أبعاد وحيثيات القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي ترامب بخصوص سحب القوات العسكرية الأمريكية من سوريا، وذلك على خلفية انتهاء مرحلة وبدء مرحلة جديدة من موازين القوى الدولية.
وأكد الحتاش أن القوى الحية في المغرب ستستفيد من السياقات الإقليمية الضاغطة على فرع الإخوان المسلمين جراء سقوطه في الشرق
 
* كيف تقرأ قرار ترامب الذي فسر بالمفاجئ القاضي بانسحاب الولايات المتحدة من سوريا؟
- أولا، الانسحاب الأمريكي من سوريا لم يكن مفاجئا لأن التموضع الأمريكي في سوريا منذ البداية لم يكن تموضعا استراتيجيا بقدر ما هو تواجد تكتيكي جاء في سياق الانهيار المتسارع للجسم العسكري للجماعات المسلحة الأصولية التي كان يراهن عليها الجيش الأمريكي لإحداث اختراق استراتيجي في الساحة السوريا عن طريق التمويل والدعم التسليحي والإعلامي المقدم لهذه الجماعات من طرف تركيا قطر والسعودية والإمارات.. والهدف كان هو إسقاط سوريا كموقع ودور في الصراع الجيوسياسي الدائر في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة من جهة وبين روسيا والصين والقوى الصاعدة الأخرى من جهة أخرى، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي وحاجته للإصلاح. إن أهمية الانسحاب الأمريكي من كافة قواعده العسكرية في سوريا، بما فيها قاعدة التنف، لا تنبع من عدد الجنود والمعدات الأمريكية التي سيتم سحبها من سوريا، وإنما تنبع تلك الأهمية من تَشكل قناعة راسخة لدى الإدارة الأمريكية وصناع القرار ودوائر الضغط المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية، بأن الإمكانات الاقتصادية الأمريكية لم تعد تحتمل تمويل المزيد من المغامرات العسكرية والحروب الفاشلة في العالم، وذلك نتيجة الهزائم التي لحقت بها (الإدارة) في حروب أفغانستان ولبنان والعراق وسوريا. وقد أصبحت المعادلة لا تحتمل أكثر من طريقين، إما وقف التدخلات العسكرية الأمريكية في العالم، والتركيز، بدلا من ذلك، على إصلاح الولايات المتحدة من الداخل على صعيد الاقتصاد والبنى التحتية وغير ذلك، وهو الأمر الذي أشار إليه الرئيس الأمريكي، في مقابلته مع صحيفة “الواشنطن بوست” بتاريخ 29 نونبر 2018، عندما قال إن الولايات المتحدة لا تريد أن تلعب دور الشرطي في العالم. ما يعني انتهاء مرحلة وبدء مرحلة جديدة في موازين القوى الدولي، وبروز إرهاصات تشكل نظام عالميا جديدا لم تتضح معالمه بعد، بعدما أصبح نظام الأحادية القطبية الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين يعاني من أزمات بنيوية في الاقتصاد و”الجيوبولتيك” والأمن العالمي بعد التراجع الأمريكي وانكفائه في كثير ساحات المواجهة.
 
* أليس لهذا الانسحاب تداعيات على المستوى الاستراتيجي العام لهذه الدولة التي كانت تراهن من أجل ضمان مصالحها على استعمال الحركات الإسلامية كالإخوان المسلمين مثلا كورقة للتطاحن في ما بينها واستعملتها في ما يسمى الربيع العربي في عدة دول؟ فهل التخلي عن دعم هذه الحركة في سوريا بداية لإحراق أوراق حركة الإخوان المسلمين وانحسارها سواء في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا؟
- قبل اندلاع موجات ما يسمى الربيع العربي الذي أدارت عبره واشنطن، بواسطة وكلائها العرب والإقليميين، كرة نار حملها الإخوان المسلمون والوهابيون باسم الديمقراطية، كانت الساحة الأمريكية تشهد نقاشا حادا بين النخب السياسية ومجمعات صناع السياسة في واشنطن، هذا النقاش شكل مخاضاً صعباً وفرزاً قاسيا للمواقف والمواقع أصابت الحزبين الديمقراطي والجمهوري بتصدعات وإعادة تموضع، تحت تأثير الفشل المتنامي في حرب العراق، منذ بدأت ملامحه في صيف العام 2005، مع بدء ظهور طلائع أعمال المقاومة العراقية من جهة، والفشل الذريع لتحقيق الضغط المنشود على إيران وسوريا، لتغيير تموضعهما في السياسات الإقليمية، وقد كانت نتائج لجنة تحقيق في هذا الفشل التي شكلها الكونغريس المعروفة بلجنة “بيكر هاملتون” التي ارتكزت كما بات معلوما على الدعوة لوقف سياسة الإقصاء والعقاب بحق روسيا على الساحة الدولية، والعودة إلى معادلة الشراكة معها لصناعة الاستقرار وملء الفراغات الاستراتيجية الناتجة عن الفشل، والتوجه بروح الشريك الاستراتيجي نحو أوروبا القديمة، أيّ فرنسا وألمانيا وبريطانيا التي قال عنها رامسفيلد إنها صارت شيئا من الماضي وقد انتهى زمانها، مع ظهور ما سماه بأوروبا الجديدة من جورجيا وأوكرانيا إلى رومانيا وتشيكيا وبلغاريا وبولندا. وتدعو الوثيقة إلى العودة إلى حظيرة الأمم المتحدة كإطار لحفظ الأمن والسلم الدوليين، أما في الشرق الأوسط فقد أوصت الوثيقة بانسحاب القوات الأمريكية من العراق ضمن عملية سياسية تشاركية مع الجارين الإيراني والسوري، من ضمن حوار شامل معهما، يقوم على الاعتراف بإيران كقوة إقليمية، ودور فاعل في أمن الطاقة والخليج، وبالتوازي الاعتراف بمكانة سوريا كلاعب إقليمي له دوره في استقرار العراق ولبنان، وفي صناعة السلام العربي الإسرائيلي، وما يستدعيه ذلك من تسليم بأن إسرائيل باتت عبئا على السياسات الأميركية برفضها الاستجابة لدعوات قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، على الأراضي المحتلة العام 1967 ومع حل عادل لقضية اللاجئين ينطلق من القرار 194 دعت الوثيقة إلى الانسحاب من الجولان حتى خط الرابع من يونيو، ومن مزارع شبعا اللبنانية ضمن مفهوم تلازم المسارين اللبناني والسوري.
صدرت الوثيقة في نونبر من العام 2006 وقامت في وجهها حرب ممولة من السعودية ومدعومة من إسرائيل، كان أول نتاجها وثيقة فريدريك كاغين الصادرة عن معهد “أميركان إنتربرايز” الداعية إلى بديل يقوم على تشكيل حلف بين من تسمّيها “دول السنة” وإسرائيل، في وجه ما أسمته بـ”المحور الشيعي”، معتبرة أن المواجهة ستغير الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، وكان ديك تشيني يومها الراعي للإعلان عن الوثيقة، التي أطلق عليها اسم “النهوض” وشهدت وسائل الإعلام الأمريكية سجالات ومناظرات بين مناصري الوثيقتين. إن وثيقة النهوض هذه كانت تتضمن بشكل صريح قيام حرب ناعمة تقودها واشنطن أساسها إطلاق ثورات ملونة مادتها الأساسية الخطاب الديني والاستثمار في الأوضاع المأساوية والتناقضات الاجتماعية وغياب الحريات والاستبداد السياسي للإيصال الحركات المتأسلمة إلى سدة الحكم في المنطقة العربية كي تكون رأس حربة المشروع الأمريكي الرأسمالي لإعادة صياغة المنطقة طائفيا، بما يخدم مصالح هذا الأخير وأمن إسرائيل. ولقد تم إعداد تركيا أردوغان الإخوانية لقيادة هذا المشروع، بما تمثله من موقع جيوسياسي حكومة إخوانية متأسلمة وببروغندا سياسية واقتصادية تم الإعداد لها سلفا بالتعاون مع قطر وذراعها الإعلامي “الجزيرة” الذي لعب دورا جوهريا في هذا المشروع وفقا للدور المرسوم لها أمريكيا. ومع سقوط الاندفاعة الأولى للأخونة والاستنجاد بالسعودية والقاعدة وفرعيها “داعش” و”جبهة النصرة” لتعويض الخلل، تهاوت حكومات الإخوان المسلمين في مصر وتونس ورحل أمير قطر. ومع فشل السند الاحتياطي السعودي والقاعدي، صارت تركيا خارج الأجواء السورية بقوة الطرد العكسية للحضور الروسي، وها هو الجيش السوري وللمرة الأولى منذ سنوات يعود إلى تسلم نقاط حدودية مع تركيا معلنا سقوط مشروع العثمانية الجديدة، وبسقوط المشروع تبدأ عملية العكس العكسي لتداعيات هذا الفشل على المشروع الإخواني الإقليمي وداعميه ومشغليه.
 
* ما هي في نظرك انعكاسات ذلك على الساحة المغربية التي يبدو أن هذه الحركات الإسلامية والمد الأصولي بشكل عام من إخوان مسلمين ووهابيين استقرت وتغلغلت بشكل لافت في المجالس العلمية مثلا والجامعات...إلخ في عهد حزب العدالة والتنمية الذي يدين بالولاء المذهبي للإخوان المسلمين أكثر من ولائه المذهبي للمغرب والمغاربة؟
- في المغرب يمكن القول إن الدولة الوطنية والقوى الحية حتما ستستفيد من هذه السياقات الإقليمية الضاغطة على فرع الإخوان بالمغرب جراء السقوط المدوي للمشروع الإخواني في الشرق الأوسط التي شكلت الساحة السورية آخر جبهات المواجهة لهذا المشروع التي خاض فيها الجيش السوري وحلفاؤه حربا وجودية مصيرية نيابة عن الإنسانية جمعاء، لأنه هنا يجب الإشارة إلى حقيقة بالغة الأهمية، هي أنه بغض النظر عن اختلافنا في الرؤية لما جرى في المنطقة عامة وسوريا خاصة، عشية بدء أحداث ما يسمى الربيع العربي التي شكلت فيها سوريا غاية الغايات والجائزة الكبرى لمشغلي المشروع، لو كتب لمشروعهم أن ينجح هنالك لا قدر الله لاستحال واقعنا ظلمة، ولتمت أفغنة المنطقة على بكرة أبيها. وعودة للواقع المغربي، هزيمة المشروع الأصولي في المنطقة يعطي للقوى الديمقراطية والمتماهين مع هذه القوى في الدولة الوطنية فرصة تاريخية لاستعادة المبادرة من حركات التأسلم السياسوي لو هي أحسنت استغلال الفرصة، ولكن ذلك لن يتم إلا بتعاون الدولة والقوى الديمقراطية في إعادة هيكلة الحقل الديني وإسقاط وصاية الحركة الأصولية على هذا الحقل عبر خداع الدولة والملك عن طريق نهج سياسات زئبقية تسعى من جهة إلى تقديم الولاء السياسي للملك، وهو ولاء زائف وتكتيكي في ما ولاؤها العقائدي والإديولوجي يبقى للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، لأن هذا الوضع يشكل خطرا استراتيجيا على الدولة والنظام السياسي في المغرب. وأعتقد أن كثيرا من الجهات الرسمية في الدولة أصبحت تعي هذه الحقيقة.
في هذه الصيرورة يجب قراءة آفاق المشروع الأصولي بالمغرب. وفي هذا السياق أيضا يجب قراءة منجز هيكلة الحقل الديني. فهل للدولة إرادة سياسية لإصلاح الحقل الديني خدمة لأفق الأصلح الشامل انتصارا لدولة المؤسسات، حتى نتطلع إلى ما هو أبعد في رسالة المغرب الحضارية. إن الجريمة الإرهابية الأخيرة في ذبح السائحتين الإسكندنافيتين وتحول المغرب إلى خزان للتطرف الأصولي، حسب تقارير أمنية أوروبية وأمريكية من خلال رصد عدد المغاربة المنفذين والمشاركين في العمليات الإرهابية عبر العالم، ربما كان كافيا لتتخلص حواسنا من هذا التنويم والاستغفال الأصولي العميق لمؤسسات الدولة في الحقل الديني والتعليمي والثقافي...
لا نخفي القول، إن المغرب في حاجة -أمام انزلاق مؤسساته الدينية بفعل الاختراق الأصولي- إلى قطيعة إبستيمولوجية، مع تدبير المخزن الديني والسياسي، لإنجاز مهام الدولة الوطنية الديمقراطية، وبناء مرجعية إمارة أمير المؤمنين على اساس من التدين المغربي والاسلام المغربي الحضاري. ما عدا ذلك، سنبقى كمؤسسات بوعي أو بدونه، نعمل المزيد من معاول الهدم في معمارنا المذهبي والمؤسساتي، وخدمات الأصولية جاهزة لتبرير الاستبداد والاستغلال والتخلف، وقطع الأعناق والأرزاق، وحتى حجز مقاعد جهنم من الآن لكل المخالفين، وباسم الدين. القوى الديمقراطية هي كذلك يجب أن تعي سؤال الدين في مشروع التغيير، وأن تتجاوز تلك النمطية في رؤيتها للمعطى الديني وأن تنخرط في الإصلاح ضمن مشروع مجتمعي شامل واستراتيجي عوض الاتكاء على خطابات تتجذر في الكلام فيما هي خالية الوفاض، والا فإنها ستأكل يوم أكل الثور الأبيض.